عندما تعود بنا الذاكرة الي الانقلاب المشئوم الذي حدث صبيحة يوم الجمعة: 30 يونيو 1989م الذي اذاع فيه رئيس مجلس الانقلاب البشير بيانه والذي جاء فيه: رفع المعاناة عن الجماهير، وفك عزلة السودان الخارجية، وتحقيق السلام ودعم القوات المسلحة، نلحظ انه بعد 24 عاما زادت المعاناة علي الجماهير والتي فقدت ابسط مقومات الحياة مثل: مجانية التعليم والعلاج وتزايد نسبة الفقر التي وصلت الي 95%،  واصبحت الأوضاع الاقتصادية والمعيشية اكثر سوءا بعد انفصال الجنوب. وتم تدمير المشاريع الزراعية والصناعية بعد سياسة الخصخصة التي اتبعها النظام وتشريد العاملين والتي آخرها خصخصة مصانع السكر،. كما فقدت البلاد سيادتها الوطنية حتي اصبح كل من هب ودب يتدخل في شئونها الداخلية، كما ازداد لهيب الحرب بعد انفصال الجنوب والتي اتسعت لتشمل: دارفور وجنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق. اضافة الي تدمير الخدمة المدنية والقوات النظامية التي فقدت الالاف من خيرة كوادرها المؤهلة والمدربة نتيجة للفصل السياسي والتعسفي. والفشل في حماية سيادة البلاد جوا وبرا وبحرا، كما ازدادت عزلة السودان الخارجية بسبب سياسات النظام الخرقاء الداعية للحرب ونقض العهود والمواثيق كما حدث في اتفاق النفط الأخير مع دولة جنوب السودان، والالغاء الرسمي لزيارة نافع علي نافع لامريكا، واصبح رأس النظام مطلوبا أمام المحكمة الجنائية الدولية بسبب جرائم الحرب في دارفور.كما يتصاعد الرفض الداخلي والخارجي علي انظمة الاسلام السياسي في مصر والسودان وتركيا.
ومن جانب آخر اتسعت المعارضة الجماهيرية والعسكرية للنظام، كما حدث في الاضرابات والوقفات الاحتجاجية للاطباء والمعلمين والعاملين والصحفيين والطلاب والمزارعين ومتضرري السدود، واحتجاجات المواطنين ضد بيع ونهب اراضيهم كما حدث في امدوم وولاية سنار، كما يتصاعد النشاط الجماهيري من خلال الندوات في اطار برنامج المائة يوم لتصعيد المقاومة ضد النظام، اضافة الي نشاط السودانيين في الخارج في الحملة العالمية لاسقاط النظام، والمواكب التي دعت لها في 30 يونيو 2013م، واستعداد الجماهير في الداخل لمقاومة الزيادات المتوقعة علي المحروقات والسكر والدقيق ، والتي مهد لها رئيس الجمهورية في خطابه الأخير امام مجلس شوري الوطني.  
* طبيعة نظام الاسلام السياسي في السودان:
مايميز هذا النظام أنه جاء بانقلاب عسكري تم بتخطيط كامل من قيادة الجبهة الاسلامية ومشاركة مليشياتها في العملية الانقلابية، ولكن سياساته الاقتصادية لم تخرج عن طريق التنمية الرأسمالية التقليدي الذي سارت عليه حكومات مابعد الاستقلال المدنية والعسكرية، رغم شعارات الاسلام التي رفعها، فهي تنمية مستندة علي الفكر التنموي الغربي:  " تحرير الاقتصاد والاسعار، اقتصاد السوق، الخصخصة أو تصفية مؤسسات القطاع العام وبيعها بأثمان بخسة لمحاسيب النظام، التخفيضات المتوالية للعملة، الاعتماد علي سلعة واحدة " البترول" ، والذي تم فقدان 70% منه بعد انفصال الجنوب ، ديون خارجية بلغت 43 مليار دولار...الخ"، ولايغير من ذلك ادخال نظم مثل: السلم في الزراعة والزكاة وتجربة البنوك الاسلامية وشركات الاستثمار الاسلامية، فالبنوك الاسلامية، كما هو معروف، استغلت الشعار الاسلامي للحصول علي سيولة كبيرة استخدمت في صفقات تجارية قصيرة المدي بأسلوب المرابحة، ولم تساعد الاستثمار ولم تقدم بديلا وظيفيا لسعر الفائدة. بل تمّ الرجوع الي القروض الاجنبية بسعر الفائدة كما تم في القرض الكويتي الأخير الذي اجازه المجلس الوطني.
