1/ مع أفول القرن التاسع عشر ، وبعد سقوط دولة المهدية ، أضحى السودان يحكم بواسطة البريطانيين و المصريين وفقا لاتفاقية الحكم الثنائي المبرمة في 19 / يناير / 1899 ، وبموجب هذه الاتفاقية أصبحت بريطانيا الطرف المهيمن والمسيطر في الحكم الثنائي ، بل في جميع الأحوال السيد الوحيد المسيطر على البلاد ، وكان البريطانيون يستغلون مصالح مصر الحيوية في مياه النيل للضغط على المصريين وتحميلهم تمويل المشاريع التي اقترحوها لإرساء دعائم الدولة ، وبناء منشآتها الأساسية في السنوات الأولى للحكم الثنائي ، كما كانت مصر تغطى العجز فى الميزانية حتى نهاية الحرب العالمية الأولى ، هذا إضافة إلى أن مصر نفسها كانت بشكل من الأشكال تابعة لبريطانيا . 

هذا من ناحية طبيعة دولة الحكم الثنائي ، أما من ناحية وظيفة هذه الدولة ، فقد أشرفت على مصالح الشركات والبنوك البريطانية في السودان ، وتنظيم عمليات تصدير الفائض الاقتصادي للخارج واستنزاف موارد السودان الاقتصادية وسد حاجات بريطانيا من القطن.

2/ من خصائص وسمات دولة الحكم الثنائي إنها تصدت للتنمية الاقتصادية والاجتماعية حيث قامت السكك الحديدية ،النقل النهري ، والميناء ومؤسسات العلاج ، وأصبحت هذه المشاريع تابعة لقطاع الدولة ، ولم يلعب القطاع الخاص ( محلى وأجنبي ) دورا حاسما أو قياديا في قيام المنشات الهامة ، على أن التنمية التي تمت كانت مقتصرة على شمال السودان ، ولم يكن هناك تطور موازى لها في جنوب السودان ، حيث كانت الإدارة هناك تركز على الأمن والنظام ، إضافة لتجاهلها مسالة تسريع وثائر التطور فيه ، وهذا أدي ألي التطور غير المتوازن الذي نشاء فى البلاد فيما بعد

3/ لاجدال ، أن دولة الحكم الثنائي خلقت نهضة اقتصادية واجتماعية وعمرانية ، رغم أن أهداف المستعمر من ذلك كانت محدودة ، أي كانت في حدود استقرار النظام والحكم وتمهيد الطريق لاستنزاف خيرات البلاد وفقا لعلائق التبادل غير المتكافئ مع البلدان الرأسمالية ، الا أن لكل نهضة نتائجها الإيجابية على التطور العام في المجتمع ولها وجهة تقدمية تنبع من طبيعة النهضة نفسها ، ورغم أن النهضة جرت بدفع من الحكم الثنائي ، وما كانت نتاج لتطور طبيعي باطني في المجتمع السوداني أو قادتها طبقة رأسمالية أو إقطاعية مستنيرة ، رغم كل ذلك أدى إنشاء السكك الحديدية والميناء ومشروع الجزيرة ومشاريع القطن الأخرى ، وكلية غردون و التعليم المدني الحديث ، وقيام الصحافة السودانية .. الخ .
كل ذلك أدي إلى تحولات اجتماعية واقتصادية ، وكان لها الأثر الواضح في تطور الحركة الوطنية (أحزاب ، نقابات ، مؤتمر الخريجين ، الصحافة ...الخ ) حيث ظهرت قوة اجتماعية مثل : - العمال ، التجار ، المتعلمين ،الافندية ،الضباط ، المزارعون في المشاريع الحديثة وهذه القوى هي التي قادت النظام ضد المستعمر فيما بعد .

