اضواء علي شخصية نعمة والزين في رواية (عرس الزين)
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
 (1)
 رحل عن دنيانا الاربعاء: 18/2/2009م الكاتب والروائي السوداني المشهور الطيب صالح بعد صراع مع المرض في احد مستشفيات لندن،وسيظل الطيب صالح حيا بيننا لما تركه من اعمال روائية خالدة مثل رواية(عرس الزين)، و(موسم الهجرة الي الشمال)، و(دومة ودحامد)، و( بندر شاه)، و(مريود)، وتعكس تلك الاعمال في مستويات معقدة ومتشابكة تجربة الكاتب التي اتسمت بالغني والخصوبة، والارتباط العميق بين المحلية والعالمية ، ومن خلال رواية(موسم الهجرة الي الشمال) التي ترجمت الي اكثر من لغة عالمية، تعرف الناس في مشارق الارض ومغاربها علي مسقط رأس الكاتب (كرمكول) التي ولد فيها عام 1929م، كانت تجربة الكاتب خصبة وغنية فهو قد تنقل من (كرمكول) التي تلقي فيها تعليمه الاولي وبورتسودان التي تلقي فيها تعليمه الاوسط، والخرطوم حيث تلقي تعليمه الثانوي في وادي سيدنا، وتخرج في كلية العلوم جامعة الخرطوم، وفي حياته العملية تنقل بين مهن كثيرة منها: التعليم، العمل الاذاعي في هيئة الاذاعة البريطانية واذاعة ام درمان وفي الصحافة وفي اليونسكو، اضافة الي تنقله الكثير في اقطار العالم، كل ذلك كان له الأثر في تنوع وخصوبة تجارب الكاتب، وكان الطيب صالح اضافة لذلك مثقفا موسوعيا، فبعد تخرجه في كلية العلوم غير مساره الي الادب والفن والرواية، وارتبط بالمدرسة الاشتراكية الفابية بعد وصوله لبريطانيا عام 1953م، اختلط بمجتمعها في تنوعه كما عكست شخصية مصطفي سعيد جانبا من تجاربه وشخصيته ، ودرس الادب العربي والتراث الاسلامي بعمق كما نلحظ ذلك في كتاباته، اضافة لدراسة التراث والواقع والتاريخ السوداني، وبالتالي استطاع ان يدمج بمهارة بين الثقافة الحديثة والثقافة العربية الاسلامية، كما فعل الكثيرون من قبله مثل: طه حسين والعقاد واحمد امين ومحمود امين العالم وعبد العظيم انيس، يحي حقي وروايته المشهورة(قنديل ام هاشم )والتي لاتختلف كثيرا عن رواية(موسم الهجرة للشمال) والتي طرحت سؤال الهوية والتناقض بين الشرق والغرب.. الخ.اتسم الطيب صالح اضافة لثقافته الموسوعية بالتواضع الجم والبساطه والاسلوب السهل الممتنع والتسامح واحتمال الآخر، والاعتراف بالتنوع الثقافي والديني واللغوي وضرورة التعايش معه، وقد عبر عن ذلك في روايته (دومة ودحامد) حين ختمها بحكمة حين قال( لن تكون سمة ضرورة لقطع الدومة، ليس سمة داع لازالة الضريح، الأمر الذي فات علي هؤلاء الناس جميعا، ان المكان يتسع لكل هذه الأشياء ، يتسع للدومة والضريح ومكنة الماء ومحطة الباخرة)، وكأنما أراد أن يقول (في البلاد متسع للجميع)، وأي فائدة للتنمية مالم تستند علي الاصالة والموروث الثقافي المحلي، وأن الحداثة لاتتعارض مع الموروثات والمعالم التقافية والتاريخية للبلاد.
 (2)
 ادلف الي موضوع هذا المقال وهو: شخصية الزين ونعمة في رواية (عرس الزين).
