حول كتاب المجتمعات الانسانية الأولي (رحلة استكشاف)

للدكتور محمد سليمان محمد

عرض وتعليق: تاج السر عثمان

alsir osman [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

    صدر كتاب قيّم للعزيز والصديق د. محمد سليمان محمد بعنوان: (المجتمعات الانسانية الأولي – رحلة استكشاف - لندن 2009م)، في طبعة أنيقة، وغلاف خارجي به لوحة تشكيلية جميلة ومعبرة عن موضوع الكتاب من اعمال د. فاطمة بابكر محمود.

  جاء الكتاب في 136 صفحة من الحجم المتوسط 21 سم * 14 سم تقريبا، وتصّدر الكتاب اهداء للراحلين البروفيسور محمد سعيد القدال والبروفيسور اسامة عبد الرحمن النور، وشكر لمن ساعدا في اعداد الكتاب للنشر: خالدة محمد عبد الحفيظ والمهندس صلاح حسن.

  وفي رسالة للجيل الصاعد في شخص ابنته عزة، حدد الكاتب الهدف من الكتاب، وهو تعريف القراء والمعلمين وغيرهم بتاريخ مؤسستهم وايضاح التغيرات العميقة التي تعرضت لها هذه المؤسسة في شكلها ومحتواها عبر التاريخ، وبهدف الاجابة علي السؤال: كيف يمكننا احداث تغيرات عميقة ايجابية في حاجز كل المؤسسات الاجتماعية المماثلة اعتمادا علي دراستنا لتاريخ تلك المؤسسات، وباعتبار ان دراسة تاريخ التربية هو جزء مهم من تاريخ البشرية؟.

  تابع الكاتب في مؤلفه القيّم والشيّق تطور المؤسسة التربوية في جزءين:

-      الجزء الأول: تناول التربية في المجتمعات المشاعية البدائية، ويتكون من: لماذا دراسة التربية في المجتمع البدائي، والتربية كظاهرة اجتماعية (خروج الانسان من عالم الحيوان)، اصل العائلة والحضارة، وظهور الدولة، محتوي واهداف التربية، والخصائص العامة للتربية في المجتمعات المشاعية البدائية، وحملة ومؤسسات التربية، والانتقال للمجتمع الطبقي وبداية احتكار المؤسسة المناط بها الحفاظ علي حصيلة المعرفة الانسانية ، ومن ثم تطويرها وتوريثها لجيال القادمة.

-      الجزء الثاني: تناول تاريخ التربية والتعليم في المجتمع العبودي ويتكون من: انهيار المجتمع الشيوعي البدائي، وبداية وتطور احتكارية التعليم، وتربية أبناء الأغنياء، وتربية أبناء الفقراء، والتربية والتعليم في المجتمع العبودي، وفي الشرق، وفي اليونان.

  كما حدد الكاتب مصادره المتوفرة للقارئ في مؤلفات: الاستاذ روبرت الت(التربية والتعليم في المجتمعات المشاعية البدائية)، وفرديرك انجلز ( اصل العائلة والملكية الفردية والدولة)، ومؤلف مورغان( المجتمع القديم)، وكتاب شارلس دارون( أصل الأنواع)، ومؤلف برنال( العلم في التاريخ).

* تتجلي اهمية هذا الكتاب في أن الكاتب تناول دراسة التربية في سياق تطور المجتمع الانساني، بعد 20 عاما من غياب هذه الطريقة في المناهج السودانية والتي فرضها نظام الانقاذ، والتي قامت علي أسس ايديولوجية ضيّقة تقتل في التلاميذ روح الابتكار والخلق والابداع والتفكير المستقل، وتقوم علي الحشو والاستظهار، فتم غياب دراسة تاريخ المجتمع الانساني مثل: كتاب ( اجدادنا القدماء) في مناهج التعليم السابقة، التي كانت توضح: كيف عاش الانسان البدائي علي التقاط الثمار والصيد، وكيف صنع أدوات الصيد والانتاج من الحجارة والعظام..الخ، وسكن الكهوف وجزوع الاشجار، وصنع ملايسه من الجلود، وكيف تم اكتشاف تقنية النار التي طهي بها الطعام، وحمي نفسه بها من الحيوانات المفترسة، حتي اكتشاف الزراعة وتربية الحيوانات واكتشاف المعادن والصناعات الحرفية والتبادل التجاري، وقيام المدن والحضارة واكتشاف اللغة المكتوبة..الخ.

