معلوم أن المسألة القومية تنشأ نتيجة للشعور بالاضطهاد القومي سواء كان ذلك بالاحتلال المباشر وقهر شعب لشعب آخر أو اضطهاد قومي أو اثني داخل الدولة الواحدة، بمعاملة شريحة من المواطنين باعتبارهم مواطنين من الدرجة الثانية. كما أن المسألة القومية اتخذت في كل بلد طابعا يميزها عن البلدان الأخرى.

كما أن المسألة القومية تنشأ نتيجة للتطور المتفاوت بين الشعوب ، واتخذت طابعها الحديث مع تفكك النظم الاقطاعية في أوربا، وبروز نمط الإنتاج الرأسمالي ، وبعد تحول الرأسمالية إلي احتكار واتجاهها للتوسع في بقية بلدان العالم الثالث بهدف تصدير نمط الإنتاج الرأسمالي واستعمار شعوب أخرى بحيث تظل بلدان المستعمرات منتجة للمواد الخام ومستهلكة للسلع الرأسمالية من البلدان الرأسمالية المتطورة ، وبالتالي وقع علي شعوب المستعمرات التحرر من الاضطهاد القومي بالنضال من أجل الاستقلال السياسي ، والمضي إلي ابعد من ذلك باستكمال الاستقلال السياسي بالاستقلال الاقتصادي.

ما هي سمات وخصائص تطور المسألة القومية في السودان؟.

مهم أن نتابع خصائص وسمات المسألة القومية في السودان بذهن مفتوح ومن خلال تحليل ملموس للحقائق والأوضاع التاريخية التي تجلت فيها، لأن ذلك يساعد في الاقتراب من حلها لمصلحة وحدة السودان من خلال تنوعه.

معلوم أن السودان شأنه كبقية الأمم شهد تكوينات ما قبل الرأسمالية في السودان، والتي تدرجت من التكوينات العشائرية التي تربطها صلة القرابة والدم إلي القبيلة التي توحد مجموعة من العشائر المعينة في رقعة معينة من الأرض، حيث عرفت في البداية الملكية الجماعية للأرض والتقسيم البدائي للعمل بين الرجال والنساء، ونظام الأمومة، كما أوضحت حضارات المجموعة(أ)، (ج) التي اكتشفها علماء الآثار، والتي شهدت بدايات الزراعة وتربية الحيوان.

مع اكتشاف الزراعة وتربية الحيوانات بدأت تعرف تلك القبائل الفائض الاقتصادي، والذي أدى إلي نشوء أقدم مملكة سودانية: مملكة كرمة والتي شهدت التفاوت الطبقي والدولة والجيش وتطور الزراعة والصناعات الحرفية، والتبادل التجاري مع البلدان المجاورة مثل: مصر، كما أوضحت آثار تلك الفترة، وهذا يعكس أن الدولة تنشأ نتيجة لوحدة قبائل معينة في رقعة معينة من الأرض مما مهد الطريق لنشؤ المسألة القومية، ثم بعد ذلك تم التوسع في تطور الدولة السودانية في السودان القديم: كما هو الحال في ممالك نبتة ومروى، وفي السودان الوسيط الذي شهد قيام ممالك النوبة المسيحية (نوباتيا، المقرة، علوة)، الممالك الاسلامية (الفونج، الفور ، تقلي، المسبعات).

شهدت تكوينات ما قبل الرأسمالية في السودان نشأة الدولة التي وحدت مجموعة من القبائل، وبالتالي ظهرت المسألة القومية، اذ أن القومية تضم مجموعة من القبائل، كما عرفت هذه الدول أو الحضارات المدن، اقتصاد السلعة – النقد ، التجارة الداخلية والخارجية، وشهدت تطور حرفة الزراعة والرعي، وتطور اللغة المكتوبة: حيث حدث تطور لغوي من اللغة المصرية القديمة (الهيرولوغلوفية) إلي استنباط أبجدية محلية بدأت باللغة المروية ، ثم اللغة النوبية في الممالك المسيحية، ثم اللغة العربية، كما تفاعلت الثقافات التي شكلت حضارات السودان المختلفة ، ونتج من هذا التفاعل الثقافة أو الهوّية السودانية والتي تتميز بالوحدة والتنوع، كما نتج من هذا التفاعل تاريخ مشترك أو تنوع تاريخي وثقافي.

كما عرفت تكوينات ما قبل الرأسمالية في السودان نظم الرق والإقطاع بخصوصيات وسمات معينة، تمت معالجتها بتفصيل في مؤلفات لكاتب هذه السطور( انظر: تاج السر عثمان: تاريخ النوبة الاقتصادي الاجتماعي، دار عزة 2003، لمحات من تاريخ سلطنة الفونج الاجتماعي، مركز محمد عمر بشير 2004، تاريخ سلطنة دارفور الاجتماعي، مكتبة الشريف الاكاديمية 2005م).

كانت حضارات أو تكوينات ما قبل الرأسمالية في السودان، تنفي بعضها ديالكتيكيا، بمعني أن كل حضارة كانت تستند علي منجزات الحضارة السابقة وتضيف لها الجديد الذي يكسبها قوة ومنعة واتساعا، وهذا ما نلمسه في الأمثلة التالية:

1- في ممالك النوبة المسيحية بدأ الشعور القومي بالوحدة يتنامى، كما يتجلى ذلك في اتحاد مملكتي نوباطيا والمقرة في مملكة دنقلا(المقرة)، والتي وصفها المؤرخون، بأنها كانت عظيمة.

2- نلاحظ في ممالك النوبة المسيحية ، وان لم تنتشر المسيحية بشكل أوسع وشعبي في السودان، الا ان الديانة المسيحية الجديدة وحدت قبائل مختلفة علي أساس الدين الجديد ، وبالتالي خلقت بذور الشعور القومي المشترك ، فضلا عن الدفاع عن الوطن والذي عبر عن نفسه في الدفاع عن العقيدة، كما تجلي ذلك في مقاومة حملة عبد الله بن ابي السرح، والتي نتجت عنها اتفاقية البقط بين الدولة المسيحية في المقرة، ودولة الخلافة الإسلامية.

3- اما السلطنة الزرقاء أو سلطنة الفونج فقد كانت ميلا أوسع نحو الوحدة، اذ نلاحظ انها ضمت الرقعة التي كانت تضم ممالك النوبة المسيحية (المقرة وعلوة)، كما بدأ الشعور القومي يتسع، حيث نجد الطريقة الصوفية توحد أفراد من قبائل مختلفة علي أساس الانتماء للطريقة بدلا من القبيلة.

كما شهدت السلطنة الزرقاء تطورا غير متوازن بين شعوبها وقبائلها، إضافة لنظام الرق الذي كان سائدا وكتشكيلة اقتصادية- اجتماعية استغلالية عرفتها كل شعوب العالم، مما شكل الخلفية التاريخية لبروز المشكلة القومية في السودان.

4- علي أن التطور الكبير الذي شهده السودان في تطوره نحو أمة ، باعتبار أن الأمة تضم مجموعة من القوميات في مساحة أو رقعة جغرافية أوسع، كان في فترة الحكم التركي- المصري (1821- 1885م)، والذي شهد تكوين السودان الذي ضم دارفور ، المديريات الجنوبية، إقليم التاكا(كسلا)، وظهر السودان بحدوده قبل انفصال الجنوب.

كما بدأ الشعور القومي يزداد وتنداح دائرته، كما نلمس ذلك في ظهور طرق صوفية أوسع مثل الختمية التي وحدت قبائل من شرق وشمال ووسط السودان.

علي أن اللافت للنظر في تلك الفترة ظهور بذور نمط الإنتاج الرأسمالي الذي تجلي في ارتباط السودان بالتجارة الخارجية عن طريق سلعتي ( العاج والصمغ)، واتساع التعامل بالنقد نتيجة لظهور المحاصيل النقدية مثل: القطن، النيلة، الخ، إضافة لظهور العمل المأجور، نتيجة لاقتلاع الآلاف المزارعين من أراضيهم وسواقيهم بسبب الضرائب والجبايات الباهظة، ليجدوا أنفسهم عمالا ماجورين في مصانع ومؤسسات الحكم التركي. وبالتالي بدأت تظهر بذور نمط الإنتاج الرأسمالي الذي يضم كادحين من قبائل وأصول مختلفة يعملون في المشاريع الزراعية والصناعية للحكومة أو الأفراد بأجر، ويجمعهم الشعور المشترك بالظلم والقهر والنضال من أجل تحسين مستوى المعيشة ، وهذا ما كان يظهر في انتفاضات العاملين في عمل السخرة والمؤسسات التي كان يديرها الاحتلال التركي. كما تزايد الشعور القومي والاحساس المشترك لشعوب وقبائل السودان بالاضطهاد والقهر الذي كان يمارسه الاحتلال وخاصة في جباية الضرائب والنهب المنظم لقدرات البلاد الاقتصادية والبشرية لمصلحة دولة محمد علي باشا في مصر. إضافة لمقاومة القبائل في الجنوب وجبال النوبا وجبال الأنقسنا لحملات جلب الرقيق الجائرة.

