تتزامن الذكري ال54 لاستقلال السودان مع مرور خمس سنوات لتوقيع اتفاقية نيفاشا، وفي ظروف تمر فيها البلاد باوضاع عصيبة تهدد وحدتها بعد أن منحت اتفاقية نيفاشا حق تقرير المصير لجنوب السودان مع التأكيد علي خيار الوحدة، ووافقت قوي المعارضة علي ذلك، واصبح السودان في مفترق الطرق: أما أن يظل موحدا ، أو يتفتت ويتشظي ويصبح مصدر خطر علي الاقليم بأكمله.

  لقد ظل السودان موحدا منذ حوالي قرنين من الزمان، وكان الميل للوحدة قويا منذ مملكة مروي وممالك النوبة المسيحية والممالك الاسلامية( الفونج، والفور، وتقلي..) وحتي بروز السودان بشكله الحالي تقريبا في فترة الحكم التركي( 1821- 1885م)، وحافظ السودان علي وحدته رغم الهزات العنيفة التي مرّ بها في فترة الحكم التركي والمهدية وفترة الاستعمار الانجليزي الذي عمل بدأب ومثابرة لفصل جنوب السودان، ولاسيما بعد ثورة 1924م والتي اسهم فيها قادة من جنوب السودان، ولم يطالب ثوار 1924م بوحدة السودان فقط، بل طالبوا بوحدة وادي النيل. وبعد ثورة 1924م ثابر الاستعمار الانجليزي من اجل فصل الجنوب من خلال سن قانون المناطق المقفولة ومؤتمر الرجاف للغة، واسهم في تهميش مناطق الجنوب ودارفور والشرق وجنوب النيل الأزرق وجبال النوبا، ولكن الحركة الوطنية التي توحدت في ثورة 1924م والحركات الثقافية والرياضية والأدبية والاصلاحية بعد هزيمة الثورة وحتي تكوين مؤتمر الخريجين 1938م وتكوين الأحزاب السياسية والاتحادات والنقابات، وقفت ترياقا في وجه مخطط الاستعمار لفصل الجنوب وكان مؤتمر جوبا عام 1947م والذي اكد علي وحدة السودان، وتم تكوين اوسع جبهة من اجل استقلال السودان وبقاءه موحدا، حتي تم توقيع اتفاقية الحكم الذاتي لعام 1953م ومانتج عنها من ترتيبات دستورية انتقالية وانتخابات حرة نزيهة وتحت رقابة داخلية ودولية ودستور انتقالي كفل الحقوق والحريات الأساسية، وتم اعلان استقلال السودان من داخل البرلمان، وكان استقلالا حقيقيا بعيدا عن أي احلاف عسكرية وتكتلات دولية.

  وبعد الاستقلال كانت القضية الأساسية استكمال الاستقلال السياسي بالاستقلال الاقتصادي والثقافي، وترسيخ الديمقراطية والتعددية السياسية ومعالجة مشاكل الديمقراطية بالمزيد من الديمقراطية وانجاز التنمية المتوازنة في كل انحاء البلاد وقيام دولة المواطنة التي تسع الجميع غض النظر عن العرق واللون والعقيدة والفكر السياسي والفلسفي، ولكن ذلك لم يتم ودخلت البلاد في حلقة جهنمية من انقلابات عسكرية وأنظمة ديكتاتورية شمولية اخذت 42 عاما من عمر الاستقلال البالغ 54 عاما، وأسهمت تلك الانظمة العسكرية في تكريس قهر الجنوب والتنمية غير المتوازنة ومصادرة الديمقراطية والحقوق الأساسية، وتكريس التنمية الرأسمالية والفوارق الطبقية والتبعية للدول الغربية حتي بلغت ديون السودان حاليا حوالي 34 مليار دولار.

  ووصل التدهور الي ذروته في ظل نظام الانقاذ بعد انقلاب 30 يونيو 1989م الذي قطع الطريق امام الحل السلمي الديمقراطي بعد مبادرة الميرغني – قرنق، واشعلها حربا دينية بين أبناء الوطن الواحد والتي امتدت من الجنوب لتشمل دارفور والشرق وجنوب النيل الأزرق وجبال النوبا، وتركت جروحا غائرة لن تندمل بسهولة، كما دمر نظام الانقاذ كل المؤسسات القومية التي كانت ترمز لوحدة السودان مثل: الخدمة المدنية والقوات النظامية ونظام التعليم الذي كان قوميا في مناهجه ونظمه، وخصخصة وتدمير المؤسسات العريقة التي بناها الشعب السوداني بعرقه مثل: السكة الحديد ومشروع الجزيرة والخطوط الجوية السودانية والنقل الميكانيكي والنقل النهري، والمؤسسات الانتاجية الصناعية وبقية المشاريع الزراعية، اضافة لخصخصة الخدمات الصحية ، اضافة للثراء علي حساب الدولة وممتلكاتها التي تم بيعها بأثمان بخسة وخلق فئات رأسمالية طفيلية اسلاموية دمرت كل المؤسسات الانتاجية الصناعية والزراعية، وباعت أراضي السودان الزراعية، اضافة لتشريد الالاف من الكفاءات من أعمالهم لأسباب سياسية ونقابية، وتعميق التهميش الديني واللغوي والثقافي وتفتيت النسيج الاجتماعي والحزبي ودمج النقابات والمؤسسات النيابية في جهاز الدولة، والعداء للديمقراطية والحقوق والحريات الأساسية حتي النخاع.