شخصية نعمة:
  يدور محور الرواية حول زواج نعمة بالزين ، ونعمة تمثل نوعا مختلفا لأمراة في الوسط الذي صورته الرواية ، كانت متمردة علي واقعها الاجتماعي منذ ان كانت طفلة، كانت تمقت ضم النساء اليها وتقبيلها علي خدها وشفتيها ( ومرة ضجرت من عبث امرأة بدينة بها ، وشعرت بذراعي المرأة الغليظين تنطبقان عليها ، كانهما فكا حيوان مفترس وبردفي المرأة المثقلة وعطرها القوي ، كانها تخنقها ، وتململت نعمة وحاولت أن تتخلص من قبضة المرأة، ولكن المراة ضمتها الي صدرها بقوة ، وانقضت علي وجهها بشفتيها المكتنزتين تقبلها علي رقبتها وعلي خدها وتشمها ، صفعتها نعمة علي وجهها صفعة قاسية ، وذعرت المرأة ، وتركت نعمة)، وكان هذا تعبيرا لرفض نعمة منذ نعومة اظفارها الامتثال والاذعان للعادات الاجتماعية التي كانت تمارس مع المراة منذ طفولتها ، لاعدادها وتشكيلها لتقبل الواقع الاجتماعي الذي تعيشه. ولكن نعمة تمردت منذ الطفولة علي هذا الواقع، ونري البذور الأولي لتشكل شخصيتها في صراع مع من حولها ، حتي اصبحت تلفت نظر النساء والرجال اليها عندما كبرت ، وتذكر نعمة انها أرغمت أباها ان يدخلها في الكتاب لتتعلم القرآن وهي طفلة ، وكانت الطفلة الوحيدة بين الصبيان وبعد شهر واحد تعلمت الكتابة ، وكانت تستلذ بتلاوة القرآن وتعجب بسورة الرحمن ومريم وسورة القصص وتشعر بقلبها يعتصره الحزن وهي تقرأ عن ايوب وتشعر بنشوة عظيمة حين تصل الآية( وآتيناه رحمة من عندنا) ، وتتمثل رحمة أمراة رائعة الحسن متفانية في خدمة زوجها ، وكان صبرها يعادل ان لم يكن اكبر من صبر ايوب، وتتمني لو ان اهلها سموها رحمة.
 وكانت تحلم بتضحية عظيمة لاتدري نوعها، تضحية ضخمة تؤديها في يوم من الأيام.
 نشات نعمة طفلة وقورة، محور شخصيتها الشعور بالمسئولية، تشارك امها في اعباء المنزل ، وتناقشها في كل شئ ، وتتحدث اليها حديثا ناضجا جريئا يذهلها في بعض الاحيان. قطعت نعمة بمحض اختيارها تعليمها رغم ذكائها ، وكان اخوها الذي يكبرها بعامين يحثها علي مواصلة التعليم في المدارس ويقول لها (يمكن تبقي دكتورة ولا محامية)، ولكنها لم تكن تؤمن بذلك النوع من التعليم، تقول لأخيها وعلي وجهها ذلك القناع الكثيف من الوقار (التعليم في المدارس كله (طرطشة)، كفاية القراية والكتابة ومعرفة القرآن وفرائض الصلاة).
 ربما كانت نعمة تري الممكن من تعليمها في تلك الظروف والاوضاع، لااعتقد ان نعمة بذلك الوعي المتقدم والذهن الوقاد ، كانت ترفض التعليم الحديث ، ولكن الظروف والواقع الاجتماعي في تلك اللحظة، ماكان يسمح لها بمواصلة تعليمها، واذا أخذنا في الاعتبار أنها كانت الطفلة الوحيدة التي كانت في الكتاب ودخلته بعد ارغام اباها علي ذلك، هل كان ممكنا أن تواصل تعليمها في تلك الظروف؟. ولماذا كانت نعمة تنظر للتعليم في المدارس (طرطشة)؟، واكتفت منه بالقراية والكتابة ومعرفة القرآن وفرائض الصلاة. كانت نعمة في هذا الجانب متمشية مع الحياة الاجتماعية والواقع الاجتماعي في القرية الذي لم يكن محتاجا من التعليم لاكثر من ذلك، وهي الاهداف التي وضعها ورسمها المجتمع للتعليم منذ عهد السلطنة الزرقاء، كما ان التعليم الحديث لم تترسخ جذوره وسط النساء رغم الجهود التي بذلها المرحوم بابكر بدري في تعليم البنات في بداية القرن العشرين. وبالتالي، فان نعمة رفضت تخطي الواقع الاجتماعي المعين الي اللاممكن ، ولكي تلعب دورها الذي رسمه المجتمع وحددته احداث الرواية ، مما يشير الي ان اخ نعمة كان مازحا أو حالما ، ولم يقدر التقدير الصحيح الظروف الملموسة، رغم ان نظرته كانت متقدمة وتحققت فيما بعد، وانحيازه للتعليم الحديث ، كان واضحا اذ طالب نعمة بمواصلة تعليمها.
 ولكن نعمة في ظروف وواقع القرية التي كانت تعيش فيها كانت تمثل نقلة نوعية لأمراة من نوع جديد ، رفضت الاذعان للواقع الذي كان مفروضا المراة في تلك الظروف واستطاعت أن تلعب دورا اجتماعيا معينا جذب اليها اهتمام الرجال والنساء، يكفي أنها الطفلة الوحيدة في القرية التي انتزعت حق تعلم القراءة والكتابة وحفظ القرآن ، ونالت الحظ الذي كان يسمح به المجتمع من التعليم يومئذ، وانها صارعت في سبيل ذلك.
 فيما يختص بالزواج، استطاعت نعمة ان تمارس حقها في اختيار زوجها بنفسها ، هذا طبيعي ، فقد نشات مستقلة في الرأي وتناقش والدها في كل شئ. ولما جاءت آمنه الي سعدية (ام نعمه)تحدثها في امر زواج نعمة من احمد قالت لها سعدية( الشوري عند ابو البنت)، كانت تعلم في قرارة نفسها أن (الرأي) لا لاحد غير نعمة نفسها، وكان لابد من خيارها، فهزت كتفها وقالت : أنا لي الليلة مابقيت للعرس. وعندما جاء خطيب آخر ادريس الذي كانت كثير من الفتيات يتمنين أن يصبحن زوجات له، كان متعلما ، يعمل في مدرسة ابتدائية، كان دمث الأخلاق ، حسن السيرة بين أهل البلد ، ومع أن عائلته لم تكن من العوائل ذات الأصل التي يشار اليها في البلد ، الا ان اباه كون لنفسه مكانا بين الناس بجده وحسن عشرته ، كانت اسرة طيبة وميسورة الحال ، وكان حاج ابراهيم والد نعمة وامها سعدية واخوانها الثلاثة يميلون الي ادريس ، بيد ان نعمة كان لها رأي آخر غير ذلك، فقد رفضت الزواج منه. احتد حاج ابراهيم في كلامه معها وهمّ بصفعها، ولكن توقف فجأة ، شئ ما في محيا تلك الفتاة العنيدة قتل الغضب في صدره ، لعله تعبير عينيها ، لعله التصميم الرزين علي وجهها ، وكأنما أحس الرجل بأن تلك الفتاة ليست عاقة ولامتمردة ، ولكنها مدفوعة بايعاز داخل الي الاقدام علي امر لايستطيع احد ردها عنه. ومن يومها لم يكلمها احد في الزواج . كانت نعمة من النضوج وقوة الشخصية مما جعل الآخرين بما فيهم والديها احترام رغبتها واختيارها ولم تتنازل عن حقها في هذا الجانب.
 نعمة هنا تمثل وعي جديد في القرية، لا اعتقد ان الامر في حدود احترام الآخرين لرغبتها ، ولكنها تمثل بزوغ فجر جديد علي القرية وتحريك لراكد الحياة والجمود فيها ضد القيم والتقاليد البالية التي تفترض انه ليس للمراة رأي في موضوع حاسم مثل الزواج، وانها بحكم التقاليد والعادات البالية تعيش علي هامش الحياة في القرية تابعة للرجل، تمثل نعمة نسمات ورياحا باردة من الحضارة والتقدم بدات تهب علي القرية وتحرك ساكن الحياة فيها وارادتها الغلابة للسير قدما الي الأمام.
 الجديد في رواية الطيب صالح في تصويره لنعمة انها استطاعت أن تؤثر في والديها لا بالضغط ( كالتهديد بالانتحار أو الهروب مثلا)، ولكنها أثرت في والديها والمجتمع بقوة المثل والمسلك وقوة الشخصية مع نضوجها. في اعتقادي أن هذا هو الجديد في الرواية والتي اكسبتها الجاذبية والخلود والانتقال بها من المحلية الي العالمية، أري ايضا ان شخصية نعمة كانت متماسكة ومنسجمة منذ طفولتها حتي الموقف الأخير من زواجها، وان هذا التماسك والثبات هو الذي جعل من الرواية ككل متماسكة في بنيتها ونتائجها النهائية: صدام ضد العادات والتقاليد، خروج علي المألوف، ادي في النهاية الي اقتناع مجتمع القرية بزواج الزين ونعمة، بل تحول الي مظاهرة كبري هزت القرية علي اختلاف مشاربها واتجاهاتها والي ابتهاج الرجال والنساء في ذلك الفرح الذي امتزجت فيه المأساة بالملهاة، بحيث خرج بالشكل الذي صورته الرواية.
