قال السيد كارتر ، الرئيس الأمريكي الأسبق و بعثة الاتحاد الأوربي ان الانتخابات السودانية لم تستوفي المعايير الدولية ، لكنهم اكدوا في نفس الوقت ، خاصة السيد كارتر ، متحدثا باسم مركزه، اكدوا اعترافهم بها. غير انهم لم يكملوا المقال حتي نهايته لتوضيح اسباب الاعتراف بانتخابات لم تستوفي معايير النزاهة و الشفافية وفقا لرؤيتهم الخاصة لتلك المعايير. لم يقولوا لنا اننا دفعنا نحو انجاز الانتخابات في مواعيدها تلك بشكلها ذاك ، لانها تؤدي بنا مباشرة الي هدفنا المرسوم و هو ، الاستفتاء ، الذي سيقرر انفصال الجنوب لدولة مستقلة. تلك هي افضل نتيجة يمكن ان تؤدي اليها الانتخابات التي تمت في السودان بمباركة من امريكا و الاتحاد الاوربي و بموافقة اطراف مهمة اخري مثل الصين و روسيا و بتبعية متوقعة و طبيعية من الاتحاد الافريقي و جامعة الدول العربية. لسان حالهم في ذلك يقول ( لكل حدث حديث و لنا في المستقبل ترتيب اخر) .   بعد ان اكل كل منكم أكلته نقول لكم : تفضلوا الي بيوتكم و بلدانكم و براكينكم و اتركونا نقرر مصيرنا بأنفسنا. ما حدث من مركز كارتر و من الإدارة الأمريكية ممثلة مباشرة في مبعوثها غرايشن يعطي درسا لكل من ينتظر خيرا من أمريكا او من التدخل الأجنبي أي كان في حل مشاكله او نصر قضيته. انهم لن يفعلوا الا ما يحقق مصالحهم سواء ان كان ذلك علي حساب الديمقراطية او الحرية او حقوق الانسان، حتي لو ادي ذلك الي ضياع أوطان و تمزيقها كما حدث في الصومال و العراق ، و كما يجري في فلسطين منذ أكثر من ستين عاما.

     اما بالنسبة لنزاهة الانتخابات ، فمن الذي قال لهم ان هذه الانتخابات تضع اعتبارا للنزاهة و الحرية ، الكل يعلم انها انتخابات أطراف نيفاشا و ليست انتخابات للشعب السوداني. في هذا الوضع يثير الاستغراب اندهاش بعض الأحزاب و الجهات ، خاصة التي خاضت الانتخابات بقناعات تشبه السذاجة ، من استحواذ المؤتمر الوطني لنسبة خرافية من التأييد. ذكر السيد فتحي شيلا لقناة الحرة خلال سير الانتخابات ان الاعضاء المسجلين بالمؤتمر الوطني الذين يحملون بطاقات عضوية يقدرون بحوالي ستة ملايين عضو، بالتالي ، حسب رؤيته فانه لا يحتاج لتزوير الانتخابات. و الحال كذلك فهو ايضا لا يحتاج لاصوات الآخرين لان ذلك العدد يكفي للفوز. بهذه العضوية و بالنسبة التي حصل عليها المؤتمر الوطني فهو يجعل من أحزاب كثيرة في العالم ، منها أحزاب في ديمقراطيات عريقة استمرت لمئات السنين في دول مثل بريطانيا ، فرنسا ، المانيا و امريكا ، و حتي في دول اخري يسيطر فيها حزب واحد مثل الحزب الشيوعي الصيني يجعل منها أقزاما.  ليس واضحا لاي سبب ذلك التأييد ، هل هو بسبب الثراء ام بسبب الفقر؟ كما ليس من الواضح هل يعود ذلك التأييد لعظمة الانجاز ام للارتزاق و حب المناصب و المغانم ام لجوع الكلاب؟ مع صعوبة الاقتناع بحجم العضوية الذي أشار اليه السيد شيلا الا ان تفوق الوطني علي الاحزاب التي خاضت الانتخابات يبدو منطقيا ، اذ ان المنافسة قد انعدمت بعد انسحاب أحزاب المعارضة الأكثر تأثيرا علي سير العملية الانتخابية و بعد فقدان زخم المنافسة الذي أحدثه ترشح عرمان للرئاسة و الذي تلاشي بانسحابه مخلفا إحباطا قويا للقوي التي كانت تبحث عن بديل يروي ظمأها و أشواقها في التغيير ، غض النظر عن واقعية تلك التوقعات او كونها متوهمة. في هذه الحالة وضحت المفارقة بان المنافس الأكبر للمؤتمر الوطني هو "التالف".

 بعد ان طويت صفحة الانتخابات ستكون هناك حكومة في الشمال مكونة أساسا من المؤتمر الوطني و الذي نرجو ان تخلص هذه الانتخابات صفوفه من الغرباء و المتسلقين. كما ستكون هناك حكومة في الجنوب من الحركة الشعبية. بما ان استنتاجنا الرئيس هو ان هذه الانتخابات هي المقدمة الحقيقية للانفصال فإننا سنقدم مطالبنا لحكومة الشمال المكونة من المؤتمر الوطني. المطالب تتلخص بشكل اساسي في تنفيذ الحزب الحاكم او ( حزب الا مر الواقع ) كما صرح بذلك الاستاذ فاروق ابو عيسي في إشارته الي ان التعامل مع هذه الانتخابات لن يتعدي ( الأمر الواقع) ، تتلخص في عدد من الوعود التي أطلقتها حملة حزب المؤتمر الوطني و ماكينته الإعلامية في دعايتها الانتخابية. و لا نريد لتلك الحملة ان تذهب هباء ، المنشورات ، المطبقات، الأشرطة ، ملفات النت ، البرامج التلفزيونية و الإذاعية و الإعلانات الصحفية موجودة و مؤرشفة.

المطلب الاول هو الارتقاء الي الهم الوطني و التنازل عن العصبية و الحزبية الضيقة و الارتقاء الي التعامل المؤسسي و الفصل بين الدولة و الحزب بجميع ما يلزم من مستحقات. المطلب الثاني تحقيق التحول الديمقراطي و إطلاق الحريات و طلاق الشمولية و التضييق علي الحريات ، و لن يتحقق هذا الا بجملة من الإصلاحات التشريعية و السياسية و التنظيمية. المطلب الثالث تحقيق السلام في دارفور و الأمن الاجتماعي في جميع إنحاء البلاد، خاصة المرتبط بمظاهر الفقر و الفاقة ، و تحقيق الاستقرار السياسي بحكم انه شرطا أساسيا للاستقرار الاقتصادي . يعتبر ذلك شرطا اساسيا للمطلب التالي و الذي شكل أهم اركان دعاية المؤتمر الوطني وهو : التنمية. لا يمكن تحقيق التنمية دون الارتقاء للهم الوطني و المؤسسية و بدون تحقيق التحول الديمقراطي و انجاز مهمة السلام الشاقة خاصة في دارفور. اما المطلب الأخير المتلخص في وحدة السودان فلا اعتبر من الواقعية انتظار تحقيقه من احد لان قطار الانفصال قد انطلق و من الصعب ان لم يكن من المستحيل إيقافه و لن تفيد في ذلك أي استطلاعات للرأي سواء كانت علنية او سرية. كل ما يمكن المطالبة به هنا هو العمل علي ترسيم الحدود و العقلانية في انجاز مهمة الاستفتاء حول تقرير المصير و ان يتم الانفصال بشكل سلس و بدون إشعال حرب ستكون ، لا قدر الله هي الحرب الأخيرة التي يمكن ان يشهدها شيء سيقال عليه ( كان اسمه السودان). في انتظار تحقيق تلك المطالب نقول لليانكي و العم سام و معهم زمرة الأجانب و المستفيدين من تمويل الانتخابات ، نقول لهم : ( Go home) و دعونا نتعامل مع شأننا الوطني و نقوم بترتيب اوراقنا المبعثرة ، و في هذا المقام الخاص بترتيب الاوراق يطول الحديث.  

 

Dr.Hassan.

hassan bashier [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]