تعقيب علي د. سلمان محمد احمد سلمان

موقف الحزب الشيوعي السوداني من اتفاقية مياه النيل 1959م

بقلم : تاج السر عثمان

alsir osman [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
اشار د. سلمان محمد احمد سلمان في مقال له بعنوان " اتفاقية مياه النيل لعام 1959م وافادات د. عبد الله علي ابراهيم، في صحيفة : الايام العدد 10717 ، بتاريخ السبت 12/10/ 2013م ، الي النقاط التالية فيما يختص بموقف الحزب الشيوعي السوداني من ااتفاقية 1959م:
•    الحزب الشيوعي ايد اتفاقية مياه النيل لعام 1959 بالصمت!!!!.
•    لم نجد من الوثائق أو الافادات مايجيب علي تساءولنا عن موقف الحزب من اتفاقية مياه النيل.
•    لقد كانت الاتفاقية كارثة قومية ضخمة، الا يشكل الصمت عن هذه الكارثة الانسانية يمواقفه و ومعارضته وتظاهراته ؟.
•    خلال الخمسين عاما الماضية لم يصدر الحزب ( ضمن الاحزاب) اي دراسة عن الاتفاقية لاعضائه وللشعب السوداني وللتاريخ. اين العمل الوطني القيادي والفكري والسياسي والثقافي والاجتماعي للاحزاب السودانية خصوصا التي تدعي انها عارضت الاتفاقية. 
مع تقديرنا للجهد الذي بذله الباحث د. سليمان في دراساته ومقالاته حول مياه النيل والسدود والتي وجدت استحسانا منا والقراء، الا أن الكاتب خلص الي استناجات غير صحيحة بسبب غياب الوثائق عن رأي الحزب ومواقفه من الاتفاقية وتهجير اهالي حلفا، وهي أن الحزب الشيوعي ايد اتفاقية مياه النيل بالصمت، فلو اكتفي الكاتب بانه لم يعثر علي وثيقة توضح موقف الحزب لكان هذا طبيعيا، ولكن أن يخلص الكاتب الي استنتاج يدمغ الحزب الشيوعي بتأييد الاتفاقية بالصمت ، فهذا يتجافي مع الموضوعية ومنهج البحث العلمي،الذي يقوم علي استخلاص النتائج من الوثائق والواقع ، لا من افكار مسبقة ونتائج تقوم علي غياب وثائق الحزب ومواقفه عن الكاتب لحظة اعداد الدراسة.
اذا رجع الكاتب فعلا الي كتاب " ثورة شعب " الذي اصدره الحزب الشيوعي السوداني عام 1965م، بعنوان "ست سنوات من النضال ضد الحكم الديكتاتوري الرجعي" ، يجد الكاتب وثائق الحزب في ذلك الكتاب ، ومواقفه ضد ديكتاتورية عبود عموما بما في ذلك موقف الخزب من اتفاقية 1959م التي تم بموجبها قرار اغراق منطقة النوبة،  يجد الكاتب ذلك في الفصل السابع من الكتاب بعنوان " النوبيون يقاومون الديكتاتورية" في الصفحات من 262 الي 288.
يجد الكاتب أن الحزب الشيوعي رفض كارثة اغراق منطقة حلفا، وساند عدالة قضية النوبيين ، وصدر بيان من الحزب الشيوعي السوداني ( لجنة حلفا) بتاريخ 21/10 / 1960م ، اشار البيان الي المطالب الآتية:
1-    جنوب الخرطوم هي الموطن الجديد.
2-    التعويض الكامل لجميع الممتلكات غير المنقولة.
3-    اعداد الوطن الجديد اعدادا كاملا قبل الرحيل( مدارس ، مستشفيات، مواصلات، طرق ، ري).
4-    الغاء قانون الطوارئ ليستطيع اهالي حلفا وجميع افراد الشعب السوداني مناقشة هذه القضية الوطنية الهامة في الصحافة والنشرات والاجتماعات العامة بعيدا عن الضغط والارهاب.
ظل الحزب الشيوعي السوداني منذ اليوم الذي وقعت فيه اتفاقية مياه النيل يقف بقوة وحزم بجانب النوبيين من اجل تحقيق مطالبهم العادلة ، وظلت لجنة الحزب الشيوعي بحلفا ولجانه في المدن الاخري ، وخاصة عطبرة والخرطوم ، ظلت تعمل هذه اللجان مع جماهير النوبيين لتنظيم المقاومة، وتأسيس اتحاد المقاومة الشعبية، ويصدر البيانات ومختلف اشكال المخاطبة .
