معلوم أن سلطنة دارفور قامت علي الأطراف الغربية من سودان وادي النيل في أواسط القرن السابع عشر، وتزعم الروايات المحلية أن تأسيس أول دولة في بعض جهات دارفور ترجع إلى الداجو خلال القرنين الثالث عشر والرابع عشر ، بالإضافة للداجو تشير أيضاً للتنجر الذين بسطوا نفوذهم علي المنطقة الوسطي في نحو أول القرن الخامس .ولا تفيدنا المصادر والروايات بمعلومات مفصلة علي البنية الاقتصادية الاجتماعية لدولتي الداجو والتنجر والتي توضح بهذا القدر أو ذاك الخلفية لأعراف وعادات متوارثة لسلطنة دارفور من تلك الممالك القديمة . ويري أوفاهي أن تاريخ دارفور ضارب في القدم يعود إلى العهد النوبي بل والمروي ولكن الآثاريين وحدهم هم الذين يستطيعون أن يؤسسوا لذلك .

وكانت سلطنة دارفور تحد من الشرق بجبل الحلة أو حلة الشريف التابعة لام كدادة وتحد من الغرب بوادي يفصل بين الجنينة التابعة لدارفور وادري التابع للسودان الفرنسي ، وتحد من الشمال لوادي هور في الصحراء الواقفة شمال كتم وتحد من الجنوب بحر العرب بمديرية بحر الغزال وكانت عاصمتها جبل مرة فنقلها السلطان موسى إلى كبكابية ، تم نقل السلطان محمد تيراب إلى بلدة جنوب الفاشر وأخيرا نقلها السلطان عبد الرحمن الرشيد إلى الفاشر ولم تزل

بالفاشر إلى سقوطها عام 1874م عندما هزم الزبير باشا رحمه السلطان إبراهيم قرض في واقعة منوا شي الشهيرة واضحت دارفور تابعة للإدارة التركية المصرية .

أما سلطنة دارفور الثانية فقامت علي يد السلطان علي دينار واستمرت حتى مقتله في زالنجي عام 1916م.

وتتباين الآراء حول تاريخ سلطنة دارفور ، ولكن ما يهمنا هنا أن سلطنة دارفور كانت نتاج تطور تاريخي طويل مرت بمراحل تفكك المجتمعات البدائية وقيام المجتمع الزراعي الرعوي وظهور التفاوت الاجتماعي الذي أدى لنشؤ ممالك وسلطنات الداجو والتنجر ،إلى أن تطور هذا الشكل في سلطنة دارفور والتي كانت بمثابة تطور أوسع واشمل لقيام السلطات والسلالات الحاكمة في الأقاليم .

استندت الدولة في دارفور في تركيبها إلى تعاليم الإسلام والأعراف المحلية ، وهى امتداد وتطور للدويلات أو الممالك السابقة التي بدأت تظهر في المنطقة مثل: ممالك الداجو والتنجر .

ويرى د.سمير أمين(أن الدولة في غرب أفريقيا كانت قد ظهرت إلى الوجود في القرن العاشر والتاسع عشر ، غطت الدولة منطقة غرب أفريقيا ،مالى ، ممالك أو لوف ،سولنقاى ،بامبارا،بيل ، هوسا ، موسى

، ساراكوا ، انشانتى ، بوروبا،.....الخ).

ومعلوم أن الدولة تظهر كعملية طويلة ومعقدة مع تفكك المشاعة البدائية وظهور أول انقسام طبقي، أي مع ظهور الفوارق الطبقية، لأن الدولة ما هي الا الأداة التي تسيطر خلالها طبقة أو طبقات مع اخذ خصوصيات ونشؤ كل دولة في الاعتبار وتداخل وتفاعل العوامل الاقتصادية والطبقية والسياسة والدينية التي تؤدى إلي نشؤها .

ويمكن أن نجمل بعض الملاحظات على سمات وخصائص الدولة في دار فور في النقاط التالية:ـ

(1) القوة الرئيسية الحاسمة في تركيب دولة الفور كانت قوة السلطان الذي كان يتمتع بنفوذ مطلق . أما الجهاز الذي يليه رغم تضخمه ورغم كثرة الألقاب فلم يكن اكثر من معاون ومنفذ لمشيئة السلطان ودولة الفور كانت دولة ملكية استبدادية ، وحكم السلطان فيها كان نافذاً ومطلقاً ، وبالتالي فان تلك الدولة كانت طبقية وتعبر عن مصالح السلطان والشريحة الحاكمة وأصحاب الأراضي اوالحواكير.

وإذا قارنا دولة الفور بدولة الفونج نلاحظ أن دولة الفونج أخذت الشكل اللامركزي بينما دولة الفور أخذت الشكل المركزي ،

قام النشاط الاقتصادي في السلطنة على الزراعة والرعي إضافة للتجارة والصناعة الحرفية ، ونظم سلاطين الفور ملكية الأراضي ، فقد اعتبر السلطان كل أراضى السلطنة ملكاً خاصا له يقسمها السلطان في حواكير لاتباعه ويحدد الخراج أو الإعفاء منة لكل حالة علي حدة

استناداً لتعاليم الإسلام والعرف إضافة لذلك فقد كان سلاطين الفور يحكمون قبضتهم علي التجارة.