  ونتيجة لمقاومة الحركة الجماهيرية وضغط المجتمع الدولي تم توقيع اتفاقية نيفاشا وبقية الاتفاقات، وكان من المفترض انجاح الفترة الانتقالية وتنفيذ الاتفاقية بالغاء كل القوانين المقيدة للحريات وتحقيق التحول الديمقراطي الذي يكفل الديمقراطية واستقلال القضاء ومبدأ سيادة حكم القانون وتحقيق قومية الخدمة المدنية والعسكرية، واصدار قرار سياسي لتسوية أوضاع المفصولين تعسفيا ، ورد المظالم ومحاسبة كل الذين ارتكبوا جرائم في حق الوطن، وقيام انتخابات حرة نزيهة بدون تزوير للاحصاء السكاني والسجل الانتخابي كما تم الآن.

 وكان مطلوبا لنجاح فترة الانتقال أن يحس الناس بان الاتفاقية غيرت في حياتهم واسهمت في تحسين احوالهم المعيشية في الشمال والجنوب وتوفير احتياجاتهم الأساسية في التعليم والعلاج والخدمات والسكن..الخ، ولكن حدث العكس فقد تدهورت أوضاع المواطنين والكادحين في الشمال والجنوب ولم تذهب عائدات البترول التي بلغت مليارات الدولارات الي دعم الزراعة والصناعة وخدمات التعليم والصحة وبقية البنيات الأساسية في الشمال والجنوب، بل لم يتم حتي صرف استحقاقات ومتأخرات مرتبات العاملين كما يتضح من موجة الاضرابات الكثيرة للعاملين في التعليم والصحة وقطاع المياه والسكة الحديد وقطاع البترول، وقد بلغت مليارات الجنيهات، فأين نظام الانقاذ من الحديث الشريف( اعطوا الأجير حقه قبل ان يجف عرقه)، والواقع أنه نظام نهب عرق العاملين والشعب السوداني واعتصره حتي بلغت نسبة الذين يعيشون تحت خط الفقر95 %.

  لقد أيد شعب السودان الاتفاقية التي اوقفت نزيف الدم، رغم سلبيات الاتفاقية باعتبارها ثنائية ولم يتم اشراك شعب السودان ممثلا في قواه السياسية ومنظماته المدنية، وخاصة ان الاتفاقية تناولت قضية أساسية تتعلق بمصير السودان ووحدته، اضافة للثغرات الأخري في الاتفاقية مثل: تقسيم البلاد علي أساس ديني ووجود نظامين مصرفيين واقتسام الثروة( عائد البترول 50% للشمال و50% للجنوب) والصراع حول عائدات النفط وعدم الشفافية حولها، فبينما يقول المؤتمر الوطني ان الحركة الشعبية استلمت 8 مليارت دولارات لم تذهب للتنمية تقول الحركة انها لم تستلم نصيبها كاملا، وهذا من نتائج الخلل في توزيع عائدات البترول، اضافة للخلل في اقتسام السلطة في الشمال والجنوب وجبال النوبا وجنوب النيل الأزرق والذي كان علي أساس ثنائي تم فيه تهميش القوي السياسية الأخري وكرّس الصراع بين الشريكين، وهيمنة المؤتمر الوطني في الحكومة المركزية والمجلس الوطني من خلال الأغلبية الميكانيكية وتم اعادة انتاج الشمولية عن طريق تلك المؤسسات، مما يهدد بنسف الاتفاقية والرجوع لمربع الحرب.

  كان من المفترض معالجة قضايا مشاكل الفترة الانتقالية بخطط مدروسة حول الخدمة المدنية والعسكرية والأمن والتعليم والصحة والقطاعين الزراعي والصناعي وقطاع الخدمات والمواصلات، واعادة النظر في المؤسسات التي تمت خصخصتها، والاهتمام بالمناطق المهمشة وضرورة التنمية فيها وتطبيق نموذج نيفاشا علي أقاليم السودان الأخري، حتي تقف نيفاشا علي أعمدتها السبعة، اضافة لمتابعة المتغيرات في الأوضاع الدولية في ظل الصراع الاقليمي والدولي حول اقتسام موارد المنطقة الافريقية ومنها السودان مثل النفط والمعادن..الخ ، وكيف نستفيد من هذه التناقضات في تحقيق شروط أفضل للتنمية والسيادة الوطنية علي مواردنا التي تم اهدارها بدون شفافية.هذا اضافة لاقامة دولة المواطنة التي تسع الجميع مما يمتن ويرجح خيار الوحدة بين الشمال والجنوب، ولكن ذلك لم يتم، وبالتالي من المهم الاصرار علي السير في هذا الطريق، ولا طريق سواه لضمان وحدة السودان.

