أولا: حلقة مهمة في مقاومة ديكتاتورية مايو 1969:

كان انقلاب 19 يوليو 1971م ظهر الأثنين 19 يوليو 1971م الذي خطط له ونفذه الضباط الشيوعيون والديمقراطيون، حلقة مهمة في مقاومة ديكتاتورية نظام جعفر نميري، رغم الثمن الغالي الذي دفعوه ودفعه الشيوعيون والديمقراطيون في البلاد، وكان ذلك:-

* تحديا ورفضا صارخا لتهريج النظام الذي فرض ديكتاتورية عسكرية باسم التقدم والاشتراكية وأحكم قبضته الأمنية كمنهج في الحكم، وفرض نظام الحزب الواحد، وأرهق كاهل الجماهير بالضرائب وارتفاع تكاليف المعيشة وكّرس الفساد بعد نهب ممتلكات الناس باسم الاشتراكية.

* رفضا لتجميد الثورة الوطنية الديمقراطية وسجنها في حدود تصورات البورجوازية الصغيرة التي تخشي النشاط المستقل للأحزاب والنقابات والحركة الجماهيرية، وترفض التعددية الفكرية والسياسية.

من المهم النظر إلي الانقلاب حلقة مهمة في سلسلة تراكم مقاومة الشعب السوداني بشقيه الجماهيري والعسكري ضد حكم الفرد مثل: المقاومة المسلحة في الجزيرة أبا 1970م، ، انتفاضة أغسطس 1973م، انقلاب 5 سبتمبر 1975م، العمل المسلح في 2 يوليو 1976م، النهوض الجماهيري بعد المصالحة الوطنية والذي تجلي في إضرابات العمال والمعلمين والأطباء والقضاء ومذكرات المحامين من أجل الحريات، وانتفاضات المدن ومظاهرات واعتصامات الطلاب، واندلاع التمرد من جديد في الجنوب بعد خرق النظام لاتفاقية اديس ابابا عام 1983م،

في دورة اللجنة المركزية في يناير 1974 ونتيجة لتقييم التجارب السابقة بعد النهوض الجماهيري في أغسطس 1973 ، طرح الحزب الشيوعي شعار الإضراب السياسي العام والانتفاضة الشعبية كأداة لإسقاط النظام، ورفض الحزب التكتيك الانقلابي وواصل نضاله مع الجماهير، حتي تم تتويج ذلك التراكم النضالي الجماهيري والعسكري بالإضراب السياسي العام والعصيان المدني في انتفاضة مارس- ابريل 1985م التي اطاحت بحكم الفرد.

كل ذلك يؤكد أن الأساس هو النضال الجماهيري ودور القوات النظامية مكمل له.

وتبقي بطولة وثبات قادة 19 يوليو 1971م الذين واجهوا الموت والسجن بثبات في مواقف نادرة لا زالت تروي وتحكي للأجيال الجديدة، ويبقي المطالبة بالتحقيق في التجاوزات التي تمت والمحاكمات غير العادلة للعسكريين والاغتيال السياسي لقادة الحزب الشيوعي : عبد الخالق محجوب والشفيع احمد الشيخ وجوزيف قرنق ، والمطالبة بكشف القبور، علما بأن تلك جرائم لا تسقط بالتقادم والتي ارتكبت في حق شهداء الحرية والسيادة الوطنية.

ثانيا : ما هي الدوافع التي أدت لانقلاب 19 يوليو؟

في صباح 25 مايو 1969م وقع انقلاب عسكري ضد نظام ديمقراطي منتخب، قام به صغار الضباط ورفع قادة الانقلاب أجزاء كثيرة من برنامج الحزب الشيوعي والشعارات الاشتراكية والتقدمية، ولكن العبرة ليست بالشعارات ، ولكن بالممارسة العملية اذ أنه بعد الانقلاب مباشرة برزت طبيعة السلطة الديكتاتورية عندما أصدرت الأمر الجمهوري رقم (2) ( قانون الدفاع عن السودان) الذي نص علي الإعدام أو السجن عشر سنوات لكل من يحاول اثارة معارضة في وجه نظام الحكم ومنع المواكب وحرية التعبير والنشر والإضرابات. الخ، وكان ذلك الخطر المباشر: مصادرة الحقوق والحريات الديمقراطية باسم الاشتراكية، والجدير بالذكر أن هذا القانون هو الذي حوكم به شهداء 19 يوليو من العسكريين والمدنيين!!.

لكن الحزب الشيوعي السوداني رغم حله ضمن الأحزاب الأخري واصل موقفه المستقل في نقد سياسات النظام مثل:

- نقد التسرع في فرض السلم التعليمي الجديد والذي جاء نقلا أعمي للتجربة المصرية دون الاعتبار لخصائص السودان ومكوناته الثقافية المتنوعة.

