نهدف من هذا الدراسة بمناسبة الذكري ال 130 للثورة المهدية الى توضيح غرضين :
أ – ان الثورة المهدية لم تكن حدثا معزولا ، بل كانت ثورة من الثورات التى شهدها العالم في القرن التاسع عشر ، سواء كان ذلك على مستوى العالم الاوربي أو مستوى المستعمرات . فالنظام الرأسمالي كان قد شهد تطورا هائلا بعد الثورة الصناعية والثورة الفرنسية في نهاية القرن الثامن عشر ، وافرز نتائج سلبية مثل تدهور احوال الطبقة العاملة وتشغيل النساء والاطفال لاكثر من اربع عشرة ساعة في اليوم ، كما اتجهت الدول الرأسمالية الى بلدان افريقيا والشرق لتبحث عن اسواق جديدة لمنتجاتها  ومواد خام جديدة لصناعاتها ونتج عن هذا التوسع الاستعمار وقهر شعوب المستعمرات واستنزافها اقتصاديا ومحو ثقافاتها وتقاليدها ونظمها الاجتماعية التى كانت سائدة فيها قبل ربطها بالسوق الرأسمالي العالمي ، وفي تطور مشوه وغير متوازن نتج عنه تدمير البنية الاجتماعية القديمه دون كسب بنية اجتماعية جديدة ارقى.  وكان من نتائج ذلك الاستغلال الداخلي والخارجي تلك الانفجارات والثورات.
 ب –تحديد خصوصية الثورة المهدية ، تلك لخصوصية التى نبعت من واقع السودان وظروفه وتقاليده الاجتماعية والثقافية ، وبالتالى استخلاص مؤشرات عامة تبين إسهام الثورة المهدية في حركة الثورة العالمية في القرن التاسع عشر.
  1 – ثورات القرن التاسع عشر:         
  شهد القرن التاسع عشر ثورات عمالية في أوربا ، فنسمع على سبيل المثال: عن انتفاضة عمالية في ليون بفرنسا عام 1831 م ، وفي الفترة (1838 – 1842 م) شهدت انجلترا ثورات عمالية وهى حركة "الشارتيين" الانجليز ، والحركة "الشارتية" هى أول حركة جماهيرية في التاريخ للطبقة العاملة نشأت في بريطانيا في ثلاثينيات واربعينيات القرن التاسع عشر ، ونشر المساهمون في الحركة ميثاقا طالبوا فيه بالحق الانتخابي العام، وطافت الحركة ارجاء البلاد كافه، وعقدت اجتماعات حاشدة ومظاهرات شارك فيها ملايين العمال والحرفيين ، ولقد قمعت الحركة ، ولكن تأثيرها على التطور اللاحق للحركة العمالية كان كبيرا جدا.
*          وفي عام 1871 م قام العمال في فرنسا بثورة (كومونه باريس) وشكلوا أول حكومة للطبقة العاملة في التاريخ واستمرت تلك الحكومة أو الثورة 72 يوما (من 18 مارس حتى 28 / مايو 1871 م) وتم قمعها وسحقها بعد ذلك.
*          كما نسمع عن ثورات عمالية وسياسية حدثت في عام 1848 م في أغلب بلدان أوربا،
وكانت مطالب العمال في تلك الثورات تتلخص في تحسين ظروف عملهم وزيادة اجورهم وتخفيض ساعات العمل .. الخ ، وفي هذا العام صدر "البيان الشيوعي" لماركس وانجلز .
*          في الفترة (1860 – 1865 م) حدثت الحرب الاهلية في امريكا ، والتى كانت الثورة الثانية بعد ثورة الاستقلال في اواخر القرن الثامن عشر، وكان من نتائج الحرب الاهلية ثورة تحرير الرقيق أو الغاء نظام الرق في امريكا ، و التي كانت من الثورات الاجتماعية والانسانية التقدمية في التاريخ.
*          وفي المستعمرات البريطانية نسمع عن الثورة الهندية عام 1857 م والتى قمعتها بريطانيا بوحشية.
*          وفي مصر نسمع عن الثورة العرابية بقيادة احمد عرابي عام 1882 م ، وكان رد فعل بريطانيا على هذه الثورة أن قامت باحتلال مصر في سبتمبر 1882 م وقمعت انتفاضة الجيش بقيادة عرابي واعتقلته ورفاقه ونفتهم ..
ونلاحظ أن الخيط الناظم لهذه الثورات : اما انها ثورات اجتماعية مثل: ثورات العمال في اوربا و ثورة تحرير الرقيق في امريكا، أو ثورات وطنية ضد الاستعمار الاجنبي مثل: ثورة الهند وثورة عرابي في مصر.