 لم يشكل الزواج حيزا كبيرا في حياة نعمة، كما لم ترسم صورة محددة في ذهنها له، كانت تحس بأن الزواج سيجيئها من حيث لاتحتسب ( لكن نعمة كبرت وكبر معها حب فياض ستسبغه يوما علي رجل ما قد يكون متزوجا له ابناء، يتزوجها علي زوجته الأولي، قد يكون انسانا شابا وسيما متعلما او مزارعا من عامة اهل البلد مشقق الكعبين والرجلين من كثرة ماخاض في الوحل وضرب بالمعول، قد يكون الزين.. وحين يخطر الزين علي بال نعمة تحس احساسا دافئا في قلبها من فصيلة الشعور الذي تحسه الأم نحو ابنائها ويجترح هذا الاحساس شعور آخر بالشفقة، يخطر الزين علي بالها كطفل يتيم عديم الأهل في حاجة الي الرعاية، انه ابن عمها علي كل حال، وما في شفقها عليه شئ غريب. 
 شخصية الزين:
الزين من الشخصيات الاجتماعية في القرية، كان يشكل حضورا دائما في حياة الناس اليومية في افراحهم واتراحهم، كما كان يودع المسافرين الي ام درمان ويستقبل العائدين منها، كانت كل نساء القرية تعرفه ويعرفهن، بل يستطيع ان يميز الواحدة من زغارديها، و(يستطيع الزين ان يميز النساء ، أي امرأة زغردت). وكان الزين شخصية محبوبة حيثما حل في حفل عرس أو عرس يقابل بالترحاب، وفجاة ينشق الليل عن نداء يعرفه كل احد (عوك ياهل العروس ، ياناس الرقيص، الزين جاكم)، واذا الزين قد قفز واستقر في حلقة الرقص ، ويفور المكان فجاة، فقد نفث فيه الزين طاقة جديدة ، ومن بعيد يسمع المرء صيحاتهم يرحبون به( أبشر، أبشر حبابك عشرة). كانت الحفلات تكتسب طعما خاصا بوجود الزين ، وكان يحضرها حتي تنتهي ويعود الي منزله مع آذان الفجر. اذن شخصية الزين لها جاذبية وسط النساء ومرتبطة بافراح القرية التي تعتبر المتنفس الوحيد للناس، ولاختلاط النساء بالرجال، وتمثل اجمل اللحظات التي يقضونها، فالرواية ربطت الأفراح بالزين وتواجده الدائم والمستمر بها ومشاركته فيها بالرقص، مما جعل جاذبية النساء للزين قوية ، بل انه تحمل التضحيات في سبيل ذلك حين ضربه سيف الدين شقيق احدي الفتيات اللائي كن معجبات به، وكان الزين لايري ضيرا في اعجاب امرأة به او خدش لكرامة اشقائها ويعتبرها علاقة انسانية طبيعية، وبعد شفاء الزين من الحادثة رد عليه الزين وكاد ان يقتله لولا أن سمع صوت الحنين الذي ارتفع هادئا وقورا فوق الضجة(الزين المبروك)الله يرضي عليك، وانفكت قبضة الزين ووقع سيف الدين علي الارض هامدا ساكنا. وكان الحنين قد وضع يده علي كتف الزين في حنان بالغ ، كان يتحدث اليه في صوت حازم، لكنه ملئ بالحب(الزين المبروك ليه عملت كده؟). ظل الزين صامتا فقال الحنين مواصلا( متين سيف الدين ضربك بالفأس في رأسك؟ فاجاب الزين ضاحكا ووجهه مشبع بالمرح( وقت عرس اخته) ، واستمر الحنين وفي صورته هو الآخر رنة مرح( شن سويت لاخته يوم عرسها)، ( اخته كانت دايرناني ليها مشو عرسوها للراجل الباطل داك). وضحك احمد اسماعيل، وقال الحنين في صوت اكثر رقة وحنانا ( كل البنات دايرنك يالمبروك باكر تعرس احسن بت في البلد دي).
