عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
بعض أعداء الحزب الشيوعي يصورون في محاولات بائسة لتزوير التاريخ، بان الشيوعيين مسؤولون عن احداث الحزيرة ابا.
معلوم أنه بعد انقلاب 25 مايو 1969م، عارض الشيوعيون ديكتاتورية النميري وقوانينه القمعية و نظام الحزب الواحد ودولة الامن والمخابرات، ورفضوا مشروع العناصر المنقسمة من الحزب لحله وتصفيته وتذويبه داخل السلطة وحزبها الواحد “ الاتحاد الاشتراكي”، وعارضوا العملية الانقلابية قبل حدوثها ، رغم الشعارات التقدمية الزائفة التي رفعها النظام، وكانت معارضة الحزب الشيوعي تتلخص في النقاط التالية:
*ضد مصادرة الحقوق والحريات الديمقراطية والنقابية، وضد الأوامر الجمهورية وحل الأحزاب والنقابات ومصادرة الصحف بالقانون.
*رفض نهب ممتلكات المواطنين فيما سمي بالمصادرة والتأميم ، وركز علي سيادة حكم القانون.
*رفض السلم التعليمي ، والنقل الأعمى للتجربة المصرية دون مراعاة واقع السودان وتنوع ثقافاته وتقاليده.
*استنكر القمع الوحشي للمواطنين العزل في الجزيرة أبا.
*عارض ماسمي ب"ميثاق طرابلس " أو الاتحاد الثلاثي بين مصر والسودان وليبيا ، ورفض سياسة المحاور والتدخل في الشؤون الداخلية، وان تكون الوحدة طوعية لاقسرية.
وفي 28ديسمبر1969م، وبعد سقوط النظام الملكي في ليبيا أول سبتمبر1969م، تم التوقيع علي ميثاق طرابلس بين الدول الثلاث” مصر، السودان وليبيا” والذي شمل الي جانب التعاون الاقتصادي مجالات الدفاع والسياسة الخارجية، والاتفاق علي حتمية الوحدة وضرورة التدرج نحوها. وهنا ايضا انتقد الحزب الشيوعي ميثاق طرابلس، ودعا الي عدم التعجل الي الوحدة دون استكمال مقوماتها، وناقش عبد الخالق هذا الأمر في وثيقته التي قدمها للمؤتمر التداولي في أغسطس 1970 ، أشار فيها الي مقومات الوحدة في الآتي:
1- تستند هذه الوحدة بين البلدان العربية علي اسس موضوعية وهي تمثل حاجة تاريخية لشعوب هذه المنطقة، ومن هذه الزاوية فالحزب الشيوعي السوداني داعية لهذه الوحدة.
2- توضع الشروط اللازمة لهذه الوحدة خلال تحول المجتمعات صوب الاشتراكية – خلال فترة التقدم الاجتماعي حينما تصفي قواعد الطبقات الاجتماعية المستغلة وايديولوجيتها التي تستند علي التعصب الوطني الضيق ولا تري مصالح الحركة الثورية العامة في منطقتنا وعلي النطاق العالمي.
3- لابد من اعتبار الخصائص الاجتماعية والسياسية والثقافية لكل بلد عربي والا يفرض نمط واحد من الأنماط أو من الخصائص لهذا الشعب أو ذاك علي بقية الشعوب.
4- الشرط الجوهري هو أن تجد الحركة الثورية في كل بلد عربي الصيغة الملائمة للاتحاد بينها في النضال من اجل التقدم والاشتراكية اعتمادا علي استنهاض الجماهير علي اسس ديمقراطية، وأن يكون هذا هو الأساس لاتحاد حركة التحرر الوطني في نطاق البلدان العربية بأسرها.
5- تتم الوحدة بالرغبة الشعبية لكل بلد عربي ولاتفرض فرضا.