3/ عرفت سلطنة الفور التفاوت الطبقي أو الفوارق الاجتماعية والتي تتلخص في :- السلاطين والملوك ، وأصحاب الحواكير ، التجار ، الفقراء والعلماء ،أرباب الصنائع ، المزارعون ، الرقيق .

4/ كانت التشكيلة الاجتماعية تتكون من الأنماط الإنتاجية التالية :-

أ/ نمط الإنتاج البدائي للقبائل التي كانت تقطن جنوب السلطنة( دار فرتيت) والذي كان يقوم علي الصيد والتقاط الثمار وتربية الحيوانات هذا إضافة إلى أن تلك القبائل البدائية نفسها كانت عرضة لحملات صيادين وتجار الرقيق وقد كان اغلب الرقيق الذي كانت تصدره السلطنة للخارج يجلب من تلك المناطق .

ب / نمط الإنتاج العبودي : فقد كانت تجارة الرقيق أحد مصادر الأرباح للسلاطين وتجار الرقيق إضافة إلى انهم كانوا يعملون بالزراعة والرعي وفقاً لعلائق الإنتاج العبودية، هذا إضافة لدور الرقيق في جيش السلطنة فضلاً عن انه كان وسيلة تبادل أو دفع الجزية أو الخراج .


ج) نمط الإنتاج الإقطاعي السائد والذي يتميز بهيمنة السلطان المركزية أو في نظام حكم إقطاعي استبدادي مطلق ، يحتكر السلطان فيه الأراضي ويعطيها لمن يشاء وينزعها عن ممن يشاء هذا إضافة لاحتكار السلطان للتجارة ، هذا فضلا عن علائق السخرة فقد كان

المزارعون يجبرون على العمل في أراضي السلاطين وحكام الأقاليم بلا مقابل ، إضافة للاستحواذ على الجزء الأكبر من فوائض إنتاج المزارعين وتقسيمه بين أصحاب الحواكير وحكام الأقاليم والسلاطين.

د) نمط الإنتاج الصناعي الصغير : وما ينتج عنه من تقسيم عمل حيث ظهر أصحاب الحرف وأرباب الصنائع من حدادين ، نجارين والفخرانجية. الخ . كما ظهرت الأسواق ، وتطورت الحياة الاجتماعية وظهرت فئات اجتماعية جديدة : فقرا ، علما ، كتاب ، وإداريين وتجار.. الخ .


5/ حول البنية "الإنتاجية - الطبقية "أو القاعدة الاقتصادية نشأت بنية ثقافية - فكرية كانت في تفاعل مع القاعدة الاقتصادية وتسهم بهذا القدر أو ذاك في إعادة إنتاج النظام الإقطاعي السائد ، فقد استنبط سلاطين الفور نظاماً سياسياً وادارياً استند إلى الإسلام والأعراف المحلية.

وبعد انتشار الثقافة الإسلامية تفاعل الإسلام مع الموروثات المحلية في المنطقة مما أدى إلى بروز الإسلام في دارفور بشكله المميز ، كما أصبحت اللغة العربية أداة التدوين بجانب لغة الفور التي ظلت لغة الحديث ولغة الحياة العامة ، وانتشرت المساجد والخلاوي بالإضافة لسفر أبناء دارفور إلى مراكز العلم كالدامر والغبش وكترانج والأزهر طلباً للعلم وكان الفقرا والعلما يلعبون دوراً كبيراً في حياة الناس الاجتماعية والروحية ، وكانت لهم أراضيهم المعفية من الضرائب التي يعمل فيها المزارعون بدون مقابل غير البركات ، وكان السلاطين يرتبطون بوشائج قويه مع بعض أفراد هذه الفئة وبعبارات أخري يمكن القول أن النظام الإقطاعي في السلطنة كان يعيد إنتاج نفسه بوسائل سياسية وقمعيه واقتصادية ووسائل روحية يلعب فيها العلما والفقرا دوراً أساسياً .

كما استنبط الفور نظاما للقضاء استند الي تعاليم الإسلام والأعراف المحلية. وكان الجيش في السلطنة أداة للتوسع الخارجي وحماية السلطنة من الغزو الخارجي وقمع المعارضة الداخلية، وكان جيشا متطورا من الناحية التقنية حيث كان يستخدم الأسلحة النارية.

الهوامش: -

1. تاج السر عثمان الحاج : تاريخ سلطنة دارفور الاجتماعي، طبعة ثانية، مكتبة الشريف الأكاديمية 2005.
2. ر.س. إوفاهي : الدولة والمجتمع في دارفور، مركز الدراسات السودانية القاهرة 2000 ) ، ترجمة عبد الحفيظ عمر سليمان.

3- محمد إبراهيم أبو سليم، الفور والأرض ، وثائق تمليك الخرطوم معهد الدراسات الآفروآسيوية، جامعة الخرطوم 1975م.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
///////////////