يصادف يوم 16 أغسطس 2018 الذكري 72 لتأسيس الحزب الشيوعي السوداني ، ونسلط الضوء في هذا المقال تجربة توجه الحزب نحو القطاع التقليدي أو المعيشي أو الريف السوداني لبناء الحزب والتنظيمات الديمقراطية واتحادات المزارعين.

أشار الأستاذ شمس الدين ضو البيت في مقال له بمجلة " الحداثة السودانية "، العد (7) بتاريخ سبتمبر 2017، ص 15، بعنوان " انتزاع المستقبل : نحو أفق تنموي جديد"، إلي أن الحزب الشيوعي " ركز علي شريحة ضيقة جدا في المجتمع السوداني هي شريحة العمل المأجور والتي لم تكن تتعدي واحد ونصف في المائة من الشعب السوداني في اللحظات التأسيسية للدولة السودانية ، لم يستوعب القطاعات المعيشية والمطرية والتقليدية التي شملت غالبية الشعب السوداني ، لهذا السبب لم تستوعب اهتمامات الحزب ومفاهيمه بصورة بنيوية متعمقة القطاعات المعيشية والمطرية التقليدية التي شملت غالبية الشعب السوداني، وكانت النتيجة هي غياب هذه القطاعات التقليدية عن الأفق التنموي والفكر السياسي السوداني بصورة عامة وإلي يومنا هذا".

معلوم أن شمس الدين ضو البيت مؤسس مشروع الفكر الديمقراطي والقراءة من أجل التغيير، و ما ذكره أعلاه غير صحيح ويجافي الواقع وتاريخ الحزب، فقد اهتم الحزب الشيوعي بالتوجه إلي الريف أو"القطاع التقليدي" أو "المناطق المهمشة"، وطرح ضرورة الا يكون الحزب حزبا للمدن، بل لا بد من العمل في الريف ووسط أبناء القبائل من الأقليات القومية المهمشة، وعمل أعضاؤه من عمال ومزارعين وأطباء ومعلمين ومهندسين وفنيين وممرضين.الخ في مناطق القطاع التقليدي وساهموا في بناء الحزب وقيام التنظيمات الديمقراطية " اتحاد الشباب، الاتحاد النسائي ، التنظيم الديمقراطي وسط المزارعين.الخ"، واتحادات المزارعين وفي الروابط القبلية في المدن التي تهتم بتنمية مناطقها بتوفير خدمات التعليم والصحة والمياه والكهرباء.الخ، كما أسهم الحزب في تأسيس مؤتمر البجا في أكتوبر 1958م، وبعد ثورة أكتوبر 1964م رحب بتجمعات أبناء دارفور وجنوب وشمال الفونج التي كانت تطالب بتنمية مناطقها، وأشار إلي أنها ظاهرة صحية في وجه دعاوى بعض قيادات الأحزاب التقليدية التي كانت تصفها بالعنصرية، وفي عام 1976 أصدر وثيقة بعنوان (القطاع التقليدي والثورة الوطنية الديمقراطية)، كما أصدر عام 1988م وثيقة للمؤتمر الدستوري بعنوان : (ديمقراطية راسخة- تنمية متوازنة- وطن واحد- سلم وطيد) التي وردت فيها مقترحات جيدة حول التنمية في القطاع التقليدي.

احتل الاصلاح الزراعي الديمقراطي في القطاعين المروي والمطري والتنمية في الريف مركز الثقل في برنامج مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية وبرامج الحزب حتي البرنامج الأخير المجاز في المؤتمر السادس للحزب.

أرسل الحزب المتفرغين لبناء الحزب في الريف والحركة الديمقراطية واتحادات المزارعين لتوعية المزارعين بحقوقهم في الريف والتنمية ، علي سبيل المثال : في منطقة الجزيرة ( مديرية النيل الأزرق سابقا) ساهم المتفرغون: كامل محجوب ، حسان محمد الأمين ، عبد الحليم عمر، برير الأنصاري، ومحمد عبد الرحمن شيبون ..الخ في بناء اتحاد المزارعين في الجزيرة والمناقل وبرز قادة من المزارعين أمثال شيخ الأمين محمد الأمين ويوسف أحمد المصطفي ، وفي مشاريع النيل الأزرق برز أيضا قادة للمزارعين مثل : شيخ الخير.الخ، كما أسهمت مكتبة الفجر لمؤسسها محمد سيد أحمد في نشر الوعي في المنطقة وبناء الحزب وتوسيع دائرة التعليم والخدمات الصحية في المنطقة. للمزيد من التفاصيل عن معركة بناء اتحاد المزارعين في الجزيرة راجع كتاب كامل محجوب " تلك الأيام" الجزء الأول به توثيق جيد.

في منطقة النيل الأبيض ساهم المتفرغون عباس علي وعلي حبيب الله ومكي عبد القادر ويونس الدسوقي. الخ في بناء حركة المزارعين وبناء الحزب ، وساهمت مكتبة يونس الدسوقي في نشر الوعي وحركة الاستنارة والحزب في المنطقة، وقاد الحزب أوسع حملة استنكار لجريمة شهداء جودة التي مات فيها بعض المزارعين في ظروف حبس غير إنسانية ، وبرز قادة لاتحاد المزارعين في المنطقة مثل شيخ العبيد عامر.