كما تم التوغل في جنوب السودان بهدف تجارة الرقيق التي شهدت توسعا كبيرا في تلك الفترة ، إضافة لتجارة العاج ، حيث تم اقتلاع قبائل بكاملها من مواقعها. كما قاومت قبائل وشعوب الجنوب الاحتلال التركي وحملات صيادي الرقيق ، ومن هنا جاءت جذور المسألة القومية في الجنوب والتطور غير المتوازن بين الشمال والجنوب وجذور التخلف في الجنوب وجبال النوبا، وجبال الانقسنا، وجنوب دارفور. الخ.

لقد أدى التطور غير المتوازن إلي مركزية الثقافة العربية الإسلامية و تهميش القوميات التي شكلت حزاما حول الوسط مثل: النوبا في الشمال، البجا في الشرق، والانقسنا في جنوب النيل الازرق ، الجنوب، جبال النوبا،..الخ، إضافة للتهميش علي المستوى الاقتصادي والاجتماعي والثقافي (راجع:تاج السر عثمان: الجذور التاريخية للتهميش في السودان، مكتبة الشريف الاكاديمية 2005م).

كان الشعور القومي طاغيا في بداية الثورة المهدية، التي وحدت القبائل في الشمال والجنوب والشرق والغرب ضد المستعمر (شاركت حتي قبائل الدينكا والشلك في الثورة).

علي أن سياسة الخليفة عبد الله التي عملت علي تهجير قبائل بأكملها من الغرب إلي الشمال ، والسياسة الحربية التي أدت إلي قيام معسكرات في أطراف ووسط البلاد، أدت الي المزيد من دمج وصهر القبائل، وبالتالي، عمقت التصاهر والتمازج القومي وخاصة في المدن السودانية مثل ام درمان، القضارف وغيرهما.

ولكن سياسة الخليفة عبد الله التعايشي في أيامه الأخيرة التي كرّست الهيمنة وحكم الفرد وضرب القبائل التي قاومت القهر والتعسف في الشمال والجنوب والغرب والشرق ، أضعفت الشعور القومي وفتت من عضد السودانيين كأمة، وبالتالي، كان السودان لقمة سائغة للاحتلال الإنجليزي – المصري عام 1898م.

5- شهدت فترة الاحتلال البريطاني للسودان توسعا في الشعور القومي المشترك والذي اهمه الشعور بالاحتلال الأجنبي للسودان، والذي بدأت المقاومة له: بالمقاومة القبلية في الشمال والجنوب والغرب والشرق، والمقاومة من منطلقات دينية، حتي قيام التنظيمات الحديثة التي وحدت أفراد من قبائل مختلفة علي أساس سياسي واجتماعي وثقافي ورياضي وفني، مثل: قيام جمعية الاتحاد السوداني وجمعية اللواء الأبيض، ومؤتمر الخريجين والأحزاب السياسية بعد الحرب العالمية الثانية، إضافة إلي أندية الخريجين وأندية العمال والأندية الرياضية والثقافية والنقابات والاتحادات.

كما وحدت المشاريع الزراعية والصناعية والخدمية التي انشأها المستعمر بعد سياسة تحرير الرقيق ، والتي كان هدفها تحويل البلاد الي مزرعة قطن كبيرة ، وحدت العاملين في تلك المؤسسات والمشاريع والورش ، والتي ضمت أبناء قبائل من مناطق مختلفة ، كما تطورت وتوسعت المدن والحركة التجارية واقتصاد السلعة- النقد ، إضافة للتعليم المدني الحديث الذي ضم طلابا من قبائل وشعوب مختلفة مما عمق الشعور القومي ، إضافة للمدن التي انصهرت واندمجت فيها القبائل المختلفة.

