تناولنا في مقالين سابقين مفهوم المركز والهامش والتحالفات ومفهوم الكتلة التاريخية، ولاحظنا أن مفهوم المركز والهامش يغبش الوعي الطبقي الذي يتجلى في أشكال سياسية واقتصادية وثقافية وإثنية، وتشويه مفهوم “ الكتلة التاريخية” ليصبح جواز مرور للتعاون مع أنظمة قمعية معادية للديمقراطية وحقوق الإنسان، وإلغاء الاستقلال السياسي والتنظيمي والفكري لكل حزب داخلها. مما يطمس جوهر الصراع الدائر في البلاد باعتباره صراع طبقي يتجلى أيضا في أشكال اقتصادية وسياسية وثقافية واثنية.

ونتناول في هذا المقال منهج التحليل الثقافي من زاوية نقدية.
معلوم أن منهج التحليل الثقافي برز في البلدان الرأسمالية المتطورة نتيجة لإسهامات كتاب مثل : ميشيل فوكو ، وهابر ماس وبيتر برجر وماري دوجلاس ..الخ، ويزعم منظرو هذا المنهج أنهم يقدمون رؤية أفضل لقضايا العالم المعاصر بعد عجز المناهج التقليدية عن تفسير تطورات ما بعد الحداثة التي أهمها سقوط النظريات الكبرى ، ويرون البديل في الأنساق المفتوحة.
من أهم المراجع للتحليل الثقافي كتاب " التحليل الثقافي" المؤلف : ميشيل فوكو ، يورجين هابرماس، بيتر برجز، ماري دوجلاس وآخرين، الناشر : الهيئة المصرية للكتاب 2009م.
بالتأمل في تلك الأفكار التي يطرحونها كبديل فأنها لا تخرج عن تلك النظريات الكبري التي طرحها مفكرون مثل: ماركس بعد افراغها من مضمونها وتقطيع أوصالها وتشويهها ، واستبدال المنهج الديالكتيكي الذي ينظر للظواهر في تطورها وحركتها وشمولها وتبدلها وانفتاحه علي التطورات الجديدة بذهن مفتوح، بالمنهج الانتقائي الغيبي الذي ينظر للظواهر في سكونها وعزلتها عن السياق العام وتجزئة العلوم الاجتماعية بدلا من تداخلها وتكاملها، ومحاولة التوليف بين المتناقضات مثل :الاشتراكية والرأسمالية. إضافة لإنكار وجود الطبقات والصراع الطبقي، والحديث عن الأسرة والقبيلة والقومية والأمة بمعزل عن الطبقات والصراع الطبقي. هذا فضلا عن خطورة أن يقود منهج التحليل الثقافي لصراع الثقافات والعنصرية والاستعلاء الثقافي والعرقي مثل: الفاشية والنازية التي عاني منها العالم وادت الى نشوب حرب عالمية ثانية باعتبارها كانت تعبيرا عن أشد أشكال الرأسمالية دموية ووحشية.
لقد أكدت كل التجارب البشرية أن النظريات التي قامت علي تفسير ديني أو عنصري أو قبلي أو إثني أو ثقافي أو صراع مركز وهامش، أو صراع هوّيات. الخ ، قادت البشرية الي كوارث ، ونتجت عنها أنظمة صادرت حقوق الإنسان وإبادة جماعية كما حدث في بعض البلدان.
في حين المطلوب هو النظرة الشاملة التي تقود إلي مجتمع أساسه المواطنة وتتوفر فيه احتياجات الانسان الأساسية " مأكل ، مشرب ، مسكن، تعليم ، علاج. الخ"، ويحترم التنوع الثقافي والاثني والديني ويكفل الحقوق والحريات الأساسية، وحق كل مجموعة ثقافية في تنمية ثقافتها ولغتها ويعزز الوحدة من خلال التنوع.
اتخذ بعض الكتاب في المنطقة العربية وفي السودان منهج التحليل الثقافي هاديا ومرشدا لهم في دراساتهم وتفسيرهم للصراعات والمتغيرات العالمية والمحلية التي حدثت علي سبيل المثال عالم الاجتماع المصري السيد يس " راجع مؤلفه : الخريطة المعرفية للمجتمع العالمي : من المجتمع الصناعي إلي مجتمع المعرفة، 2008".
في السودان محمد جلال أحمد هاشم الذى صدر له كتاب : منهج التحليل الثقافي : مشروع الوطنية السودانية وظاهرة الثورة والديمقراطية ، الطبعة الخامسة، الخرطوم يوليو 2012".