في شرق السودان ساهم المتفرغون الجزولي سعيد وسيد نايلاي وعثمان آدم. الخ في بناء اتحادات المزارعين في القاش وطوكر ، وساهمت مكتبة الجزولي سعيد في أروما في نشر الوعي وبناء الحزب في المنطقة ، للمزيد من التفاصيل ، راجع كتاب الجزولي سعيد رمز الحياة والأمل ، سيرة عامل سوداني ، جمع وإعداد الشفيع الجزولي سعيد، به توثيق جيد لتلك التجربة ، كما ساهم الحزب الشيوعي في قيام مؤتمر البجا في أكتوبر 1958 الذي اهتم بالتنمية في الشرق ونشر التعليم وتوفير الخدمات الصحية. الخ.

في المديرية الشمالية ساهم المتفرغون عبد الرحمن أحمد وميرغني كوهين وأحمد شامي في بناء اتحادات المزارعين والحركة التعاونية، وبناء الحزب والحركة الديمقراطية.

كما ساهم المتفرغون حسن سلامة وعلي نصر الله..الخ في بناء اتحاد المزارعين في جبال النوبا وتوعية المزارعين بحقوقهم في التعليم والصحة ورفض ضريبة الدقنية.

في الفاشر ساهمت مكتبة صديق أحمد البشير في نشر الوعي والاستنارة وبناء الحزب في المنطقة.

اهتم الحزب بالتنمية في الريف ، أشار برنامج الحزب المجاز في المؤتمر الرابع، اكتوبر 1967، ص 38 حول القطاع التقليدي الي الآتي:

(تواجه الثورة الديمقراطية مهمة تحريك القطاع التقليدي وهزه من الجذور، لأن ذلك يعني تحرير 75% من القوة البشرية من وهدة تخلف القرون الوسطي، وتفجير طاقاتها الحبيسة لبناء المجتمع الجديد وتجديد حياتها. في القطاع التقليدي تتمركز الثروة الحيوانية الهائلة التي لا تتمتع بمثلها أية دولة في افريقيا والمنطقة العربية، باخراج هذه الثروة إلي ميدان الاقتصاد الحديث تتوفر للاقتصاد الوطني امكانيات ضخمة للتنمية وتوسيع تجارته الخارجية، وتنويع صناعاته).

يواصل البرنامج ويقول:

( توجيه وخلق مجموعات صغيرة للاستقرار تحل مشكلة الري والرعي واستخدام الالات الحديثة وتوفير الصحة والتعليم والعناية البيطرية)

يواصل البرنامج ويقول:

(تكوين مزارع تعاونية للانتاج الحيواني بهدف رفع الإنتاجية والعائد، وحل مشكلة التسليف عن طريق الدولة للحد من أعمال الربا والشيل).

أشار برنامج الحزب إلي أن تتولي الدولة عملية التسويق وتحديد الأسعار وفئات الأرباح، كما أشار البرنامج إلي (تنمية ثروة الغابات والمحافظة عليها وتطوير منتجاتها بوصفها مصدرا لمواد خام هامة ووسيلة للحفاظ علي تماسك التربة، وانشاء الصناعات المرتبطة بها).

إضافة إلي أن الحزب الشيوعي في أوائل الخمسينيات من القرن الماضي كان أول من أشار إلى ضرورة الاعتراف بالفوارق الثقافية والعرقية بين الشمال والجنوب وتطور التجمعات القومية في الجنوب نحو الحكم الذاتي في نطاق وحدة السودان ، ولم يكتف الحزب الشيوعي بذلك الطرح المتقدم وحده وتكراره ، بل دعمه بالتركيز على القضايا الاجتماعية التي كان فيها قهر وتمييز عنصري أو اثني ضد الجنوبيين مثل :-

- المطالبة بالأجر المتساوي للعمل المتساوي بين العاملين الشماليين والجنوبيين .

- الاهتمام بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية وتوسيع التعليم والعلاج والخدمات في الجنوب .

- إلغاء ضريبة الدقنية .

- إلغاء قانون المناطق المقفولة الذي كان من الأسباب التي عرقلت التطور المتوازن بين الشمال والجنوب .

- إلغاء نشاط المستثمرين الأجانب المرتبطين بالتجسس وتأجيج الخلافات العرقية بين الشمال والجنوب .

- وحدة الحركة النقابية في الشمال والجنوب

- استبعاد الحل العسكري وضرورة الحل السلمي الديمقراطي والعض على وحدة السودان بالنواجذ .

- رفض القهر الثقافي والاثني والديني واللغوي.

- أثناء تمرد 1955م دعي الحزب الشيوعي لمعالجة الموضوع بالحكمة والصبر بدلا من الاتجاهات الداعية للعنف والانتقام .

واصل الحزب الشيوعي تأكيد تلك المواقف في مؤتمره الثالث في فبراير 1956م , ومقاومة سياسة ديكتاتورية الفريق عبود لفرض الحل العسكري والقهر الديني واللغوي والاثني، وفي مؤتمر المائدة المستديرة (1965) وخطاب عبد الخالق محجوب في المؤتمر.

خلاصة القول ما أورده الأاستاذ شمس الدين ضو البيت أن القطاع المعيشي أو المطري كان خارج اهتمامات الحزب الشيوعي في فترة تأسيس الدولة السودانية غير صحيح ويجافي الواقع.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.