أشرنا في المقال السابق عن الذكري المئوية لثورة أكتوبر إلي أن فشل التجربة الاشتراكية لا يعني فشل الماركسية، بل من المهم استخلاص دروس التجربة السابقة من أجل بناء نظام اشتراكي اكثر ديمقراطية وعدالة.
نستعرض في هذا المقال المفهوم الماركسي للاشتراكية وتجربة تحرير المرأة في الثورة الروسية.
1. المفهوم الماركسي للاشتراكية:
أشار انجلز الى أن الاشتراكية تحولت الى علم باكتشاف المفهوم المادي للتاريخ ونظرية فائض القيمة التى كشفت جوهر الاستغلال الرأسمالي يومئذ ، وهذا هو ما ميز الاشتراكية العلمية أو الشيوعية عن بقية المدارس الاشتراكية الاخرى ، وأصبح الواجب تطويرها في كل النواحي ، وأن الصراع الباطني أوالتناقضات الكامنة في الرأسمالية سوف تؤدي الى نفيها ديالكتيكيا ، وأن الاشتراكية سوف تخرج من رحم الرأسمالية ، وبالتالى سوف تظل حاملة لسماتها لفترة تاريخية طويلة، وأنها سوف تستند على منجزات الرأسمالية في التكنيك والإنتاج وفي الفكر السياسي والاقتصادي والاجتماعي .
أشار ماركس في مؤلفه “نقد برنامج غوته “ إلي أنه طالما كانت الاشتراكية طور ادنى من الشيوعية ، وبالتالى سوف تكون حاملة لكل تناقضات الرأسمالية لفترة طويلة بحيث لايمكن القفز فوق هذه المرحلة التى سوف يكون فيها الحق برجوازيا ، وأن قانون القيمة الذي يعبر عن حركة إنتاج وتبادل السلع في الرأسمالية سوف يفعل فعله ، وبالتالى لابد من التحكم في مساره ومجراه ، بتلبية المتطلبات الأساسية للمواطنين وتوفير إحتياجاتهم الأساسية في : التعليم والصحة والضمان الاجتماعي والسكن وضمان حق الأمومة والطفولة والشيخوخة . الخ ، وأن مرحلة الانتقال للمجتمع الشيوعي سوف تستغرق فترة تاريخية طويلة ، كما تفادى ماركس السؤال حول شكل المجتمع الشيوعي القادم بقوله أن العلم هو الكفيل بالإجابة في المستقبل.
إذن الموضوع في نظر ماركس وانجلز كان مبنيا على العلم والمعرفة وأخذ واقع وخصائص كل بلد في الاعتبار وعدم القفز فوق المراحل .
وجاءت التجربة الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي في ظروف كانت البلاد فيها متخلفة تقنيا ، فقد كان ماركس يفترض أن الاشتراكية سوف تنطلق في بلدان رأسمالية متطورة تقنيا مثل: إنجلترا والمانيا ، ولكن ذلك لم يكن متوفرا في روسيا التي كان حوالى 70% من سكانها يعيشون في امية .
بالتالى ، فان ستالين انجز مهمة التصنيع واللحاق بركب الدول الرأسمالية الصناعية بتكلفة إنسانية باهظة وفي ظروف حصار اقتصادي وفي حروب أهلية إضافة للحرب العالمية الثانية التي فقد فيها الاتحاد السوفيتي 20 مليون شهيد ، فضلا عن سباق التسلح الذي أنهك الاقتصاد السوفيتي ،إضافة للتوجهات الايديولوجية الخاطئة التى كانت تشير الى ان البلاد دخلت مرحلة الاشتراكية المتطورة ، وأن البلاد أصبحت على قاب قوسين أو أدنى من المجتمع الشيوعي.
غابت الديمقراطية جراء فرض نظام شمولي في المجتمع تميز بنظام الحزب الواحد وربط النقابات والاتحادات والمؤسسات التشريعية بالدولة ، وإلغاء دور منظمات المجتمع المدني الأخرى ومصادرة نشاطها بعيدا عن الدولة.
