من جديد نسمع الاسطوانة  المشروخة والمحاولات البائسة لتزوير التاريخ، بان الشيوعيين مسؤولون عن احداث الجزيرة ابا. ومعلوم أنه بعد انقلاب 25 مايو 1969م، عارض الشيوعيون انفراد النميري بالسلطة، وعارضوا العملية الانقلابية، رغم الشعارات التقدمية التي رفعها النظام، وكانت معارضة الحزب الشيوعي تتلخص في النقاط التالية:
•    ضد مصادرة الحقوق والحريات الديمقراطية، وضد الاوامر الجمهورية وحل الاحزاب والنقابات ومصادرة الصحف بالقانون،
•    رفض نهب ممتلكات المواطنين فيما سمي بالمصادرة والتأميم ، وركز علي سيادة حكم القانون.
•    رفض السلم التعليمي ، والنقل الاعمي للتجربة المصرية دون مراعاة واقع السودان وتنوع ثقافاته وتقاليده.
•    استنكر القمع الوحشي للمواطنين العزل في الجزيرة أبا.
•    عارض ماسمي ب"ميثاق طرابلس "  أو الاتحاد الثلاثي بين مصر والسودان وليبيا ، ورفض سياسة المحاور والتدخل في الشؤون الداخلية، وان تكون الوحدة طوعية لاقسرية.
•    انتقد تدهور الاوضاع المعيشية والاقتصادية.
•    رفض الحزب الشيوعي صيغة الحزب الواحد " الاتحاد الاشتراكي:، باعتباره لايلائم التنوع والتعدد في السودان، وأن صيغة الجبهة هي البديل.
وحقائق هذا الصراع الذي دار بين الشيوعيين وقادة انقلاب 25 مايو 1969 م، وداخل الحزب منشور ومعلوم وللباحثين عن الحقائق نشير لبعض المراجع مثل : كتاب د. محمد سعيد القدال : "معالم في تاريخ الحزب الشيوعي السوداني" ، دار الفارابي، وكناب فؤاد مطر : "الحزب الشيوعي نحروه ام انتحر؟" ووثيقة "المؤتمر التداولي لكادر الحزب الشيوعي السوداني ، اغسطس 1970م"، و"تقييم اللجنة المركزية لانقلاب 25 مايو 1969م".....الخ.
ماهو موقف الحزب الشيوعي من احداث الجزيرة أبا؟.
في مارس 1970م، وقعت احداث الجزيرة أبا المشهورة، التي  قاوم فيها الأنصار احدي زيارات نميري في منطقة النيل الأزرق مما اضطر لقطع زيارته والعودة الي الخرطوم ، وفي 27 /مارس، كان انتقام نظام مايو بطريقة وحشية، فقد أمر النميري بقصف الجزيرة بالصواريخ، وفي ذلك الوقت لم يكن السودان يملك طائرات ميغ- حسب رواية محمد احمد المحجوب رئيس الوزراء السابق – ولاطيارين يستطيعون قيادتها، مما جعل الكثيرين مقتنعين بأن القصف حري بطائرات مصرية وطيارين مصريين، وجاء بيان صادر عن وزارة الخارجية الليبية في وقت لاحق ليؤكد هذا الاقتناع( المحجوب: الديمقراطية في الميزان، ص 241).
ويواصل المحجوب ويقول( ظلت المقاتلات طوال يومين( تنقض) علي الجزيرة وتضربها بالصواريخ وتغير علي السكان، لقد كانت مجزرة وحشية.. كانت اقسي تقتيل لاسابق له في تاريخنا وأوحشه ، كان يجري حصد الناس وتفجيرهم قطعا في الشوارع والحقول اثناء فرارهم للاحتماء، من دون أن يكون هناك دفاع أو حماية لهم ضد الغارات الجوية)
وبعد احداث الجزيرة ابا اصدر مجلس قيادة الثورة المرسوم الجمهوري رقم(4) الذي وسع نطاق الجرائم والعقوبات الخانقة المعددة في الامر الدفاعي رقم(2) الصادر في مايو 1969م، والذي انتقده الحزب الشيوعي.
وبعد احداث الجزيرة أبا قرر مجلس قيادة الثورة نفي عبد الخالق محجوب سكرتير الحزب الشيوعي السوداني والصادق المهدي الي مصر، لقد كان ذلك اجراءا غريبا نوعا ما – ابعاد اثنين من مواطني بلد مستقل الي المنفي في بلد مجاور، وهو شبيه بنفي حكومة الاتراك للزبير باشا الي مصر وسجن قادة المهدية بعد معركة كرري وام دبيكرات في سجن رشيد بمصر.
والجدير بالذكر أن الحزب الشيوعي كان قد انتقد السلطة ، وكان من الممكن أن تقلل الخسائر والضرب الوحشي والعشوائي والانتقامي للجزيرة ابا، كما انتقد اعتقال عبد الخالق محجوب ، وكان ذلك موقفا معاديا للحزب الشيوعي.ونتيجة لضغط الحركة الجماهيرية، عاد عبد الخالق من المنفي ليبقي في الحبس الانفرادي بالباقير وفي سجن مصنع الذخيرة الحربي حتي يونيو 1971م.  
كما واصلت السلطة هجومها علي الحزب الشيوعي والتنظيمات الديمقراطية، وقامت السلطة في ابريل 1970 بحل اتحاد الشباب والاتحاد النسائي ، وبدأت السلطة الاعداد لتكوين تنظيمات سلطوية فوقية بديلة لهما تمهيدا للاعلان الرسمي بتكوين الاتحاد الاشتراكي، في عملية نقل اعمي ومسخ للتجربة المصرية.
* وخلاصة الامر الحزب الشيوعي ليس مسؤولا عن احداث الجزيرة أبا، كما وضح من السرد اعلاه، وواصل الحزب مقاومته للانقلاب حتي احداث يوليو 1971م ، وفي يناير 1974م طرح الحزب الشيوعي شعار اسقاط النظام، والاضراب السياسي العام والعصيان المدني ، ورفض المصالحة الوطنية عام 1977م مع النظام الذي اباد الالاف الانصار العزل والتي دخلها حزب الامة بقيادة الصادق المهدي ، وثابر الحزب الشيوعي مع قوي المعارضة الاخري ومع النقابات حتي تمت الاطاحة بالنظام في انتفاضة مارس- ابريل 1985م.
ومازال الحزب الشيوعي يواصل النضال من اجل بناء اوسع تحالف للمعارضة من اجل اسقاط هذا النظام، وفتح الطريق للتحول الديمقراطي ووقف الحرب والحل الشامل والعادل لمشاكل دارفور وجنوب النيل الازرق زجنوب كردفان والشرق، وعقد المؤتمر الدستوري ، وتحسين الاوضاع المعيشية.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
////////