alsir osman [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

  مع اقتراب الاستفتاء علي تقرير المصير لجنوب السودان حسب ماجاء في اتفاقية نيفاشا تعالت اصوات قادة المؤتمر الوطني الداعية للانفصال، ففي تصريح للدرديري محمد أحمد القيادي بالمؤتمر الوطني جاء قوله: (أن الانفصال اصبح واقعا، وأن الفرصة لاتسمح بالوحدة الطوعية، وأن المواطن الجنوبي سيصوت للانفصال وان اتفق الشريكان)، واختتم حديثه بقوله( الفرصة أمام الشريكين لاتسمح بالوحدة الطوعية، وانما لانفصال طوعي سلمي جاذب وسلس، يجنب البلاد العودة لمربع الحرب)( سوادنيز اون لاينز: 9/1/2010 م).   وبالتالي، يكون المؤتمر الوطني قد عبر بوضوح عن رغبته الدفينة لفصل الجنوب، بوهم انه يمكن أن ينفرد بحكم الشمال.وهل في الانفصال خير للشمال والجنوب؟،  وهل يمكن أن تقوم دولتان، بارث تاريخي من الضغائن والاحن طويل وممتد، واسهم في تعميقه نظام الانقاذ، في جوار أخوي مع مشاكل الحدود و قبائل التماس؟. وهل يمكن أن يكون الانفصال سلسا وجاذبا ويجنب البلاد العودة لمربع الحرب؟.

  لايمكن تناول قضية الانفصال بمعزل عن الاوضاع التي ادت الي المأزق الحالي تحت ظل نظام الانقاذ الشمولي الفاشي الذي قطع الحل السلمي الديمقراطي بعد مبادرة الميرغني – قرنق عام 1989م، التي قطعها انقلاب يونيو 1989م، وأشعل حربا دينية كان ضحاياها الالاف من القتلي والجرحي والمشردين من ديارهم، وامتدت الحرب الدينية لتشمل دارفور وجبال النوبا وجنوب النيل الأزرق والشرق، وماتبعها من ابادة وتدمير للقري وتعطيل للتنمية وتعميق التهميش الثقافي والديني واللغوي والقومي، وبالتالي، فان هذا النظام يتحمل مسئولية تاريخية عن تلك الجرائم التي ارتكبها والتي لن تسقط بالتقادم، كما يتحمل المسئولية التاريخية في تمزيق اوصال البلاد.

 قطع نظام الانقاذ التطور والتماذج الطبيعي الذي كان جاريا بين قبائل وشعوب السودان وثقافاته المتعددة والمتنوعة والذي نتج منه شئ جديد ( علي سبيل المثال عربي جوبا)، جاء نظام الانقاذ بافكاره الاقصائية والاستعلائية في ممارساته السياسية القائمة علي القمع، والاقتصادية القائمة علي النهب، أي احتكار السلطة والثروة، بهدف التمكين له في الأرض لأطول فترة ممكنة، واستهداف كل المؤسسات التي كانت ترمز لوحدة السودان مثل: الخدمة المدنية والقوات النظامية وقومية نظام التعليم، والسكة الحديد ومشروع الجزيرة وميناء بورتسودان وتدمير المشاريع الانتاجية الصناعية والزراعية وتشريد الالاف من اعمالهم، وضرب الاحزاب الكبيرة والعمل علي تفتيتها، وضرب الرأسمالية السودانية المنتجة من غير المنتمين لنظام الانقاذ وتجفيف مصادرها المالية بقرارات تغيير العملة عام 1991م و بعد كشف حساباتها، واقامة نظام أمني استند علي القمع وتعذيب المعتقلين السياسيين والنقابيين، واقتلاع الالاف من السودانيين للعمل في الخارج واللجوء السياسي، وتم افراغ البلاد من كل كفاءتها وعقولها والتي صرف عليها شعب السودان من دمه الملايين من الدولارات.

 وفي الجانب الايديولوجي فرض هذا النظام مناهج للتعليم عقيمة تجاهلت التنوع الديني والثقافي واللغوي في السودان، وكرّس الأحادية والعنف في الحياة الطلابية بعد أن افرغها من كل الانشطة الثقافية والسياسية المبدعة.

  كان من نتائج تدمير المجتمع المدني باحزابه ونقاباته ومؤسساته الاجتماعية والاصلاحية، أن تراجع المجتمع الي التعصب والتفتت القبلي والذي انعكس حتي علي التعيين في الخدمة العامة، وتكريس الصراع القبلي وتفتيت وحدة القبائل الكبيرة وتعميق التناحرات داخلها كما حدث في دارفور والشرق..الخ.