 وكرت مسبحة السنوات، فبعد 54 عاما من الاستقلال، ونتيجة لسياسات المؤتمر الوطني المدمرة، أن أصبح اكبر مستودع للقوات الدولية وبلغت قوات الأمم المتحدة في البلاد بعد توقيع اتفاقية نيفاشا 10 ألف والتي زادت بعد قرار القوات لدارفور، ورغم تقدير الدور الذي لعبته هذه القوات في حفظ السلام، الا ان نظام الانقاذ يتحمل مسئولية كبيرة في دخول هذه القوات، ويصبح الواجب تحقيق اوسع جبهة من اجل اخراج الوجود الأجنبي من السودان في اسرع وقت ممكن، وهذا يتطلب ترسيخ الديمقراطية والسلام والتنمية والوحدة وتصفية المليشيات والبؤر المسلحة، ومنع تجدد الحرب حتي نضمن السيادة الوطنية التي حققها شعبنا قبل 54 عاما في الاستقلال عام 1956م.

   كما انه من المهم اشراك كل القوي السياسية في الادلاء برأيها حول قوانين الاستفتاء لجنوب السودان وجبال النوبا وابيي وقانون المشورة الشعبية باعتبارها تهم كل الشعب السوداني، ولاتهم الشريكين فقط، وباعتبارها تتعلق بمصير السودان، اضافة لضرورة الغاء القوانين المقيدة للحريات وبصفة خاصة قانون الأمن ، فلا يمكن الحديث عن تلك القوانين (الاستفتاء لجنوب السودان وجبال النوبا وابيي والمشورة الشعبية) في ظل مصادرة الحريات، وخلق البيئة الملائمة لممارسة حق تقرير المصير، في ظروف الديمقراطية الكاملة وحرية الارادة ودون املاءات، وكفالة حق الاحزاب السياسية في توضيح وجهة نظرها وتحقيق الفرص المتساوية في الاعلام، اضافة لضرورة الاتفاق علي النسبة المئوية للمسجلين المشاركين في الاستفتاء حول تقرير مصير الجنوب، وهي قضية مصيرية لاتتعلق بالشريكين ، ولابد من الاطمئنان علي مشاركة ما لايقل عن نسبة معتبرة تؤكد ممارسة اكثر من أغلبية ثلثي المسجلين للاستفتاء( لاتكون أقل من 70%)، ونلاحظ ان الشريكين أعلنا اقرارهما بقانون الاستفتاء والاتفاق علي نسبة 60% من جملة الناخبين المسجلين في غياب مشاركة القوي السياسية الأخري وجماهير الشعب السوداني، وكأنما قضية مثل مصير السودان تهم الشريكين فقط، لا جماهير الشعب السوداني في احزابه ومنظماته، ومعروف أن هدف المؤتمر الوطني هو تسهيل عملية فصل الجنوب لينفرد بالشمال وعزل الحركة الشعبية عن قوي المعارضة في الشمال بعد دورها في المشاركة في مسيرات وندوات المعارضة، وهذا شبيه بمخطط الاستعمار البريطاني لعزل الجنوب عن الشمال، تمهيدا لفصله، بعد ثورة 1924م بعد ان شارك فيها قادة وثوار من جنوب السودان، ولكن فشل مخطط الانجليز، وسيفشل مخطط المؤتمر الوطني لفصل الجنوب واخراج جماهير الحركة الشعبية من قوي يالمعارضة.

 ان الحفاظ علي الوطن وتحقيق دولة المواطنة التي تسع الجميع ضرورة ملحة، ودون ذلك التفريط في وحدة السودان، وهي جريمة تاريخية لن يرحم التاريخ من يتسببون فيها.ولأن انفصال الجنوب سوف ينسف استقرار المنطقة و يعمق المشاكل في الشمال والجنوب ولن يحل المشكلة، هذا فضلا عن خلق سابقة يمكن ان تؤدي الي انفصال دارفور والشرق والنوبة في الشمال وتفتيت وحدة السودان طالما ظل نظام الحكم الاحادي للمؤتمر الوطني.

   وبالتالي يصبح من المهم تعميق وتوسيع قوي الاجماع الوطني(جوبا)، وخلق اوسع جبهة لانقاذ الوطن و من أجل بقاءه موحدا، ومواصلة النشاط الجماهيري(ندوات، ومسيرات..) في داخل وخارج السودان، ومن أجل الغاء قانون الأمن وانتزاع التحول الديمقراطي وتفكيك الديكتاتورية والشمولية والحل الشامل والعادل لقضية دارفور وبقية الأقاليم، وتحسين مستوي المعيشة، وقيام أوسع تحالف من اجل انهاء الشمولية والدكتاتورية والتسلط بهزيمة المؤتمر الوطني ومخططه لتمزيق وحدة البلاد من اجل البقاء في الحكم.       

alsir osman [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]