- نقد ميثاق طرابلس الذي فرض الوحدة القسرية بين السودان ومصر وليبيا، دون اعتبار لخصائص السودان العربية والأفريقية ودون رغبة تلك الشعوب.

- نقد التأميم والمصادرة العشوائية التي تم فيها نهب ممتلكات الناس باسم الاشتراكية ودون خضوع ذلك لحكم القانون والتعويض العادل أمام المحاكم، فضلا عن أن المصادرة عقوبة يجب أن تتم تحت ظل القضاء وحكم القانون، وكان لذلك نتائج سلبية اذ أحجمت الرأسمالية السودانية المنتجة في الزراعة والصناعة عن دورها في التنمية والتي لها دور مهم في النظام الوطني الديمقراطي.

- الضرب العشوائي للجزيرة أبا والذي راح ضحيته أعداد كبيرة من المدنيين.

- نقد سياسات النظام الاقتصادية التي أفقرت الشعب السوداني وأرهقته بالأعباء الضريبية وزيادة تكاليف المعيشة وتضخم الفساد والصرف علي الدفاع وجهاز الدولة.

*كما انفجر الصراع داخل الحزب الشيوعي بين تيارين: تيار يري الذوبان في النظام وحزبه الواحد(الاتحاد الاشتراكي السوداني) باعتباره نظام للديمقراطيين الثوريين يفضي الي الاشتراكية، وتيار يري استقلال الحزب الشيوعي سياسيا وتنظيميا وفكريا ورفض الذوبان داخل السلطة وتحويل كادره إلي موظفين، كان خلافا كبيرا داخل اللجنة المركزية للحزب حول تكتيكات الحزب وطبيعة الانقلاب، وتقرر عقد مؤتمر تداولي لحسم هذا الصراع ونزلت كل وجهات النظر المصطرعة ( وثيقة عبد الخالق محجوب ووثيقة معاوية إبراهيم..) لقواعد الحزب ، وتم عقد المؤتمر التداولي في أغسطس 1970م، ووقفت الأغلبية مع وجود الحزب المستقل ورفضت ذوبانه داخل تنظيم السلطة، وكان ذلك هزيمة كبيرة لمخطط السلطة التي كانت تستهدف تصفية الحزب الشيوعي وانهاء كيانه المستقل.

وبعد المؤتمر التداولي نظم التيار المدعوم من السلطة انقساما بقيادة 12 من أعضاء اللجنة المركزية، وبعد كل المحاولات التي بذلتها قيادة الحزب للمحافظة علي وحدة الحزب ، تم فصل قادة الانقسام وحل منطقة الجزيرة التي ذهبت مع الانقسام (عدا زميلين).

بعد هزيمة السلطة سياسيا وفكريا ومخططها لتصفية الحزب ، كان انقلاب 16 نوفمبر 1970م والذي تم فيه ابعاد الرائد هاشم العطا والمقدم بابكر النور والرائد فاروق عثمان حمد الله من مجلس قيادة الثورة وتم اعتقال عبد الخالق محجوب وعزالدين علي عامر وعدد كبير من الشيوعيين ، وتوجه النظام بشكل سافر نحو اليمين والطريق الرأسمالي وتأسيس دولة المخابرات ونظام الحزب الواحد، إضافة إلي دعوة رئيس النظام لضرب الحزب الشيوعي في خطاب 2 فبراير 1971م.

علي أن انقلاب 16 نوفمبر فتح الباب للانقلابات المضادة والتي كانت محتملة وسط الجيش من قوي مختلفة ومن ضمنها مجموعة انقلاب 19 يوليو 1971م، وخاصة بعد المرارات وخيبة الأمل في نظام مايو الذي تحول إلي ديكتاتورية تحكم بواسطة المخابرات والقمع وانقلابها علي الشعارات التقدمية التي رفعتها، وبالفعل كان انقلاب 19 يوليو الذي استمرت سلطته لمدة ثلاثة أيام وبعدها جاء الانقلاب الدموي المضاد في 22 يوليو 1971م الذي استكمل توجه النظام نحو اليمين ومعاداة الشيوعية والديمقراطية وحكم الحزب الواحد ودولة المخابرات والفساد، وفقدان السيادة الوطنية.

ثالثا : - أحداث قصر الضيافة:

أشارت دورة اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في سبتمبر /نوفمبر 1971م، إلي أن 19 يوليو يتحمل مسئولية شرف تنظيمها الضباط الأحرار ، ومساهمة الحزب الشيوعي تتمثل في تأييدها، وضرورة استخلاص دروسها لتطوير عمل الحزب الثوري في المستقبل، كما تحمل الحزب كل مسئولية التأييد من: استشهاد، وسجن، وتشريد من العمل وقمع..الخ.