 وبالتالي، فان الحل ليس في الانفصال وتفتيت وحدة البلاد، بل في خلق اوسع جبهة من كل الأحزاب المعارضة ومنظمات المجتمع المدني وقبائل وشعوب السودان من اجل اقتلاع هذا النظام الشمولي الديكتاتوري الذي كان سببا في كل هذه المآسي باسم تصور استعلائي ايديولوجي ديني ضيّق، واقامة دولة المواطنة التي تسع الجميع، وتستوعب كل التنوع الديني والثقافي واللغوي والسياسي والفلسفي في البلاد. يكمن الحل في التنمية المتوازنة والحكم الذاتي الديمقراطي الفدرالي لأقاليم السودان والتوزيع العادل للسلطة والثروة، وتكامل أقاليم السودان المختلفة، عكس الانفصال والتشرذم الذي يحرم أقاليم السودان الاستفادة من ثروات ألسودان المتعددة والمتنوعة. هذا فضلا عن ان انفصال الجنوب سوف يؤدي الي انفصال أقاليم أخري في ظل قهر نظام الانقاذ مثل: دارفور والشرق والنوبة في الشمال، ويفجر مشاكل ابيي  وجبال النوبا وجنوب النيل الأزرق، هذا اضافة لاستحالة فصل التداخل والتماذج الذي تم بين المسيرية ودينكا نقوك في ابيي لعشرات السنين، اضافة للتوتر علي الحدود والذي بدأ منذ الان برفض المسيرية لقانون استفتاء ابيي وقرار محمكمة لاهاي، وبالتالي لانتوقع انفصالا سلسا وجاذبا وجوارا أخويا، وانما نتوقع حربا دائمة وعدم استقرار وتوتر.

 هذا اضافة للآثار السالبة الأخري للانفصال مثل: وقف الاندماج الطبيعي والطوعي الذي كان سائدا بين الشماليين والجنوبيين والذي نلحظه في تواجد الجنوبيين في أقصي شمال السودان، مما يوضح ان المشكلة ليست بين المواطنين الشماليين والجنوبيين وانما المشكلة تكمن في الاستعلاء الديني والعنصري والذي عمقه وكرّسه نظام الانقاذ، وحتي في ذروة الحرب كانت هناك اعداد كبيرة من الجنوبيين تنزح الي الشمال مما يوضح عمق الأواصر القوية بين الشماليين والجنوبيين، وكما أشار الكثير من المواطنين الجنوبيين في استطلاعات صحفية: ماهو مصير الجنوبيين الذين ولدوا في الشمال ولم يروا الجنوب بعد الانفصال؟ وهل المشكلة بين الشماليين والجنوبيين ام مشكلة الشماليين والجنوبيين مع نظام المؤتمر الوطني الذي يرفض دولة المواطنة، ويصرّ علي نظام ايديولوجي وفهم ضيّق للدين يعامل الجنوبيين كمواطنين من الدرجة الثانية؟.

 جانب آخر يتعلق بالارث الثقافي والحضاري لشعب السودان الممتد منذ ممالك كرمة ومروي والنوبة المسيحية وممالك الفونج والفور والذي اصبح جزءا من تاريخ السودان الوطن الواحد والذي يعكس التنوع التاريخي والثقافي والذي يشكل عاملا للوحدة اكثر من الانفصال، كيف ستنعامل مع هذا الارث في ظل الانفصال والتشرذم؟ فقوة السودان تكمن في تاريخه وأرثه الثقافي المتنوع، اضافة لتنوع موارده الاقتصادية، هذا اضافة للآثار الأخري التي طرحها الخبراء بعد الانفصال مثل ماهو مصير ديون السودان التي بلغت 34 مليار دولار؟ ومن الذي يمثل السودان ويحمل اسمه في المنظمات الدولية؟ وكيف سوف يجد بترول الجنوب طريقه للتصدير في ظل عدم وجود منفذ للبحر دون ان يتعرض للابتزاز من الدول المجاورة، اضافة الي مشاكل اقتسام مياه النيل، وغير ذلك من مشاكل الانفصال، وبالتالي لايمكن أن يكون الانفصال سلسا وجاذبا.

  فبدلا من تكريس الجهد لبناء دعائم الوحدة وتحقيق مطلوباتها فيما تبقي من وقت ينادي المؤتمر الوطني بالانفصال وتدمير السودان من أجل ان يبقي علي سدة الحكم.