عير الأستاذ محمد سليمان احد الشعراء (الحلفاويين) ، شخص يدعي عبود بسبب خيانته لرفاقه والتبليغ عنهم عقب فشل انقلاب المرحوم هاشم العطا وصحبه. فعل ذلك عبر بيت شعر في قصيدة بلغته الأصلية يقول (عبود يا بزقة مسلول في وجه القرية) .. و يقال ان عبود قد عزل بسبب تلك القصيدة الي ان أصيب بالذهول ، و الله اعلم. التقيت بالأستاذ محمد سليمان في نهاية السبعينات تقريبا ، و لا اعلم له حالا او وضعا اليوم ، بعد ان اكملنا المرحلة الثانوية و كنا نعمل ، قبل التحاقنا بالجامعات ، بمجموعة من الشركات الانجليزية العاملة في مشاريع السكر بعسلاية و كنانه. و يقال ان للاستاذ محمد سليمان كم من الشعر باللغة النوبية و قد تغني بها عدد من المطربين . عادت بي الذكريات الي لعنة السل اثر تحقيق حول تقرير لمنظمة الصحة العالمية  نشر بصحيفة الصحافة حول الانتشار الخطير لذلك المرض بالسودان الذي صنف كواحد من اكثر اقطار إقليمه إصابة بالوباء الفتاك. ذكر التقرير ان هناك نوع ثالث من السل مقاوم للعلاج اصبح ينتشر بشكل مخيف حسب المكتب الإقليمي للمنظمة بشرق المتوسط ورد فيه تحذير للسودان بضرورة اتخاذ التدابير اللازمة و تنفيذ برامج مكافحة المرض بشكل أفضل. قامت بالتحقيق امل محمد اسماعيل و نشر بتاريخ 24 ابريل 2010م بجريدة الصحافة و قد وصلت اليه عبر موقعها الالكتروني. اذا تحرينا الدقة فان السودان يصنف عالميا في اقليم الشرق الاوسط و شمال افريقيا (  MEANA ) و ليس شرق البحر الأبيض المتوسط. و يجعل ذلك من تصنيف السودان من اكثر بلدان ذلك الإقليم إصابة بالسل كارثة حقيقية و انتكاسة للجهود التي تم بذلها سابقا في مكافحة المرض. يزيد من وقع الكارثة ان السودان كان قد سجل أداء أفضل مقارنة بعدد من دول المنطقة التي تعاني من معدلات أفظع من الفقر و من تكرار المجاعات و الجوع المزمن و انتشار الحروب و النزاعات الممتدة خاصة في القرن الإفريقي.

  من المعلوم ان مرض السل من الامراض واسعة الانتشار في دول العالم الثالث الفقيرة ، اما معدله العالمي فهو اصابة 1% من السكان. و يشكل انتشاره وسط النساء شكلا اوسع بكثير من الرجال ، ربما لوقع الفقر الاكبر علي المرأة مقارنة بالرجل. من الحقائق المخيفة في هذا المرض هي انه و في حالة عدم العلاج ينقل المصاب العدوي الي 5 – 10 اشخاص في العام. لذلك قلنا ان مستوي انتشار المرض الذي جاء في التقرير ، حسب تحقيق امل الذي اشرنا اليه ، يشكل كارثة حقيقية. ذلك لانه و بعملية حسابية بسيطة و حسب النسبة الواردة بالتقرير التي تعطي السودان نسبة تتراوح بين 11 و 16% و في ظل تردي التصدي للمرض و مسبباته فانه سيتحول الي وباء في جميع أنحاء القطر في فترة لا تتجاوز عقد واحد من الزمان. فوق ذلك فان المعدل الحالي الذي يجعل السودان يحتل المرتبة الثانية عالميا بعد باكستان " حسب التقرير" يزيد بمعدل 10 الي 15 مرة عن المعدل العالمي المتوسط للإصابة بالمرض الذي يساوي 1%. هناك مفارقة أوردها التحقيق عن حجم الإصابة بين إحصاءات منظمة الصحة العالمية و الإحصاءات الرسمية للمستشفيات الحكومية السودانية. حجم الاصابة بالمرض حسب المنظمة هو 600 الف شخص بينما تقول المستشفيات الحكومية السودانية ان المصابين هم 27 الف شخص فقط. و بمعرفتنا لانتشار المستشفيات الحكومية و قدرتها الاستيعابية خاصة في مناطق تركز المرض و قياسا علي إمكانية وصول المرضي الفقراء و الاشد فقرا للمستشفيات يمكن القول ان إحصائيات المستشفيات الحكومة حول السل  لا يمكن اعتبارها مقياسا دقيقا لحالات الإصابة بالمرض و لا تزيد دقة عن احصائيات تلك المستشفيات لمعدل الوفيات بالسودان.

ما يزيد من هول المأساة ان المرض و كما اشار التحقيق يصيب الفئات السنية بين 15 – 49 عاما ، وهي الفئة الأنشط اقتصاديا ، و هذه حقيقة علمية معلومة و موثقة عن هذا الداء. فوق ذلك فان المرض يقتل من النساء اكثر مما تقتل جميع مسببات وفيات الأمومة. الحقيقة المفجعة المؤكدة الاخري هي ان علاج هذا المرض في حالاته الطبيعية متوفر في جميع بلدان العالم و لا تزيد تكلفة علاج المريض الواحد ( عالميا ) عن 30 دولار. لكن صعوبة العلاج تكمن في ضرورة متابعته بشكل مستمر لفترة تقدر بحوالي ستة أشهر متواصلة بواسطة الطبيب المعالج و الذي يرجع إليه القرار في تحديد الوقت المناسب لتوقف المريض عن العلاج ، و هذا امر نادر الحدوث في السودان. في هذه الحالة يمكن توقع ان تفشي المرض و ظهور نوع مقاوم له ناتج عن عدم خضوع عدد كبير من المرضي للعلاج و توقف اخرين قبل ان يكملوا الجرعات المطلوبة ، و يعود القول الفصل في هذا الامر للمختصين. و بما ان الدرن او السل من اقدم الأمراض التي عرفتها البشرية فمن الاجدي التعرف عليه بشكل دقيق و علاجه بشكل ناجع. الابلغ في تسمية المرض هو " السل " رغم ان " الدرن " هي الكلمة الناصح علميا نسبة لتدرن الرئة او إصابتها بأورام صغيرة و تجاويف محتوية علي مادة متجبنة ، حسب ما يرد في الشرح بالمعاجم المختصة. اما السل فقد وردت الإشارة إليه من قديم الزمان بأنه مرض " ينتقص من جسم الإنسان بعد سعال و مرض" أي ان مرض يسلب العافية او يسلها من المصاب ، اما السبب الاساسي للمرض فهو الفقر. بهذا الشكل يمكننا القول ان تفشي المرض بمثل المستويات المشار إليها في تقرير منظمة الصحة العالمية يعتبر مؤشرا مهما علي تزايد معدلات الفقر في السودان و تراجع مستوي الرعاية الصحية الحكومية.

 

Dr.Hassan.

hassan bashier [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]