علي أن سياسة المستعمر وخاصة بعد ثورة 1924م، عرقلت ذلك التطور الموضوعي، عندما أدخلت الإدارة الأهلية، وسنت قانون المناطق المقفولة، والسياسة اللغوية في الجنوب (مؤتمر الرجاف)، وتقليص التعليم في الجنوب ، وتعميق الصراع بين الشمال والجنوب بتصوير العرب فقط هم تجار الرقيق ، علما بأن تجارة الرقيق كانت تجارة كونية، قام بها شماليون وجنوبيون ومصريون وأوربيون..الخ.

كما عمق الاستعمار سياسة التنمية غير المتوازنة، علي سبيل المثال في الجنوب: لم يتم أي مشروع غير مشروع الزاندي والذي توقف بعد أحداث 1955م، هذا إضافة لضريبة الدقنية والأجر غير المتساوي للعمل المتساوي بين العمال الشماليين والجنوبيين، وغير ذلك من القنابل الموقوتة التي خلفها الاستعمار والتي عمقت الصراع القومي بين الشمال والجنوب والتطور غير المتوازن في البلاد.

علي أن عمق وتطور الحركة الوطنية كان ترياقا ضد السياسة الاستعمارية ، وكان الشعور القومي طاغيا في معركة الاستقلال، حتي جلاء القوات الأجنبية عام 1956م.

وبعد الاستقلال لم يتم تعزيز الاستقلال السياسي باستقلال اقتصادي وتنمية متوازنة بين أقاليم السودان المختلفة، وسارت الحكومات المدنية والعسكرية علي خطى التنمية الرأسمالية الاستعمارية التي عمقت الفوارق الطبقية والتفريط في السيادة الوطنية، وتكريس الفقر وتعميق التخلف الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، والاستعلاء الديني والعنصري والقهر والتسلط باسم الدين، وعدم الوفاء بالعهود والمواثيق.

كل ذلك أدى الي تعميق مشكلة الجنوب التي انفجرت عام 1955م، وانفجرت مرة أخرى بشكل أوسع بعد فشل اتفاقية اديس ابابا عام 1983م. كما انفجرت الحركات الإقليمية في دارفور وجبال النوبا، واتحادات شمال وجنوب الفونج، بعد ثورة أكتوبر 1964م، وقبل ذلك كان مؤتمر البجا الذي تأسس عام 1958م. طالبت تلك الحركات بمطالب مشروعة تتلخص في : تطوير وتنمية مناطقها وتوفير الخدمات الأساسية لمواطنيها (التعليم، الصحة، الخدمات-كهرباء، مياه - ، العناية البيطرية...الخ). وكانت تلك الحركات ظاهرة صحية حركت سكون وركود تلك المناطق وجذبتها الي حلبة الصراع السياسي والقومي والاثني، وطالبت بالاعتراف بهويتها الثقافية.

علي أن المسألة القومية انفجرت بشكل أعمق وأوسع في فترة الإنقاذ التي عمقت الفوارق الطبقية والتنمية غير المتوازنة والاستعلاء الثقافي واللغوي والديني، حتي اتسع نطاق الحرب الذي شمل الغرب والشرق وجبال النوبا وجنوب النيل الأزرق..الخ. حتي تم توقيع اتفاقية نيفاشا التي أكدت علي الاعتراف بالفوارق الثقافية والتحول الديمقراطي والتنمية وتحسين أحوال الناس المعيشية ، ولكن لم يتم تنفيذ الاتفاقية وكانت النتيجة انفصال الجنوب.

وخلاصة ما نود أن نقوله في هذا المقال:

• الوحدة والتنوع والاندماج والانصهار القومي والثقافي والاثني في السودان، هي نتاج تطور تاريخي.
• الحل لا يكمن في الانفصال وتمزيق أوصال البلاد، كما يبشرنا بذلك غلاة الانفصاليين في الشمال وفي حركات الأقليات القومية في المناطق المهمشة، هذا فضلا عن أن ذلك ضد التطور التاريخي للمسألة القومية في السودان، والذي عبرت عنه حضارات وثقافات السودان المتنوعة، ولكن الحل يكمن في التكامل والتطور المتوازن والحكم الذاتي والعدالة في توزيع الثروة والسلطة، والوحدة من خلال التنوع وعلي أسس المساواة الحقيقية بين كل الأعراق والاثنيات ونبذ فكرة المواطن من الدرجة الثانية.
• اسقاط النظام الفاشي العنصري الراهن وقيام الدولة المدنية الديمقراطية التي تسع الجميع هي الضمان ضد التشرذم والتفتت والانفصال والذي تكرّسه الدولة الدينية.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.