* يمكن تقديم رؤيتنا النقدية لكتاب محمد جلال هاشم “ منهج التحليل الثقافي” في النقاط التالية:-
يقول ص 9 : الهدف معالجة نظرية لإشكالية الثقافة والهويّة والايديولوجيا من زاوية الثقافة كاطار مرجعي. والمقصود بالثقافة حسب تعريفه " الكل المركب الذي يشتمل علي نشاطات المجتمع من عادات وتقاليد ومعتقدات وفنون وممارسات ومؤسسات بما في ذلك وسائل كسب العيش"
بمعني آخر يقصد الكاتب المفهوم الواسع للثقافة باعتبارها مجموع الإنتاج المادي والفكري لمجتمع معين، أو بمعني آخر الحضارة.
وهنا يضّيق الكاتب واسعا ، لأن الثقافة بالمعني الواسع تقع داخل التشكيلة الاجتماعية التي تتكون من البنية التحتية للمجتمع" قوي الإنتاج وعلاقات الإنتاج" والبنية الفوقية للمجتمع" تقاليد ، عادات، فن، دين، فلسفة...الخ".
لكن التشكيلة الاجتماعية تمتد لتشمل العلاقات الاجتماعية والطبقية. أي أن مفهوم التشكيلة الاجتماعية أوسع من الثقافة أو الحضارة التي تتبدل مع تبدل التشكيلة الاجتماعية.
عليه أن منهج التحليل الثقافي يعجز عن تفسير التحولات في المجتمع، عكس المفهوم المادي للتاريخ الذي يري أن التحولات الاجتماعية في التاريخ تكمن في اقتصاد العصر المعين، رغم أن العامل الاقتصادي هو الحاسم في التغيير ، لكن هناك عوامل أخري تلعب دورها في التغيير مثل: القومي ، الديني ، الثقافي، كما أشار أنجلز، اي أن العامل الاقتصادي ليس هو الوحيد.
عندما يفسر محمد جلال هاشم كل التحولات بالعامل الثقافي ، يقع في النظرة الضيقة لآحادية.
وهذا ما يمكن أن يلاحظه القارئ من الآتي: -
• ينكر الكاتب الصراع الطبقي ويستبدله بصراع الثقافات ، وصراع الإنسان ضد الإنسان ، بدلا عن صراع طبقة ضد طبقة، ويرسخ مبدأ الذاتية والفردية، والوسطية بين الرأسمالية والاشتراكية ، ويتحدث عن المثقفين وكأنهم خارج الطبقات. ويحاول أن يحشر الرأسمالية داخل المنظومة الثقافية.
ويقدم تعريفا مضللا للرأسمالية بقوله هي “ حزمة ثقافية مركبة تبلورت في الغرب ذات تجليات اقتصادية وسياسية وفكرية تلتزم الليبرالية” ص 26 ، في حين أن التشكيلة الرأسمالية هي ذلك النظام التي تتحول فيه قوة العمل الي بضاعة، ويقوم عي الاستغلال الرأسمالي للعمال بامتصاص فائض القيمة منهم، ونهب موارد شعوب العالم الثالث في تبادل غير متكافئ، وتصدير نمط الإنتاج الرأسمالي والسعي الدائم للبحث عن أسواق جديدة لمنتجاتها”.
ينكر الكاتب وجود طبقة رأسمالية في السودان ، حتي الرأسمالية الطفيلية الإسلاموية ينكر وجودها، في معرض مناقشته لكتاب د. فاطمة بابكر محمود “ الرأسمالية السودانية: أطليعة للتنمية”. وذلك امتداد لكل الأفكار التي طُرحت من قبل أنه لا توجد طبقات في السودان، ولا يوجد صراع طبقي ، وبالتالي لا يوجد حاجة لوجود الحزب الشيوعي، فالكاتب لم يضف جديدا لماكينة الدعاية ضد الشيوعية في السودان منذ الاستقلال، ويحاول أن يطرح منهجا توفيقيا أو تلفقيا كبديل للمنهج الماركسي.
* في ص 45 يقدم الكاتب تعريفا للطبقة بقوله “ الطبقة كمنظومة ثقافية تشمل النشاط الاقتصادي” ، وهذا تعريف غير دقيق ، فالطبقة الاجتماعية في المجتمع تتحدد بموقعها في الإنتاج والوعي الطبقي ، كما يتحدد بنصيبها من الثروة، إضافة للسمات الأخرى مثل: القدرة علي التزاوج. الخ.
