بعد الهبة المجيدة التي قامت بها جماهير عطبرة من أجل الحق في الكرامة وحياة إنسانية طبيعية لم تعد الأمور كما كانت ولن تعود الي الوراء ابدا...
هذه تبدو حقيقة واضحة وبسيطة بعد أن وصل نظام الإنقاذ الي نهاية قدرته علي الحكم وإدارة البلاد بشكل يوفر أدني متطلبات الحياة المتمثلة في الخبز ومتطلبات العمل والحركة والإنتاج وحتي النقد الذي يمكن الناس من قضاء حواءجهم.
مثل هذا الفشل لا يمكن إنكاره أو مداراته أو تبريره وبالتالي فقمع المحتجين عليه إضافة لخطله وسوء عواقبه فهو ببساطة غير ممكن, كيف يمكنك أن تمنع شخص ما من الاحتجاج علي عدم حصوله علي قطعة خبز أو قطعة نقدية يشتريها بها؟ لكن الأمور أصبحت أكبر من ذلك فقد أصبحت بالمطالبة بإنهاء الفشل ومسبباته وصانعبه.
خلاصة القول إذا أراد القائمين على الحكم في السودان وهم المؤتمر الوطني وما تبقي من الحركة الإسلامية إذا أرادوا أن يكونوا من مكونات المستقبل في هذه البلاد فعليهم مراجعة مواقفهم بسرعة وتجنيب هذا الشعب جسامة التضحيات وبحور الدماء من أجل التغيير الذي اصبح أمر ملحا وحتميا في أن معا.
لم يعد الترقيع ممكنا ولن تجدي الوعود بعد ثلاثين عاما في الحكم ولن يقتنع الناس بانتخابات شكلية في ظل سيطرة طرف واحد علي السلطة والثروة والإعلام والمؤسسات بما فيها التنفيذية والتشريعية والقضايية. لم يعد مجديا أن تقول للناس تعالوا الي انتخاباتي وتقبلوا شروطي وساضمن لكم تلك المقاعد الخلفية, هي ليست مريحة ولكن هذا كل ما أستطيع تقديمه لكم.
الحل في القبول بالتداول السلمي للحكم بشكل كامل الأركان بعد انتقال السلطة بشكل تام وتحديد فترة انتقالية لتكييف الأوضاع الدستورية والقانونية والمؤسسية لتمكين القوة السياسية من اعادة تنظيم نفسها ووضع برامجها ومعالجة الوضع الاقتصادي المنهار ومن ثم الذهاب الي انتخابات حقيقية نزيهة مراقبة تلبي المعايير المتعارف عليها.
من المستبعد أن تلبي السلطة القائمة هذه المطالب لكن علي ما يبدو لا يوجد طريق آخر أمن للانتقال من الوضع القائم الي وضع مقبول من جميع القوي الحية في السودان وإذا كان البعض يعتقد أن مثل هذه القوي غير موجودة فليسال عطبرة والقضارف وغيرهما من مدن السودان وقراه. نقول هذا لتجنب الإقصاء والإقصاء المضاد الذيىسيقود حتما الي تكاليف باهظة في الأرواح وما الدماء التي سالت حتي الآن إلا دليلا علي ذلك. هي ارواحا عزيزة وتضحيات جسام وخسائر موجعة لا تعوض لكنها قد حدثت وأصبح أمرها خاضعا لمحاسبة الجناة ومعاقبتهم علي ما فعلوا.
لكن تحذيراتنا السابقة من مثل هذه العواقب ناتجة عن قراءتنا لواقع مازوم نعيش فيه وتحذيراتنا من عواقبه كانت خوفا علي أرواح الناس واملا في ايجاد مخرج عقلاني يجنب البلاد الانزلاق الي مالات يصعب التكهن بها الي ان خطت عطبرة مسارها.
لقد أصبح الآن الاستقطاب علي أشده وهناك قوي فاعلة مصممة علي تغيير الأوضاع وهناك. سلطة تملك ادوات قمع فتاكة إذا قررت استخدامها كما حدث في الأيام السابقة ضد الحراك الشعبي المطالب بالتغيير فستحدث خسائر كبيرة ستؤدي حتما الي انعطاف الأمور الي الأسوأ والدخول في نفق مظلم من العنف والعنف المضاد أن عاجلا أو آجلا ومن المؤكد أن قراءة التاريخ واستلهام العبر ليست أمور بدون جدوي.
لقد خطت عطبرة مسارا سلميا للتغيير والحراك الشعبي الان هو حراك سلمي من أجل الحياة والكرامة ووطن حر يسع الجميع وعرقلة هذا المسار تبدو غير ممكنة مما يستدعي التعامل معه بهذا المنطق وإيجاد أقصر الطرق الممكنة لانتقال تام لوضع جديد في نفس مسار الأمور السلمية التي جادة بها عطبرة من حيث الجوهر لا الشكل. ان الامر ما قالت عطبرة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.