إضافة للسياسة الخاطئة تجاه الأديان فقد جعل ستالين من الالحاد سياسة رسمية للدولة ، في حين كان ذلك يتعارض مع أفكار ماركس وانجلز التي كانت تركز على حرية الضمير والمعتقد ، وأن المسائل التي تتعلق بضمائر الناس ومعتقداتهم لا يمكن حلها بقرارات ، وترك كل شيء للتطور الطبيعي. هذا إضافة الى أن الهدف ليس إحلال دين محل دين، بجعل الالحاد سياسة رسمية للدولة ، فالدولة كما هو معلوم للجميع بغض النظر عن معتقداتهم الدينية أو السياسية أو الفكرية أو الفلسفية.
ان فشل التجربة الاشتراكية لا يعنى فشل الماركسية ، ولكننا نستخلص دروس تلك التجربة ونبني على إيجابياتها ونستفيد من أخطائها في بناء نماذج اشتراكية اكثر عدالة وديمقراطية وإنسانية.
صحيح أن الهدف الاستراتيجي في ظروف السودان هو إنجاز مهام الثورة الوطنية الديمقراطية ، وأن الهدف المباشر الأكثر إلحاحا من ذلك هو بناء أوسع تحالف من أجل إسقاط النظام الراهن وقيام البديل الديمقراطي بهدف إصلاح الخراب الذي أحدثه نظام الإنقاذ في مختلف مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والاخلاقية، والذي يفتح الطريق لإنجاز مهام الثورة الوطنية الديمقراطية بأفقها الاشتراكي، ولكن ذلك لا يعنى التخلي عن هدف المجتمع الشيوعي البعيد الذي تشكل الاشتراكية طورا أدنى منه.
1. التجربة الاشتراكية وقضية المرأة:-
كانت الثورة الروسية نقطة تحول مهمة في حقوق المرأة حيث انتزعت المرأة الروسية نتيجة لنضالها ومشاركتها الفعالة في الثورة الحقوق التالية علي سبيل المثال لا الحصر:-
أ- الحق الكامل في الاقتراع.
ب- حق الطلاق وطوعية علاقة الزواج.
ج- المساواة في الأجور وحقوق النساء في العمل.
د- المساواة الكاملة في الحقوق بين الزوج والزوجة.
ه- الحق في اختيار إسم الزوج أو الزوجة.
ز- التعليم المختلط.
ح- منع الدعارة ..الخ
أي أن الثورة الروسية حققت بضربة واحدة كل الشعارات التي كانت تطالب بها الحركة النسوية في أوربا منذ الثورة الإنجليزية والثورة الفرنسية.
لكن القوانين شيء والواقع الروسي شيء آخر، فقد كان الواقع الروسي متخلفا، إضافة إلي حروب التدخل والفقر والبطالة، كل ذلك جعل حق الطلاق للمرأة مستحيلا.
- اللجوء إلي الصناعة الثقيلة كان علي حساب سلع الاستهلاك مثل الأدوات المنزلية التي تخفف أعباء النساء إضافة لعمل النساء في الصناعات الثقيلة الضارة بصحتهن.
قضية المرأة لها شقها الثقافي ، فالتحول في البنية التحتية لا يعني التغير التلقائي للبنية الفوقية التي لها استقلالها النسبي، قد تظل بنية ثقافية متخلفة مستمرة رغم تغير أساسها المادي مما يتطلب صراعا متواصلا في الجبهة الثقافية، وبالتالي مساواة المرأة مع الرجل في الأجر وحق المرأة في العمل لم يغير العقلية التي تنظر للمرأة بدونية التي كرستها مجتمعات الرق والإقطاع والرأسمالية للمرأة والتي كانت تقوم بكل أعباء الواجبات المنزلية مع حضورها من العمل مع زوجها في وقت واحد، رغم التحولات الاشتراكية التي تمت.
إضافة إلي أنه كان للنظام الشمولي وتخلف الواقع الروسي نفسه الدور الرئيسي في إجهاض مكتسبات المرأة التي حققتها في بداية الثورة الروسية ، وكان هذا من أسباب انهيار التجربة الاشتراكية ( قمع نصف المجتمع). ولأن المرأة التي تتمتع بحقوقها كاملة هي الأقدر علي الدفاع عن النظام الجديد ، وأن قضية تحرير المجتمع من القمع والاضطهاد هي مهمة الرجال والنساء، وكما أشار لينين: أن المرأة الشيوعية لها الواجبات والحقوق نفسها للرجل الشيوعي.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.