   ثم كان يطوف المنهج بالتلاميذ لمعرفة (سبل كسب العيش في السودان) في مناطق السودان المختلفة والاراضي القديمة والاراضي الجديدة، ومنها يخرج التلميذ بمعرفة أولية عن بلده والعالم المحيط به، ودون التقليل من أهمية منهج دراسة تداخل العلوم بطريقة خلاّقة ومبدعة، الا أن دراسة المواد المنفصلة سابقا: الجغرافيا، والتاريخ، والعلوم، والتربية الدينية، كانت تزيد وتركز معرفة التلميذ ، وتحفزه للمزيد من الاطلاع في تلك المواد عن طريق المكتية المدرسية. والجدير بالذكر أن منظمة اليونسكو تعكف علي اعداد سفر عن تاريخ المجتمع الانساني، لما لذلك من اهمية لحاضر ومستقبل البشرية.

 وبدلا من تطوير تلك الطريقة وتعميقها، قام نظام الانقاذ بالغاءها وفرض منهجا عقيما علي التلاميذ مثل: مايسمي بمنهج ( الانسان والكون) الذي جعل تلك العلوم مسخا مشوها، وكانت الحصيلة جهل بتاريخ المجتمع الانساني وبتاريخ العلوم، وفقد التلميذ المامه بالمعارف الأساسية الصحيحة، كما فقد التلميذ معرفة تسلسل تاريخ السودان منذ العصور الحجرية وحتي السودان الحديث كوحدة مترابطة، كما فقد التلميذ حتي الفهم السليم للتربية الدينية.

  وكانت النتيجة تدني مستوي التعليم في السودان الي درجة سحيقة من التخلف، وفقد التلاميذ المعارف والمهارات الأساسية حتي في اللغة والكتابة والتعبير والرياضيات والعلوم، كما توضح نتائج الامتحانات للمرحلة الثانوية والشهادة السودانية، ومخرجات الجامعات السودانية، هذا اضافة الي انتشار العنف في مؤسسات التعليم بدلا عن الحوار والتنافس علي حب المعرفة، مما يهدد بتمزيق وحدة الوطن ونسيجه الاجتماعي.

 والمعلوم أن المناهج يجب ان تكون قومية تعكس تنوع السودان بثقافاته ودياناته ولغاته وعاداته وتقاليده المختلفة، وتربط بين المهارات اليدوية والذهنية، ويجب ان يشارك في رسمها ووضعها كل فئات المجتمع والمهتمين بالتربية اضافة للاباء والامهات، لا ان تعبر عن تصور شريحة ايديولوجية ضيّقة باسم الدين والتي ترهق الآباء والامهات فيما لاطائل وراءه والتي تدمر التربية والتعليم ومستقبل الأجيال الجديدة في بلادنا كماهو حادث الآن.

 وبالتالي، فان كتاب د. محمد سليمان مفيد ويركز ويرسخ معاني تواصل تطور المجتمع الانساني وتراكم المعرفة، واضافة الجديد استنادا الي أفضل ما في القديم، وباعتبار أن الحاضر هو نتاج الماضي، وأن المستقبل يخرج من رحم الحاضر في نفي ديالكتيكي.         وبالتالي ليس من الترف الذهني متابعة تاريخ التربية والتعليم في التشكيلات الاجتماعية المختلفة التي مرّ بها المجتمع البشري، بل انه ضروري لمعرفة الحاضر، كما انه مفيد للمعلمين والمهتمين بتاريخ التربية.

 مع تحياتي وتقديري للكاتب علي هذا الجهد، ونتمني له دوام الصحة والعافية، وانجاز الأجزاء الباقية من الكتاب، كما لايفوتني ان اشكر الكاتب علي اهدائي نسخة من هذا الكتاب القيّم والذي يعتبر أجمل هدية مع اطلالة العام الجديد.