  وجاءت الثورة المهدية كثورة ضد الاستعمار الاجنبي التركى – المصري. وبعد احتلال بريطانيا عام 1882 م لمصر ، اصبحت الثورة المهدية فعليا ضد الاحتلال البريطاني ، لأن القوى القابضة فعليا على مصر اصبحت بريطانيا . أما حول اسباب وطبيعة الثورة المهدية وخصوصيتها ، فقد فصلّنا ذلك في دراسة سابقة ولانريد أن نكرر هنا  
: ثورات فكرية وعلمية  - 2
  اضافة للثورات الاجتماعية  والثورات ضد الاحتلال الاحنبي شهد القرن التاسع عشر ثورات فكرية وعلمية ، تزامنت مع الايقاعات السريعة للتطور العالمي الذي نشأ بعد الثورة الصناعية والثورة الفرنسية وارتباط العلم بالانتاج، فنسمع في ذلك القرن عن ظهور نظريات جديدة للثورة الاجتماعية مثل النظرية الماركسية ومؤلفاتها الأساسية مثل : (الايديولوجيا الالمانية) لماركس وانجلز ، (البيان الشيوعي) لماركس وانجلز ، (رأس المال) لماركس ... الخ . ، وكانت من النظريات التى تركت بصماتها في اوساط الطبقة العاملة والحركة الاشتراكية في القرن التاسع عشر، ومازالت حتي اليوم ، كما كانت من النظريات الأساسية المعارضة للنظام الرأسمالي ونتائجه من الاستغلال الناتج عن الاستحواذ علي فائض القيمة ( الجزء من العمل غير مدفوع الأجر ) من الرأسماليين ، واستغلال شعوب المستعمرات.
  كما نسمع عن نظريات جديدة في علم النفس لفرويد، وعلم الاجتماع لمورغان، وعلم الاحياء لدارون عن تطور الانواع بالانتخاب الطبيعي التي نشرها عام 1858 م في مؤلفه (أصل الأنواع) .
  كما نسمع عن تطورات جديدة في الفلسفة والاقتصاد وعلوم الكيمياء ونظريات جديدة في علم الرياضيات والفيزياء والتى تم تتويجها باكتشاف (الالكترون) في اواخر القرن التاسع عشر وكسر الذرة والتي دشنت ثورة جديدة في علم الفيزياء . هذا اضافة لظهور نظريات جديدة دعت الى التجديد في الادب والفن ( الشعر ، القصة ، المسرح ، الموسيقى، والفنون الجميلة ) .
  وصفوة القول ، كان القرن التاسع عشر سريع الايقاعات ، وشهد ثورات فكرية واجتماعية وثورات تحرر وطني تركت بصماتها على القرن العشرين، ويصف الروائى شارلس ديكنز في رواية (قصة مدينتين) ذلك القرن، وذلك الزمن والعصر: ( بأنه احسن الأوقات واسوأ الأوقات وزمان الحكمة والغباء وعصر الايمان والشك وموسم الضوء والظلام وربيع الأمل وشتاءاليأس ) .
 ويمكن للقارئ أن يقارن فكرة الثورة المهدية بالثورات الفكرية التى كانت تشهدها أوربا في ذلك الوقت في المجالات المشار اليها لاحقا ..
  فالثورات الفكرية والفلسفية في اوربا كانت نتاج لتطور القوى المنتجة بعد الانقلاب الصناعي ، وثورة المهدى في السودان كانت تعبيرا عن واقع السودان الإجتماعي  والاقتصادي وتخلف قواه المنتجة ، وبالتالي جاء فكر الثورة المهدية تعبيرا عن ذلك الواقع ، وبشكل فكرة المهدى المنتظر الذي سوف يملأ الارض عدلا بعد أن ملئت جورا، التى لها جذورها في الفكر الصوفي ..
  ونحن عندما نربط ثورة المهدى بالثورات المعاصرة لها في العالم لانفتعل ذلك الربط ، فقد كان الاستعماريون يعتبرون الثورة المهدية حلقة جديدة في سلسلة الثورات الشعبية التى شهدها العالم ضد الاستعمار البريطاني أو ضد النظام الرأسمالي ( في بريطانيا أو بقية البلدان الاوربية ) ( ثورة العمال ) .
  فمثلا: بعد ابادة حملة هكس باشا وانتصار المهدى الحاسم في غرب السودان القى اللورد دربي بيانا في مجلس اللوردات البريطاني ملخصه أن أمثال هذه الكارثه التى حدثت لحملة هكس لم تكن في الحسبان ، واعترف بأنهم لم تكن لهم وسائل يقدرون بها مدى العقيدة والتعصب لدى هؤلاء العرب .. يقول ( لم يكن هناك شبيه لهذه الحالة من التعصب والحماس منذ الحركة الوهابية في الجزيرة العربية ولا أقول منذ عهد النبي ومن خلفوه مباشرة .. هل هناك من جديد في أن يباغت العالم بامثال هذه الثورات الشعبية ؟ من كان يترقب الثورة الاوربية في سنة 1848 م ؟ من تنبأ بالتمرد الهندى ؟ من كان ينتظر في سنة 1871 م غير خراب باريس بواسطة سكانها ؟ ( انظر خطاب اللورد دربي في مكى شبيكه : السودان والثورة المهدية – الجزء الثالث – دار جامعة الخرطوم 1984 ، ص 6 ) .
 إاذن اللورد دربي يضع الثورة المهدية كحلقة في سلسلة الثورات التى عرفتها اوربا وشعوب المستعمرات في عام 1848 م ، وفي عام 1871 م وفي عام 1857 م ..
  ومن هذا المنظور، نرى أن الثورة المهدية لم تكن حدثا معزولا أو نشازا ، بل كان لها موقعها في خريطة ثورات القرن التاسع عشر ( للمزيد من التفاصيل حول اثر الثورة المهدية على بلدان الشرق والعالم الاسلامي انظر : جمال الدين الافغانى والشيخ محمد عبده : العروة الوثقى – دار الكتاب العربي – بيروت فبراير 1970 ) .
 
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.