كما أنه غير صحيح ما أورده الكاتب ص 42 “ ينظر الفكر الاقتصادي الماركسي إلي الاقتصاد بوصفه تجسيدا لمادية العلاقات الإنسانية والتاريخية”، علما بأن ماركس طرح
الغاء استغلال الإنسان للإنسان وتحريره من الحاجة والاغتراب.
كما يقول ص 50 “ قالت الماركسية بمفهوم الصراع الطبقي واستناده علي العوامل المادية” ، وهذا أيضا غير صحيح، فالصراع الطبقي حقيقة موضوعية كان موجودا قبل ماركس ، ولم يكتشفه ماركس، بل أشارت الماركسية إلي أنه سيفضي في النهاية الي مجتمع شيوعي يشكل بداية التاريخ الإنساني الخالي من كل أشكال الاضطهاد الطبقي والجنسي والديني والقومي والاثني والثقافي، ويكون فيه تطور الفرد الحر الشرط لتطور المجموع الحر.
في تعريف الكاتب للدولة ينكر الأساس الطبقي للدولة بقوله ص 35 “ الدولة هي مجموع المؤسسات التى تعمل في سبيل تركيز الإرادة العامة بما يعود بالخير عي الشعب”.
هذا تعريف يتجاهل المصالح الطبقية التي تعبر عنها الدولة، فالدولة هي نتاج تطور المجتمع في لحظة معينة تفكك فيها المجتمع المشاعي بعد اكتشاف الزراعة والرعي وظهور الملكية والتفاوت الطبقي، وظهرت الدولة لحماية مصالح الطبقات الحاكمة ، بالطبع هذا لا يلغي الوظائف الأخرى التي يجب أن تقوم بها الدولة التي أشار لها الكاتب والحالات الخاصة من الصراع الطبقي التي تعبر فيها عن توازن الطبقات في المجتمع.
• يطرح نظرة خاطئة للمفهوم المادي للتاريخ بقوله ص 42 " ما يجعل المادية التاريخية قاصرة عن تحليل الواقع بكفاءة هو ذهولها عن الخصائص والإمكانيات الاستقلالية التي تتميز بها كل مؤسسة قيمية ..الخ".
وهذا زعم خاطئ لأن السؤال الأساسي الذي أجاب عليه ماركس في المفهوم المادي للتاريخ هو أسبقية الوجود الاجتماعي" الأوضاع الاقتصادية والمعيشية.." علي الوعي الاجتماعي" فلسفة، عادات تقاليد، ثقافة، دين. الخ"، ولكن ذلك ليس بطريقة ميكانيكية، بل للوعي الاجتماعي استقلاله النسبي ، بحيث يؤثر علي الوجود الاجتماعي ويعمل علي تغييره، فهناك علاقة ديالكتيكية متبادلة أو انعكاس متبادل بين الوجود الاجتماعي والوعي الاجتماعي، وأن للوعي الاجتماعي استقلاله النسبي.
وكذلك في التشكيلة الاجتماعية هناك تأثير متبادل بين البنية التحتية للمجتمع والبنية الفوقية، والبنية الفوقية لها استقلالها النسبي وتعمل علي تغيير البنية التحتية.
فمن حق الكاتب أن يتبني منهج التحليل الثقافي أو أي منهج آخر ، ولكن لا علي حساب تشويه الماركسية.
في الختام، مما سبق يتضح ضيق منهج التحليل الثقافي وقصوره عن التناول الشامل للظواهر ، ومحاولة تفسير كل نشاط المجتمع بمنظور ثقافي ، فضلا عن أنه ينكر الطبقات والصراع الطبقي ، ويطرح نفسه بديلا للمنهج الماركسي ، وبالتالي فهو منهج مضلل ويغبش الوعي الطبقي وطبيعة الصراع الدائر في البلاد منذ الاستقلال باعتباره صراع طبقي حول طريق التطور: هل هو في طريق رأسمالي مثل الذي يعاني منه شعب السودان حاليا الذي فقد فيه شعب السودان أبسط خدمات التعليم والصحة. الخ، أم في طريق وطني ديمقراطي يفضي للاشتراكية والديمقراطية وتتوفر فيه احتياجات الناس الأساسية والديمقراطية والتنمية المتوازنة ودولة المواطنة التي تسع الجميع غض النظر عن الدين أو اللغة أو الثقافة أو الجنس أو القومية، ويفتح الطريق لحق كل قومية أو مجموعة إثنية في تطوير ثقافاتها ولغاتها الخاصة مما يحقق الوحدة من خلال التنوع.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

////////////////