ويرى عبد الخالق أن طرح الوحدة للتنفيذ الفوري “عمل غير ناجح وسيؤدي بالفعل الي عزل الحركة الثورية التي تنفذ هذا الطرح عن الجماهير)” ص 127 )
وبعد اعلان الرؤساء أنور السادات ومعمر القذافي وجعفر النميري في 8نوفمبر1970 الاتفاق علي قيام اتحاد ثلاثي يضم مصر وليبيا والسودان اصدر الحزب الشيوعي بيانا حدد فيه موقفه من هذا الاتحاد، أشار البيان الي أن هذا الاتحاد تم بدون استشارة أي من تلك الشعوب، ناهيك عن موافقتها ، وهذا خطأ جسيم يؤدي الي بلبلة الجماهير، ويؤدي الي اقامة محورلايفيد السودان في شئ ولاسيما أن دور السودان كان مميزا في الدفاع عن قضايا البلدان العربية، وان هذا الاتحاد سوف تترتب عليه نتائج ضارة بتطور الثورة في بلادنا وبمستقبل الوحدة العربية فيها، واقترح الحزب الشيوعي السوداني طرح موضوع الاتحاد بين البلدان الثلاثة للاستفتاء الشعبي بعد مناقشة جماهيرية واسعة وحرة، كما دعا الي اليقظة في وجه كل محاولات الرجعية والاستعمار لاثارة النعرات والتعصبات القومية الضيقة
هكذا كان موقف الحزب واضحا ضد التعجل في فرض الوحدة بين البلدان الثلاثة، وهذا أيضا كان من قضايا الاختلاف مع سلطة 25مايو1969 وهذا الميثاق تحول الي حلف عسكري بدأ في التدخل لضرب حركة المقاومة في الجزيرة أبا ، وضرب حركة 19 يوليو 1971م، كما سنري لاحقا.
*انتقد الحزب تدهور الأوضاع المعيشية والاقتصادية.
*رفض الحزب الشيوعي صيغة الحزب الواحد " الاتحاد الاشتراكي:، باعتباره لا يلائم التنوع والتعدد في السودان، وأن صيغة الجبهة هي البديل.
وحقائق هذا الصراع الذي دار بين الشيوعيين وسلطة انقلاب 25 مايو 1969 م، وداخل الحزب منشور ومعلوم وللباحثين عن الحقائق، نشير لبعض المراجع مثل : كتاب د. محمد سعيد القدال : "معالم في تاريخ الحزب الشيوعي السوداني" ، دار الفارابي، وكتاب فؤاد مطر : "الحزب الشيوعي نحروه ام انتحر؟"، ووثيقة "المؤتمر التداولي لكادر الحزب الشيوعي السوداني ، أغسطس 1970م"، و"تقييم اللجنة المركزية لانقلاب 25 مايو 1969م".....الخ.
ماهو موقف الحزب الشيوعي من احداث الجزيرة أبا؟.
في مارس 1970م، وقعت احداث الجزيرة أبا المشهورة، التي قاوم فيها الأنصار في حركة مسلحة احدي زيارات نميري في منطقة النيل الأزرق مما اضطر لقطع زيارته والعودة الي الخرطوم ، وفي 27 /مارس، كان انتقام نظام مايو بطريقة وحشية، فقد أمر النميري بقصف الجزيرة بالصواريخ، وفي ذلك الوقت لم يكن السودان يملك طائرات ميغ- حسب رواية محمد احمد المحجوب رئيس الوزراء السابق – ولاطيارين يستطيعون قيادتها، مما جعل الكثيرين مقتنعين بأن القصف جري بطائرات مصرية وطيارين مصريين، وجاء بيان صادر عن وزارة الخارجية الليبية في وقت لاحق ليؤكد هذا الاقتناع( المحجوب: الديمقراطية في الميزان، ص 241).
ويواصل المحجوب ويقول( ظلت المقاتلات طوال يومين” تنقض” علي الجزيرة وتضربها بالصواريخ وتغير علي السكان، لقد كانت مجزرة وحشية.. كانت اقسي تقتيل لا سابق له في تاريخنا وأوحشه ، كان يجري حصد الناس وتفجيرهم قطعا في الشوارع والحقول اثناء فرارهم للاحتماء، من دون أن يكون هناك دفاع أو حماية لهم ضد الغارات الجوية)
وبعد احداث الجزيرة ابا اصدر مجلس قيادة الثورة المرسوم الجمهوري رقم(4) الذي وسع نطاق الجرائم والعقوبات الخانقة المعدددة في الامر الدفاعي رقم(2) الصادر في مايو 1969م، والذي انتقده الحزب الشيوعي.