لم يكتف الحزب الشيوعي بذلك ، بل قرر اصدار مجلة دورية خاصة بمشكلة النوبيين ، وبالفعل صدر العدد الاول من تلك المجلة " صوت حلفا" يوم 6/11/ 1960م، وظهر علي غلافها " مجلة جماهيرية يصدرها الحزب الشيوعي السوداني – شعارها الوقوف في طليعة النوبيين في كفاحهم لاحتيار وطنهم الجديد بانفسهم وتعويضهم تعويضا كاملا".
كان للمجلة دور كبير في اذكاء روح المقاومة وسط النوبيين ، صدر من المجلة حوالي 10 اعداد ، وكانت توزع بكميات كبيرة في حلفا وعطبرة والعاصمة. 
والقارئ لدراسات ووثائق الحزب المنشورة في كتاب ثورة شعب يخلص الي أن اتفاقية مياه النيل غير عادلة بالنسبة للسودان، كما أن تعويضات تهجير اهالي حلفا لم تكن مجزية، هذا فضلا عن ضياع تراث النوبة العلمي ، اضافة للفساد الذي لازم تلك العملية، وكان الوضع سوف يكون افضل من ذلك لو كانت هناك حكومة وطنية وديمقراطية سودانية تم معها توقيع هذه الاتفاقية.
والقارئ لوثائق الحزب المنشورة في كتاب "ثورة شعب"، يلاحظ أن الحزب الشيوعي قاوم الانقلاب العسكري منذ قيامه في 17 نوفمبر 1958م، ودعي الي اسقاطه واستعادة الديمقراطية، وطرح الحزب الشيوعي شعار الاضراب السياسي العام منذ اغسطس 1961م كاداة للاطاحة بالديكتاتورية، كما قاوم الحزب مصادرة الحريات وقانون الطوارئ ، وحرب الجنوب ، وكشف فساد النظام في منشوراته وسياساته الاقتصادية والاجتماعية المعادية للشعب.. كما قاوم الحزب عن طريق البيانات والمظاهرات اتفاقية مياه النيل التي تم التوقيع عليها في الثامن من نوفمبر 1959م، والتي تم فيها تقسيم مياه النيل بين مصر والسودان والتي نال السودان بموجبها 18,5 مليار متر مكعب ، ونالت مصر 55,5 مليار متر مكعب ، وهناك 10 مليار تمثل فواقد السد العالي ( متوسط الايراد عند سد اسوان يبلغ 84 مليار )، واشتملت الاتفاقية علي ملحق نص علي سلفة قدرها 1,5 مليار من حصة السودان لمصر في حالة حاجة الاخير لها تنتهي عام 1977م، ونصت الاتفاقية علي دفع 15 مليون جنية كتعويض عن الاراضي التي ستغمر بمياه السد العالي ولتهجير سكان وادي حلفا.
كما اشرنا سابقا عارض الحزب الشيوعي مع سكان وادي حلفا والقري التابعة لمركز وادي حلفا عملية التهجير وتلخصت مطالبهم في الآتي:
•    أن يكون الموطن الجديد هو جنوب الخرطوم بدلا من خشم لقربة.
•    أن تمنح التعويضات علي اساس تقديرات الللجنة القومية التي كونها اهالي حلفا.
•    اخذ رغبات المواطنين النوبيين بما يضمن توجيههم بما يضمن للحفاظ علي قوميتهم والعمل من اجل تطويرها ضد عوامل الانقراض.( راجع كتاب ثورة شعب ، ومذكرة مواطني حلفا ، ص 262 – 270 – 271 ، من كتاب ثورة شعب)
اضافة الي ماورد في كتاب "ثورة شعب" من بيانات ودراسات للحزب الشيوعي حول اتفاقية 1959م وتهجير اهالي حلفا، نشير الي أن الحزب الشيوعي اهتم بمشكلة مياه النيل ، ونشر ت صحيفة الميدان دراسات عنها ، علي سبيل المثال : راجع مقال د. عبد الشافي صديق بعنوان: "مشكلة مياه النيل في العلاقات السودانية المصرية (1953- 1968)" ، المنشور علي حلقتين في صحيفة الميدان بتاريخ 11/11/ 1985م، 12/11/ 1985م.
صفوة القول ، أنه ليس صحيحا أن الحزب الشيوعي السوداني كما اورد د. سلمان ايد اتفاقية مياه النيل 1959م بالصمت.
مع تحياتي وتقديري لد . سليمان محمد احمد سلمان ، وخلاف الرأي لايفسد للود قضية.
_____________________________________________
* تاج السر عثمان : عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني.