*يصادف هذا العام الذكري ال 53 للثورة السودانية التي اندلعت في 21 أكتوبر 1964م، نعيش هذه الذكري والبلاد تشهد: أزمة اقتصادية وتدهور مريع في الأوضاع المعيشية وارتفاع جنوني في الأسعار مازال متصاعدا بعد رفع العقوبات الأمريكية، ومصادرة الحريات ( حرية الصحافة والتعبير وتسيير المواكب السلمية، والاعتقال والتعذيب الوحشي للمعتقلين السياسيين، والقمع المفرط للاحتجاجات الجماهيرية مثل: الذي حدث في هبة سبتمبر 2013 م والتي استشهد فيها عدد كبير من المواطنين بسبب الزيادات في الأسعار والتي تنوي الحكومة المزيد من زيادتها حسب تصريح وزير المالية الأخير وما دار في البرلمان عن تخصيص 75 % من الميزانية للأمن والدفاع مما يعني المزيد من الأعباء علي الجماهير.
تتصاعد نيران الحرب في دارفور وجنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق، وخطورة اندلاعها بشكل أوسع بعد حملة جمع السلاح القسرية دون الحل الشامل ومعالجة الأسباب التي أدت لحمل السلاح من جذورها، مما يهدد بالمزيد من تمزيق البلاد ، كما ظهر من دعاوى تقرير المصير في ظل النظام الشمولي وغياب الديمقراطية وحرية الإرادة مما يعني تكرار تجربة انفصال الجنوب .
إضافة للتفريط في السيادة الوطنية ونهب ثروات البلاد، وبيع أراضي السودان بأثمان بخسة لمؤسسات الرأسمالية العالمية والإقليمية وتحويل السودان إلي قاعدة للاستخبارات الأمريكية في المنطقة.
أصبحت الحياة لا تطاق تحت ظل هذا النظام ،ويعاني النظام من العزلة بعد فشل حوار "الوثبة" الذي تحول لمناصب ومحاصصة في الحكم مع استمرار هيمنة المؤتمر الوطني والدعوة للمشاركة في انتخابات 2020 الصورية التي نتيجتها محسومة سلفا زورا وخداعا ، وما يخدعون الا أنفسهم، كما تزداد حدة التناقضات وصراعات المصالح بين أجنحة الفئة الحاكمة التي كدست الثروات علي حساب الكادحين ونهبت ممتلكات الشعب، وبالتالي توفرت الظروف الموضوعية نفسها التي أدت لاندلاع ثورة أكتوبر 1964م، مما يتطلب استكمالها بتوفير الظروف الذاتية بالمزيد من التنظيم والتعبئة.
*في صبيحة 17 نوفمبر 1958م، وقع الانقلاب العسكري الذي قاده الفريق إبراهيم عبود والذي كان في جوهره تسليم عبد الله خليل رئيس الوزراء يومئذ الحكم للجيش، بهدف مصادرة الديمقراطية والقضاء علي الحركة الديمقراطية في البلاد، ومصادرة نشاط الحزب الشيوعي الذي كان متناميا وتصفيته، وكبت حركة الطبقة العاملة ، ومنع تطور حركة المزارعين، والاستسلام للتدخل الأمريكي في البلاد تحت ستار "المعونة الأمريكية" ووقف الثورة الديمقراطية في البلاد.
بالفعل كانت أول القرارات صبيحة الانقلاب هي : حل جميع الأحزاب السياسية، ومنع التجمعات والمواكب والمظاهرات، ومنع صدور الصحف حتي إشعار آخر، وفي نفس يوم الانقلاب أعلن النظام حالة الطوارئ، وإيقاف العمل بالدستور وحل البرلمان، كما صدر قانون دفاع السودان لعام 1958 ولائحة دفاع السودان لعام 1958م، وتمت بموجبهما مصادرة أبسط حقوق الانسان، بجعل عقوبة الإعدام أو السجن الطويل لكل من يعمل علي تكوين أحزاب أو يدعو لإضراب أو يعمل علي إسقاط الحكومة أو يبث الكراهية ضدها، كما تم حل النقابات والاتحادات، ومصادرة جريدة " الطليعة" التي كان يصدرها اتحاد العمال واعتقال القادة العمال وعلي رأسهم: الشفيع أحمد الشيخ ورفاقه وتم تقديمهم لمحاكمات عسكرية إيجازية.
وكان الهدف من الهجوم الشامل علي الحريات تجريد الشعب من كل أدواته الرئيسية في الصراع من اجل الديمقراطية وتحسين الأوضاع المعيشية والسيادة الوطنية والحل السلمي الديمقراطي لمشكلة الجنوب.
وصدر أول بيان للحزب الشيوعي بتاريخ 18 نوفمبر 1958 يدعو لمقاومة الانقلاب العسكري واسقاطه واستعادة الديمقراطية، بعنوان: " 17 نوفمبر انقلاب رجعي"".
وبعد ذلك استمرت مقاومة الشعب السوداني وأحزابه وتنظيماته النقابية عن طريق البيانات والعرائض والمذكرات والإضرابات والمواكب والاعتصامات، والصمود الباسل للمعتقلين في السجون والمنافي وأمام المحاكم وفي غرف التعذيب ، والإعدام رميا بالرصاص. وشملت المقاومة نضالات العمال والمزارعين والطلاب والمثقفين والمرأة السودانية ومقاومة الشعب النوبي ضد إغراق حلفا وتدمير ثقافة القومية النوبية وإرثها التاريخي العظيم، وتنصل الحكومة من الوطن البديل بجنوب الخرطوم. ونضال جبهة أحزاب المعارضة، وحرب الجنوب التي تفاقمت، ودفاعات المناضلين أمام المحاكم.
وهذا التراكم النضالي أدي للتغيير النوعي الذي أدي لانفجار ثورة أكتوبر بعد توفر الظروف الموضوعية التي أصبحت الحياة فيها لا تطاق وضعف النظام وعجزه عن الحكم وبروز القيادة متمثلة في جبهة الهيئات التي قادت الإضراب السياسي حتي تم إسقاط النظام.


*ماهي أهم دروس تجربة ثورة أكتوبر ؟
من أهم دروس ثورة أكتوبر: تجربة الاضراب السياسي العام، وكان أول من طرح فكرته الحزب الشيوعي السوداني، في بيان المكتب السياسي للحزب " حول الاضراب السياسي العام" في أغسطس 1961م، و الذي نشر في العدد ( 109) من مجلة الشيوعي ( المجلة الفكرية للجنة المركزية للحزب الشيوعي) الصادر بتاريخ: 29/ أغسطس/ 1961م.
والجدير بالذكر أن الحزب الشيوعي طرح فكرة الإضراب السياسي لأحزاب المعارضة، ولكنها لم تتجاوب معها، وبعدها انسحب الحزب من جبهة أحزاب المعارضة، وطيلة الثلاث سنوات ظل الحزب الشيوعي يعمل بصبر مع الحركة الجماهيرية الي مستوي تنفيذ الاضراب السياسي ، الي نقطة الانفجار الشامل.
أوضح الحزب الشيوعي فكرة الإضراب السياسي علي النحو التالي:
" *أنه توقف الجماهير الثورية عن العمل ، ويتم تنفيذه عندما تصل الجماهير الثورية الي وضع لاتحتمل فيه العيش تحت ظل النظام الراهن، ولهذا فهو يمثل تغييرا كيفيا في وضع الجماهير الثورية وعقلياتها، انه عملية وسلسلة من المعارك الجماهيرية اليومية ضد النظام وليس ضربة واحدة، ولكنه يأتي تتويجا لتراكم تلك المعارك في لحظة الأزمة الثورية أو الانفجار الشامل التي تصبح الحياة لاتطاق تحت ظل النظام ويعجز النظام عن الحكم وتصل التناقضات داخل النظام الي قمتها، وتفشل أجهزة القمع في وقف النهوض الجماهيري.
وجاءت لحظة الانفجار الشامل قبل يوم من أحداث الندوة الشهيرة في جامعة الخرطوم حول قضية الجنوب، والتي هاجمها البوليس وأطلق النار علي الطلاب المتظاهرين مما أدي الي استشهاد أحمد القرشي عضو رابطة الطلبة الشيوعيين ورفاقه، وكانت ندوة جامعة الخرطوم" القشة التي قصمت ظهر البعير" ، بعد أن وصلت البلاد الي لحظة الأزمة الثورية والانفجار الشامل.
وبعد إعلان الإضراب السياسي العام برزت مطالب ثوار أكتوبر التي دعت إلي مواصلة الإضراب السياسي العام حتي: التصفية النهائية للحكم العسكري الرجعي، وإلغاء حالة الطوارئ فورا وإلغاء كافة القوانين المقيدة للحريات، وقيام حكومة انتقالية تمثل قوي ثورة 21 اكتوبر المجيدة، وإطلاق سراح جميع المعتقلين والمسجونين السياسيين فورا.واستمر الإضراب السياسي العام حتي نجحت الثورة في الاطاحة بالحكم العسكري وإستعادة الديمقراطية، والتي أجهضتها الأحزاب التقليدية بحل الحزب الشيوعي وطرد نوابه من البرلمان عام 1965م، مما أدي الي خرق الدستور وانتهاك استقلال القضاء وحكم القانون، والمصادرة الكاملة للديمقراطية بعد انقلاب 25 مايو 1969م.
وبعد ذلك أصبح الإضراب السياسي العام سلاحا قويا في يد الشعب السوداني، فقد أطاح شعبنا بديكتاتورية النميري في انتفاضة مارس- أبريل 1985م عن طريق الإضراب السياسي العام والعصيان المدني.
سوف يطيح شعبنا أيضا بنظام الإنقاذ الحالي الذي فرط في وحدة البلاد وسيادتها الوطنية وأفقر شعبنا ونهب ممتلكاته ومارس ضده كل صنوف القهر والقمع أيضا عن طريق الاضراب السياسي والعصيان والمدني، مع الأخذ في الاعتبار شراسة هذا النظام التي تتطلب شل أدوات قمعه، والاستفادة من دروس تجربة إجهاض ثورة أكتوبر 1964م، وانتفاضة أبريل 1985م وضمان انتصار النهوض الجماهيري لشعب السودان، بقيام البديل الديمقراطي الذي يتم فيه وقف الحرب والحل الشامل والعادل لقضايا المناطق الثلاث، وقيام المؤتمر الدستوري الذي يقرر شكل الحكم في البلاد، وقيام المؤتمر الاقتصادي لوقف التدهور الاقتصادي والمعيشي، وإلغاء القوانين المقيدة للحريات عبر فترة انتقالية لمدة أربع سنوات تتم بعدها انتخابات حرة نزيهة ، مما يفتح الطريق لمواصلة النضال من أجل الحكم الوطني الديمقراطي.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.