 وحين قال محجوب بصوت مرتفع فيه رنة واحتقار ( منو البعرس البهم دا؟) كمان علي العليه داير يجيب ليه جنية ، ونظر الحنين الي محجوب نظرة صارمة ارتعدت لها فرائص محجوب لولا انه تشجع وقال( الزين مو بهيم الزين باكر يعرس احسن بت في البلد).
  الرواية ربطت بين الزين والشهامة والرد علي الظلم الواقع عليه من خلال حادثة سيف الدين معه، كما عكست ايضا طيبة الزين وكبر قلبه الذي لايحمل ضغائن لاحد حين عفي عن سيف الدين ونسي الموضوع بسرعة ورجع الي صفائه ومرحه.
 هذا الصفاء في شخصية الزين ورغم اعتبار بعض أعيان القرية أن الزين كانت له مكانة خاصة عند الحنين تشبه علاقة الصوفي الصالح ببطل رواية نجيب محفوظ (اللص والكلاب)، الحنين ذلك الانسان التقي الورع الصالح الذي كان يلقبه بالمبروك والذي كان الزين يبادله الحب والاحترام والود، ولايرد له طلبا، وكأنما الزين حلقة وصل بين الناس العاديين والطيبين وذلك الانسان التقي الورع الذي كان يخشاه اعيان القرية من امثال محجوب، نلاحظ في قمة فرح الزين اختفي لزيارة قبر الحنين وهي من اللفتات البارعة في الرواية، تمثل الوفاء للحنين الذي تحققت نبواءته (بزواج احسن بنت في البلد). 
 حادث الزين من سيف الدين اخرجت الزين من محيط القرية الي عالم أوسع ، حين ذهب للعلاج في مستشفي مروي، والذي عاد منها مبهورا ، وظل بعد ذلك زمنا طويلا ولاحديث له الا عن رحلته لمروي قال(أول ما وصلت يازول قلعوني هدومي ولبسوني هدوما نضاف، السرير يرقش، الملايات بيض ري البن، والبطاطين والبلاط يزلق الكراع).
 كان هذا الحادث رمزا لخروج الزين الي رحاب عالم اوسع، عرف فيه أشياء جديدة لم يشهدها في قريته، كما يعكس ان الزين الذي تواجد في حياة الناس والقرية بشخصيته المتميزة التي تربط بين الجد والهزل ، كان بذرة لتحول في القرية، يستهدف اخراجها من عولتها الي محيط اوسع، وعندما يحكي عن زيارته لمروي ، كانما كان يحرص ان ينقل معرفة جديدة ووعي جديد لما حوله.
 من الأشياء المعروفة عن الزين تلك القوة الجبارة التي كان يتمتع بها، اهل البلد جميعا يعرفون هذه القوة الرهيبة ويهابونها، واهل الزين يبذلون جهدهم حتي لايستعملها الزين ضد احد، انهم يرتعدون روعا كلما ذكروا ان الزين أمسك مرة بقرن ثور جامح استفزه في الحقل، امسك به من قرنيه ورفعه عن الارض كأنه حزمة قشة وطرح به ثم القاه أرضا مهشم العظام ، وكيف انه مرة في فورة من فورات حماسه قلع شجرة سنط من جذورها وكأنها عود ذرة . كلهم يعلم ان في هذا الجسم الضاوي قوة خارقة ليست في مقدور بشر).
 هذه القوة التي اودعت في الزين وانسجاما مع الجوانب الأخري لشخصية الزين لم يكن الزين يستعملها ويوجهها لأغراض شريرة ، بل كان يدافع عن نفسه بها في اسوأ الاحوال، لم يكن الزين رباطا ولاقلاعا.
 اذا كان الزين بهذه الصفات التي وصفت في الرواية والتي امتزجت بقيم انسانية رفيعة ، ويرمز لمستقبل وعالم افضل، واتجاه لتحريك راكد الحياة في القرية ووعي جديد نابع من احشاء الواقع القديم، كان من الطبيعي ان يلتقي الزين بنعمة ذات الصفات والقدرات التي عرضناها سابقا. الرواية ربطت بين الزين ونعمة في صلة قرابة الزين ابن عم نعمة ، ربما كانت هذه القرابة جذر لوعي جديد وفجر جديد بدأت تظهر ملامحه علي القرية ، وارتباط الزين بنعمة حين تزوج بها اصبح حدثا هزّ ساكن القرية ، كما ان زواج الزين بنعمة حطمّ مفاهيم كانت سائدة في القرية: انتصار لقيم جديدة، علي قيم تقليدية حول النظرة للواقع والناس.