4/ ظل بنيان دولة الحكم الثنائي هشاً رغم ماجري من نهضة اقتصادية وعمرانية ، ولم تفرض الدولة سيطرتها الكاملة علي كل البلاد الا بعد 19 عاماً تقريباً من بداية الحكم الثنائي ، ظلت الدولة تواجه فيها تمردات القبائل في الجنوب ، وجنوب كردفان وتمردات في أواسط السودان رغم أن الدور الحاسم في سلطة الحكم الثنائي كان للبريطانيين ، الا أن الازدواجية في الحكم والتناقضات داخل السلطة البريطانية - المصرية ، كان لها أثرها في سير الحكم وانعكس ذلك علي الأداء : سواء كان ذلك علي جهاز الدولة أو علي أجهزة القمع نفسها: تمرد القوات السودانية 1900م كان من أسبابه التناقضات بين الضباط المصرين والبريطانين، وشعور الضباط والجنود السودانيين بالغبن والظلم وبالتالي انعكس على بنية وجهاز قمع الدولة ، ومثال أخر. لم تتم السيطرة على دار فور الا في عام 1916 ، بعد هزيمة السلطان على دينار حيث أخذت الدولة السودانية شكلها وحدودها الحالية ، هذا الوضع انعكس على الحكم الثنائي في المستقبل بعد ظهور الحركة الوطنية الحديثة وظهور قوى اجتماعية جديدة أسهمت في تشكيل مستقبل البلاد فيما بعد .

5/ وعن حصاد التنمية الاستعمارية التي باشرتها دولة الحكم الثنائي نشير إلى الاتي :-
أ/ بعد إلغاء نظام الرق وإدخال العمل المأجور وصدور قوانين ملكية الأرض , تم تمهيد الطريق لقيام تشكيلة اقتصادية اجتماعية تابعة أي خاضعة لاحتياجات بريطانيا ومد مصانعها بالقطن الذي كان المحصول النقدي الرئيسي في تلك الفترة ، وقامت مشاريع زراعة القطن في السودان لتلبية ذلك الاحتياج الخارجي .
ب/ أحكمت بريطانيا سيطرتها علي تجارة السودان الخارجية من خلال سيطرة البنوك الأجنبية التي كانت تتحكم في حركة راس المال في اتساعها وانكماشها ، كما كانت الشركات البريطانية تسيطر علي معظم تجارة الصادر والوارد ، أما ما تبقي فقد سيطرت علية الشركات الأجنبية الأخرى "الأجانب المتسودنين" من يونانيين وشوام ، والجزء الضئيل المتبقي للنشاط التجاري فقد عملت فيه الرأسمالية السودانية المحلية .
ج) ترتب علي نمط التنمية التي فرضها المستعمر علي السودان وهو التخصص في زراعة محصول نقدي واحد (القطن ) أن تخلفت الصناعة وتم إجهاض أي محاولة من جانب الرأسمالية السودانية الناشئة لإقامة صناعة وطنية .
(د) في دولة الحكم الثنائي ، جري التوسع في إدخال نمط الإنتاج الرأسمالي ، وقام قطاع حديث وسط محيط متلاطم من القطاع التقليدي ، كما قامت المدن التجارية والصناعية ، وشهدت البلاد توسعاً في الزراعة المروية والآلية والمواصلات والتعليم والخدمات الصحية ولكن رغم ذلك ظل حوالي 90% من السكان مسجوناً في القطاع التقليدي الذي يعتمد علي أساليب الزراعة التقليدية وتربية الماشية ، ورغم تدفق دخول كبيرة للحكومة من مؤسسات القطاع العام من مشروع الجزيرة ومشاريع القطن الأخرى والمحالج والسكك الحديدية والخطوط الجوية ....الخ من الدخول ألا أن الضرائب كانت تمثل 64% من الإيرادات الحكومية عام 1955 –1956م ، ورغم ذلك كان
يذهب منه 40% في شكل أجور للموظفين ( يستحوذ 61% منها الموظفون البريطانيون) كما كان يذهب أكثر من 20% من الإيرادات في سداد الديون مع فوائدها ، أما ميزانية التعليم مثلاً فقد كانت متواضعة لا تتعدى 2% من الميزانية عام 1938م وميزانية الصحة بلغت 4% أما نفقات قوة دفاع السودان فقد كانت 8.9% من أجمالي ميزانية الحكومة. ورغم وجود فوائض والاحتياطات العامة التي بلغت حوالي 7 ملايين جنيه عام 1947م ،ألا أن الحكومة لم تعد استثمارها في مشاريع اقتصادية واجتماعية ولم يعرف السودان برامج التنمية ألا في الأعوام 1946م -1951م،1953م -1956م بعد ضغط الحركة الجماهيرية وازدياد نمو الوعي الوطني الذي كان يطالب بزيادة ميزانية التعليم والخدمات الصحية وغير ذلك.