ولكي يبقي هذا النظام في السلطة قام بتشريد الالاف من النقابيين والمعارضين السياسيين ومارس ابشع اساليب القمع والتعذيب ضدهم، كما دمر كل الفئات الرأسمالية المنتجة المعارضة لتوجهاته، ودمر الانتاج الزراعي والصناعي ومؤسسات السكة الحديد ومشروع الجزيرة والنقل النهري والخطوط الجوية السودانية والنقل النهري...الخ، كما دمر التعليم ومؤسساته العريقة،  وتم فرض مناهج ذات صبغة ايديولوجية ضيقة الافق كان من نتائجها الانخفاض الهائل الحالي في مستوي التعليم في البلاد.
اضافة للاستيلاء علي السلطة تم التمكين في الارض للرأسمالية الطفيلية الاسلاموية والتي تضاعفت ثرواتها بشكل هائل بعد الانقلاب وكان من اهم مصادر تراكمها الرأسمالي: نهب اصول القطاع العام، اصدار قانون النظام المصرفي لعام 1991م والذي مكن لتجار الجبهة ولمؤسساتها من الهيمنة علي قمم الاقتصاد الوطني، والتسهيلات والرخص التجارية من وزارة التجارة والبنوك التجارية والاعفاء من الضرائب، والاستيلاء علي شركات التوزيع الأساسية وتمليكها لتجار وشركات الجبهة الاسلامية، والمضاربة في العقارات، والاستثمار في مشاريع الزراعة الآلية، والاستيلاء علي مؤسسات تسويق الماشية، اضافة لنهب عائدات البترول والذهب والجبايات واقفار المزارعين، ودعم رأس المال الاسلامي العالمي، اضافة للاستثمار في التعليم والصحة والذي اصبح مصدرا للتراكم الرأسمالي.
وبالتالي، فان طبيعة هذا النظام الشمولي والذي يتجه بعد انفصال الجنوب للمزيد من القمع ومصادرة الحريات واستغلال الدين في السياسة وفرض الدولة الدينية الظلامية التي تلغي التعدد الثقافي واللغوي والديني..الخ مما يؤدي للمزيد من تمزيق ماتبقي من الوطن، اضافة لنهب موارد البلاد لمصلحة شريحة طبقية ضّيقة.
هذا النظام اصبح يشكل خطرا ماثلا علي وحدة ماتبقي من البلاد و سيادتها الوطنية، بحيث يصبح من الضروري تشديد المقاومة وقيام اوسع تحالف وجبهة من اجل اسقاطه وقيام حكومة انتقالية يكون من مهامها: انجاز التحول الديمقراطي ودستور ديمقراطي يكفل التعددية السياسية والفكرية والثقافية، والدينية ، ويستند علي المواثيق الدولية في احترام حقوق الانسان، وتحسين الاوضاع المعيشية للكادحين، وحل قضايا مابعد الانفصال، وتحسين العلاقات مع دولة الجنوب وقيام شراكة استراتيجية تفتح الطريق لاعاة توحيد الوطن، والحل الشامل والعادل لقضية دارفور، وعقد المؤتمر الدستوري القومي الجامع الذي يقرر شكل الحكم في السودان، وتحقيق التنمية المتوازنة والتوزيع العادل للسلطة والثروة، وقيام انتخابات حرة نزيهة في نهاية الفترة الانتقالية.
ولقد اكدت تجربة شعب السودان في مقاومة النظم الديكتاتورية  من خلال تراكم النضال اليومي الذي يشهد تناميا وتصاعدا، أن هذا التراكم النضالي اليومي سوف يصل في لحظة معينة الي النقطة الحرجة التي بعدها يتم التحول النوعي، بقيام الانتفاضة الشعبية الشاملة والتي تفضي الي تغيير النظام كما حدث في ثورة اكتوبر 1964، وانتفاضة مارس- ابريل1985م، مع اخذ الظروف الجديدة في الاعتبار، وعدم تكرار تجارب انتكاسة ثورة اكتوبر 1964م، وانتفاضة ابريل 1985م.


alsir osman [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]