الديمقراطية تعني حسب فهمنا حكومة منتخبة تحظي باغلبية في المؤسسات التي تمكنها من تنفيذ برنامجها الذي فاز بخيار الشعب بسهولة و بدون عوائق تشريعية. كما تعني في الطرف الاخر من المعادلة معارضة منتخبة تتمتع بكامل الحرية و الاهلية من مراقبة تنفيذ السلطة الفائزة لبرنامجها و مواصلة طرح البرنامج البديل للجمهور و الفوز به في أي لحظة يثبت فيه فشل الخيار الفائز او عند انتهاء اجل الدورة المرسومة لتداول السلطات و البرامج. لن تحقق ، للاسف الشديد الانتخابات السودانية التي ستبدأ يوم غد الاحد الموافق 11 ابريل 2010م تلك المعادلة. في ظل مقاطعة واسعة لقوي المعارضة ممثلة في حزب الأمة بجناحيه المتحدين ، القومي و الإصلاح و التجديد ، الحركة الشعبية لتحرير السودان ممثلة في قطاع الشمال ، الحزب الشيوعي السوداني اضافة لدعوات مؤثرة لأقطاب في الحزب الاتحادي الديمقراطي لمقاطعة الانتخابات و مجموعة من الأحزاب و الجماعات الاخري . لن تحظي المعارضة بتمثيل حقيقي يذكر يمكن الركون اليه في تحقيق الطرف الاخر المهم من المعادلة الديمقراطية. يعطي ذلك مبررا قويا للاعتقاد بان الحكومة القادمة تمثل المؤتمر الوطني و حلفائه و من تعاقد معهم. يبقي علي المعارضة الحقيقية خوض معركتها من خارج المؤسسات التي ستفرزها الانتخابات الراهنة بشكلها الحالي المثير للجدل و الذي لم يجد التوافق الادني من اطراف المشهد السياسي السوداني. نفس الوضع سيكون في الجنوب الذي ستفوز به الحركة الشعبية بنسبة كبيرة مغلبة خيارها علي الاخرين و منفذة ما تريد ، سواء ان مثل ذلك الراي الحقيقي للأغلبية ام خالفه ، اذ ان و في الوضع الراهن ستكون الغلبة للاقوي و ليس للأغلب. اما عن دارفور فيبدو ان لا احد مقتنع بان الوضع هناك يمكن من الحديث عن أي خيار ديمقراطي.

  هذا المشهد سيقدم معادلة او موازنة ديمقراطية مختلة ، هذا اذا اقتنعنا بان ما يجري اليوم في السودان سيؤدي في نهاية المطاف الي ممارسة ديمقراطية مقبولة تستوعب غالبية ألوان الطيف السياسي و الاجتماعي في السودان. اكتمال عناصر المعادلة الديمقراطية يتطلب عدة شروط من اولها نبذ القناعات الشمولية و التوجه نحو الخيار الديمقراطي و التداول السلمي للسلطة . هذا معناه اقتناع من هم في الحكومة اليوم بان يصبحوا في المعارضة غدا بدلا من قناعتهم التامة بانهم و لدوا ليحكموا حتي الموت و التوريث. يقدم ذلك نموذجا لمشجعي كرة القدم المتعصبين الذين يعتقدون ان الرياضة هي الفوز الدائم لفريقهم بشكل يفسد روعة و متعة المنافسة. من الدلائل علي الفهم الديمقراطي احترام خيارات الخصوم و توجهاتهم التي تهدف لخدمة المجتمع ، ذلك بدلا عن توجيه الإساءة تلو الإساءة للخصوم و التخويف و الترهيب و التهميش و التهديد الدفن و قطع الإطراف .كما تعني تلك المعادلة احترام جمهور الناخبين من مؤيد و معارض بالمحافظة علي المؤيدين و كسب المعارضين.

 الكسب يرتبط بتحقيق أهداف المجتمع بتقديم برامج تنموية للجميع بتحديث المجتمع و تطويره و بناء المؤسسات المستندة الي أسس تشريعية و تنظيمية متينة و مستدامة. تعني تقديم ضمانات النزاهة و المنافسة و الحماية و التنظيم و ضمان الحقوق الخاصة بالمواطنة كاملة غير منقوصة و بضمان تكافؤ الفرص و ضمان حق التقاضي العادل و المساواة امام القانون. لا يتم ذلك بدون ضمان الحريات العامة و حرية التنظيم و ممارسة العمل النقابي الصريح المستقل عن السلطة و صاحب العمل او المخدم. يعني تحقيق أهداف المجتمع ايضا تقديم خدمات اجتماعية مناسبة خاصة في الصحة و التعليم و العمل و الكهرباء و المياه للجميع و ليس فقط ( للذي يصوت لنا ) ، لان هذا الامر يتعلق بالدولة و ليس بالحقوق في شركة محدودة. يعني تحقيق أهداف المجتمع تقديم خدمات البحث العلمي و ترقية الفنون و الاداب و مختلف مكونات الثقافات الموجودة بالمجتمع و التنمية المتوازنة و القسمة العادلة للثروة و توزيع الدخول بشكل منصف ، بإتاحة تكافؤ فرص المنافسة و توحيد معايير العمل و تحسين شروط الخدمة و رفع المستوي المعيشي للمواطن أينما  كان و بغض النظر عن النشاط الذي يمارسه او عنصر الإنتاج المتوفر له.

 يحتاج تحقيق المعادلة الديمقراطية و معالجة اختلالها حتي تصبح قابلة للحل تقديم الخيارات الوطنية علي المصالح الذاتية الضيقة و الفهم الصحيح لمجريات الأمور الداخلية و الإقليمية و الدولية و اخذ جميع المتغيرات في الحسبان حتي تصبح المعادلة قابلة للحل. لكن اخذ متغير واحد و الهتاف به ( وجدتها و جدتها ) ، لا يعني انك وجدتها بالفعل لان النتيجة ستكون سقوطك الحتمي في الامتحان. لا توجد دلائل علي ان هذه الانتخابات ستكون بداية لحل المشاكل التي يعاني منها السودان او انها ستقود الي تحول ديمقراطي حقيقي. الخوف هو ان تؤدي الي تأزم الوضع و تعقيده و تقديم خيارات مشوهة حول الوحدة و الانفصال و ان تؤدي في المحصلة النهائية الي الحرب. لم يتم التوافق علي شروط معينة للممارسة الديمقراطية في السودان كما لم يتم التوافق علي خيار واحد داخل أي حزب من الأحزاب السودانية او أي حركة من حركاته ، سواء ان كانت تلك التي هي في الحكم و ستخوض الانتخابات او التي تقف مقاطعة في المعارضة و رافضة للدخول في اللعبة السياسية الراهنة التي تري انها لا تلبي لها الحد الادني للمشاركة فيها.

  علي اية حال اذا طلب مننا رأي فسنقول ان من مصلحة الجميع الاحتكام الي الخيار الديمقراطي بتكملة عناصر و متغيرات المعادلة الديمقراطية المنقوصة ، لانه و باختصار لا يوجد أي خيار آخر. في نهاية المطاف سيؤدي التصلب في الرأي و الإصرار علي الممارسات الخاطئة الي دمار الحاكم و المحكوم و ضياع الوطن الذي تتصارع عليه الأطراف السودانية . اذا لم يتم تدارك الأمر بسرعة فسيجد كل طرف من الأطراف نفسه يخوض صراعا داخليا ، داخل فنائه الخاص و بين من كان يعتقد أنهم أهله الأقربين.

 

 

Dr.Hassan.

hassan bashier [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]