6/ من حيث البنية الفوقية لدولة الحكم الثنائي :ـ
أ / منذ بداية الحكم، أضحت السلطة التشريعية في يد حاكم مطلق هو الحاكم العام الإنجليزي وكان من أهم القوانين التي أصدرها الحاكم العام في بداية العهد بالتشريع مايلي : قانون حجج الأراضي، قانون العقوبات (1899م –1901م) قانون القضاء المدني (1900م-1901م)، قانون المجالس البلدية 1901م،قانون المحاكم الشرعية 1902م. وظلت سلطة الحاكم العام المطلقة نافذة رغم تكوين مجلس الحاكم العام 1910م، وقيام المجلس الاستشاري لشمال السودان (1943-1947م) وقيام الجمعية التشريعية (1948م- 1952م).
وفي الفترة (1953م-1955م) وبعد اتفاقية 1953م التي كانت تتويجاً لنضال الشعب السوداني ضد الاستعمار البريطاني ورغم أن الاتفاقية أعطت الحاكم العام التفويض في إصدار الأوامر التي يراها ضرورية إلا أن من نتائج تلك الاتفاقية تكوين أول برلمان سوداني والذي تم من داخله إعلان استقلال السودان في عام 1956م.
(ب) كان من ابرز التطورات في تنظيم الجيش تأسيس المدرسة الحربية بالخرطوم عام1905م وفي عام 1925م تم إعلان تكوين قوة دفاع السودان، وكانت وظيفة الجيش أو قوة دفاع السودان فيما بعد هي حفظ الأمن وقمع الانتفاضات القبلية والدينية ومقاومة السلطان على دينار في دارفور حتى تم إخضاعه عام 1916م وقمع المظاهرات التي نشبت بعد ثورة 1924م ومقاومة تمرد القوات السودانية نفسها الاحتلال هذا إضافة لاشتراكها في الحربين العالمية الأولى والثانية ضمن جيوش الحلفاء .
(ج) من حيث التنظيم الإداري والحكم المحلي حدثت التطورات الآتية:-
عند بداية الحكم الثنائي عام 1898م تم تقسيم السودان إلى أربعة عشر مديرية أصبحت خمسة عشر بعد ضم دارفور عام 1916م وعند وقوع الأزمة الاقتصادية العالمية في عام 1930م والتي عمت معظم أنحاء العالم وشملت السودان، تم تقليص عدد المديريات إلى تسعة هي:- المديرية الشمالية ، كسلا ، النيل الأزرق، الخرطوم، كردفان ،دار فور، أعالي النيل ، الاستوائية ، بحر الغزال.
بعد هزيمة ثورة 1924م اصدر السر جون مفي عام 1927م قانون الإدارة الأهلية ويشمل قانون سلطات المشائخ لسنة 1925-1928م (رؤساء المحاكم) قانون المحاكم الأهلية لسنة 1932م. كما صدرت قوانين مماثلة للمديريات الجنوبية، وتطور الحكم المحلي حتى تم إجازة قانون الحكومة المحلية لسنة 1951م الذي نص على تنظيم مجالس الحكومة المحلية على أسس عامة في جميع أنحاء السودان حتى بعد الاستقلال وفي عام 1954م أنشئت وزارة مكتملة الشروط للحكم المحلي.