كما أشارت الدورة الي نواحي الضعف والثغرات مثل: التعجل في العملية العسكرية، والتآمر الخارجي ( ميثاق طرابلس ، المخابرات البريطانية، والتساهل وعدم اليقظة، ودور الكلية الحربية في جبل اولياء، واختطاف طائرة بابكر النور في عملية قرصنة كانت بمثابة حرب علي الدولة. الخ).


كما ثمنت الدورة برنامج 19 يوليو الذي ركز علي الديمقراطية وسيادة حكم القانون وتصفية دولة الإرهاب والتجسس ورفض ديكتاتورية البورجوازية الصغيرة، كما طرحت بديلا أكثر تقدما من نظام الحزب الواحد ورفضت الاستسلام لمصادرة الحريات.

أما بخصوص مذبحة بيت الضيافة فأشارت الدورة إلي أن الحزب لاعلاقة له بها، وتتحمل مسئوليتها قوات انقلاب 22 يوليو المضاد، وأن قادة 19 يوليو لم يصدروا أمرا بقتل المعتقلين. وأن تلفيق تهمة مذبحة قصر الضيافة في الشيوعيين وقادة 19 يوليو كان الهدف منها تبرير المجازر ضد الشيوعيين، مثلما تم في تلفيق حادث معهد المعلمين العالي في 1965م لتبرير حل الحزب الشيوعي وطرد نوابه من البرلمان. و قد أكد أحد قادة الانقلاب المضاد في 22 يوليو 1971م ( الملازم أول عبد الرحمن شامبي)، في محاكمته ضمن قادة انقلاب 5 سبتمبر 1975م في (وادي الحمار) بالقرب من مدينة عطبرة في افادته للمحكمة أن قادة 19 يوليو لا علاقة لهم بأحداث قصر الضيافة، وكانت الأحداث نتيجة لقصف دباباتنا المهاجمة التي قدناها في انقلاب 22 يوليو المضاد.

أنجز المرحوم د. عبد الماجد بوب توثيقا جيدأ وصبورا حول أحداث قصر الضيافة خلص فيه إلي عدم صحة اتهام قادة 19 يوليو بتدبير أحداث قصر الضيافة ( راجع عبد الماجد بوب، قضايا سودانية العدد 26 ، يوليو 2001م). كما أنجزت قيادة الحزب تقييما سياسيا ل 19 يوليو ونشر عام 1996م.

خلص التقرير السياسي المجاز في المؤتمر الخامس للحزب الشيوعي(ص 58- 59)، إلي ضرورة: تشكيل لجنة لتوثيق وقائع الانقلاب بكل تفاصيلها، بما في ذلك ما حدث في بيت الضيافة، وتفاصيل الردة الدموية ضده وضد القوي الديمقراطية، وأن يشمل التوثيق مظاهر التضامن معه ومشاركة الدول الاستعمارية والرجعية مع السلطة المايوية في جرائمها، وأن يستكمل الحزب تقييم الانقلاب ويستخلص تجاربه ودروسه، إضافة الي تقدير دوافع وأهداف انقلاب 19 يوليو وبطولة وجسارة الذين قاموا به، من استشهد منهم ومن بقي منهم علي قيد الحياة، والاشادة كذلك بمآثر النساء والرجال الذين حموا الحزب وكادره ايام الردة الكالحة.

كما أكد برنامج الحزب الشيوعي المجاز في المؤتمر الخامس (ص 90 من كتاب وثائق المؤتمر يناير 2009م) أن انجاز مهام الثورة الوطنية الديمقراطية والانتقال إلي الاشتراكية لا يتم الا عبر الديمقراطية متمثلة في الحقوق السياسية للجماهير وديمقراطية النظام السياسي، كما أكد البرنامج رفض نظام الحزب الواحد والنهج الانقلابي للوصول الي السلطة، وتلك كانت من أهم دروس انقلاب 19 يوليو 1971م.

كذلك أكد دستور الحزب المجاز في المؤتمر السادس رفض التكتيك الانقلابي:

جاء في الدستور المادة (3) : "يرفض الإرهاب ويتصدى له كفكر وممارسة وكذلك الوسائل الإنقلابية المدنية والعسكرية ويعمل على ترسيخ مبدأ التداول الديمقراطي للسلطة والاحترام المتبادل بين الأحزاب والقوى السياسية المختلفة ويرفض التعاون مع القوي التي لا تقر الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان وحريته في اختيار الطريق الذي يرتضيه".

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.