وبعد احداث الجزيرة أبا قرر مجلس قيادة الثورة نفي عبد الخالق محجوب سكرتير الحزب الشيوعي السوداني والصادق المهدي الي مصر، لقد كان ذلك اجراءا غريبا نوعا ما – ابعاد اثنين من مواطني بلد مستقل الي المنفي في بلد مجاور، وهو شبيه بنفي حكومة الاتراك للزبير باشا الي مصر وسجن قادة المهدية بعد معركة كرري وام دبيكرات في سجن رشيد بمصر.
والجدير بالذكر أن الحزب الشيوعي كان قد انتقد السلطة ، وكان من الممكن أن تقلل الخسائر والضرب الوحشي والعشوائي والانتقامي للجزيرة ابا، كما انتقد اعتقال عبد الخالق محجوب ، وكان ذلك موقفا معاديا للحزب الشيوعي. ونتيجة لضغط الحركة الجماهيرية، عاد عبد الخالق من المنفي ليبقي في الحبس الانفرادي بالباقير وفي سجن مصنع الذخيرة الحربي حتي يونيو 1971م.
كما واصلت السلطة هجومها علي الحزب الشيوعي والتنظيمات الديمقراطية، وقامت السلطة في ابريل 1970 بحل اتحاد الشباب والاتحاد النسائي ، وبدأت السلطة الاعداد لتكوين تنظيمات سلطوية فوقية بديلة لهما تمهيدا للإعلان الرسمي بتكوين الاتحاد الاشتراكي، في عملية نقل اعمي ومسخ للتجربة المصرية.
* وخلاصة الامر، الحزب الشيوعي ليس مسؤولا عن احداث الجزيرة أبا، كما وضح من السرد أعلاه، وواصل الحزب مقاومته للانقلاب حتي احداث يوليو 1971م.
في يناير 1974م وبعد النهوض الجماهيري ضد النظام في أغسطس 1973م، طرح الحزب الشيوعي شعار الانتفاضة الشعبية والاضراب السياسي العام والعصيان المدني لإسقاط النظام، ورفض المصالحة الوطنية عام 1977م التي كان الهدف منها إطالة عمر النظام وتوسيع قاعدته مع استمرار النظام الشمولي الديكتاتوري والتي دخلها حزب الامة بقيادة الصادق المهدي ، والاخوان المسلمون بقيادة د. الترابي والاتحادي الديمقراطي بقيادة الميرغني، وثابر الحزب الشيوعي مع قوي المعارضة الأخرى الرافضة للمصالحة المزيفة والمشاركة في النظام، ومع النقابات حتي تمت الإطاحة بالنظام في انتفاضة مارس- ابريل 1985م.التي تمر ذكراها هذه الأيام. وذهب نظام النميري الي مزبلة التاريخ.
وذهب أيضا الي مزبلة التاريخ نظام القذافي والنظام المصري الذين لعبا دورا كبيرا في قصف المواطنين العزل في الجزيرة أبا والذين تدخلا لقمع حركة 19 يوليو 1971م، والجريمة النكراء أو القرصنة التي قام بها القذافي في انزال طائرة المقدم بابكر النور والرائد فاروق حمد الله وتسليمهما لنظام السفاح نميري الذي ارتكب المجازر ضد قادة 19 يوليو وقادة الحزب الشيوعي عبد الخالق محجوب والشفيع احمد الشيخ وجوزيف قرنق.
ومازال الحزب الشيوعي يواصل النضال ضد نظام الإنقاذ الشمولي الفاسد ،وضد مشروع الهبوط الناعم الذي يعيد انتاج النظام وسياساته القمعية والاقتصادية ، وبناء أوسع تحالف من أجل اسقاط النظام وفتح الطريق للتحول الديمقراطي ووقف الحرب والحل الشامل والعادل لمشاكل دارفور وجنوب النيل الأزرق وجنوب كردفان والشرق، وعقد المؤتمر الدستوري ، وتحسين الأوضاع المعيشية، وقيام دولة المواطنة المدنية الديمقراطية التي تسع الجميع غض النظر عن الدين أو اللغة أو العرق، واستعادة ممتلكات الشعب المنهوبة ورد المظالم.