7/ شهد السودان في تلك الفترة التوسع في الدولة المدنية نتيجة للارتباط بالعالم الخارجي وتطور القضاء المدني والتعليم المدني كما شهد السودان في تلك الفترة تطوراً في التنظيم السياسي والنقابي وشهد النهضة الأدبية والفنية (شعر ، قصة ، مسرح...الخ) كما تطورت الحركة الرياضية، وحركة تعليم وعمل ونهضة المرأة السودانية وتفاعل السودانيون بأشكال متفاوتة مع منجزات العلم والتكنولوجيا والفكر الإنساني.

8/ تحت ظل دولة الحكم الثنائي ، بدأ السودان يجني ثمرات الحضارة والتمدن وبدأ يتبلور كآمة واحدة ( رغم التفاوت بين الجنوب والشمال ) وشهد السودان التوسع في انصهار القبيلة ، وظهور المدن والأسواق والخروج إلى العالم المعاصر . وبدأت تتكون وتظهر ملامح مجتمع جديد ، وتفكك النظام القبلي القديم ، وبدا يشهد الانهيار والزوال مع النزوح للمدن ، وبدأت تظهر حركة وطنية (اللواء الأبيض ، مؤتمر الخريجين ، الأحزاب ...الخ) علي أساس وطابع جديد .
ورغم دور المستعمر ، الا أن الطبقات والفئات الرأسمالية والإقطاعية لم تنهض كقوة مستقلة بمنجزاتها الاقتصادية والفكرية ، ولم يكن لها دور حاسم في النهضة والقيادة بعد الاستقلال من حيث العمق والشمول، رغم تسلمها زمام القيادة بعد الاستقلال ، مما أدي للفشل الذريع للدولة السودانية ، ولاسيما تحت طل نظام الإنقاذ الحالي الذي وصل لقمته وعجزت الدولة عن توفير أبسط احتياجات المواطنين الأساسية في التعليم والصحة والأمن والمعيشة والحريات الأساسية، وتم فصل جنوب السودان، مما يتطلب تغييرا جذريا يبدأ بإسقاط النظام الحالي وقيام البديل الديمقراطي الذي يوقف الحرب ويوفر احتياجات المواطنين الأساسية والحريات الديمقراطية والحقوق الأساسية التي انتزعها شعب السودان في دستور السودان المؤقت عام 1956 ، وقيام الدولة المدنية الديمقراطية التي تسع الجميع غض النظر عن الدين أو الثقافة أو اللغة أو الأثنية. الخ ، والحل العادل والشامل لقضايا المناطق الثلاث وعقد المؤتمر الدستوري الذي يقرر شكل الحكم في السودان ، من خلال فترة انتقالية تتم بعدها انتخابات حرة نزيهة ، مما يفتح الطريق للنظام الوطني الديمقراطي وقيام المجتمع الصناعي الزراعي المتطور اجتماعيا وثقافيا.

أهم المراجع:
1- بروفسير: محمد عمر بشير : تاريخ الحركة الوطنية في السودان ترجمة هنري رياض وآخرون(الخرطوم1987م).
2-هنري رياض: موجز تاريخ السلطة التشريعية في السودان (دار الثقافة بيروت مكتبة النهضة 1967م).
3-حسين محمد أحمد شرفي: صور من ا
لأاداء الإداري في السودان (دار جامعة الخرطوم 1991م).
4-تيم نبلوك : صراع السلطة والثروة في السودان ، ترجمة الفاتح التجاني ومحمد علي جادين ( دار جامعة الخرطوم للنشر 1990م).
5-د.سعيد محمد أحمد المهدي: قوانين السودان . المجلد الأول 1901م .
6-د. زكي البحيري: التطور الاقتصادي والاجتماعي في السودان (دار النهضة المصرية 1988م).

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.