تحدثنا في مقال سابق عن مفهوم “المركز والهامش” من زاوية نقدية ، وتوصلنا إلي أنه مفهوم مضلل يغبش الوعي الطبقي ويطمس جوهر الصراع باعتباره صراع طبقي يتجلي في أشكال اقتصادية وسياسية وثقافية وإثنية. نتناول في هذا المقال مفهوم “ الكتلة التاريخية”

نتناول في هذا المقال مفهوم “ الكتلة التاريخية”
مفهوم “ الكتلة التاريخية” ليس جديدا، استخدمه انطونيو غرامشي “1891- 1937” السكرتير السابق للحزب الشيوعي الإيطالي بمدلول طبقي ، بمعني مواجهة الهيمنة الثقافية للطبقة السائدة بقيام أوسع تحالف من أجل الهيمنة الثقافية للطبقة العاملة الصاعدة ، ذلك لأن الطبقة البورجوازية لا تحكم بالقمع فقط ، بل بوسائل ثقافية تستخدم فيها بعض المثقفين البورجوازيين لتبرير هيمنتها وتغبيش الوعي الطبقي للعمال. كما استخدم غرامشي مفهوم “الكتلة التاريخية” في وجهة قيام أوسع تحالف ضد الفاشية والنازية التي شكلت خطورة يومئذ علي الجنس البشري والسلام العالمي، في ظروف كان فيها تباين طبقي وتفاوت في مستويات التطور بين شمال وجنوب إيطاليا، بمعني تحالف طبقات شعبية في قواعد المجتمع الدور القيادي فيها للطبقة العاملة، علي أساس التحالف علي برنامج الحد الأدني الذي يلبي مصالح الجميع، وينفض هذا التحالف بعد تحقيق أهدافه، وتنشأ” كتلة تاريخية” جديدة تعبر عن برنامج جديد وهكذا، في كل الأحوال تمسك غرامشي باستقلال الحزب الشيوعي سياسيا وفكريا وتنظيميا، فالتحالف الواسع لا يلغي استقلال اطرافه وتباينها الفكري والسياسي والتنظيمي.
حاول بعض المثقفين العرب النقل الأعمى لمفهوم “الكتلة التاريخية “ وافراغه من مدلوله الطبقي، ليشمل حتي الاسلامويين المعادين للديمقراطية، كما هو الحال عند محمد عابد الجابري الذي تحدث عن ضرورة قيام “ كتلة تاريخية” تضم “ العمال والطلاب وصفوف المساجد ....” ، رغم تقديرنا لمساهماته الأدبية والنقدية، كما استخدمه زعماء “حركة نداء تونس” لتبرير التحالف مع حركة النهضة. كما استخدمه البعض لتبرير التحالف مع أنظمة قمعية دموية صادرت الديمقراطية وحقوق الانسان ، عكس المرامي التي هدف اليها غرامشي.
نتناول في هذا المقال ما يسمي بمفهوم "الكتلة التاريخية " و” المشروع الوطني” الذي يدعي من يطرحها بأنها وعاء جامع لقوي التغيير يضع نفسه فوق الطبقات والقوي الاجتماعية المصطرعة في المجتمع حول أي طريق التنمية ؟ هل طريق رأسمالي مثل الذي عاني منه شعبنا ولم يجني منه غير الفقر والخراب والدمار والتفريط في السيادة الوطنية وبيع أراضي وثروات البلاد وفصل الجنوب أم طريق التطور الوطني الديمقراطي الذي يرتقي بشعبنا للمجتمع الصناعي الزراعي ويوفر لجماهير شعبنا الديمقراطية التعددية وكحقوق اقتصادية واجتماعية وثقافية والتنمية المتوازنة ودولة المواطنة التي تسع الجميع، وتوفر ضروريات الحياة من تعليم وصحة وخدمات وارتفاع في المستويات المعيشية والثقافية، كما جاء في برنامج الحزب الشيوعي المجاز في المؤتمر السادس.
“الكتلة التاريخية” بالمفهوم الغامض والفضفاض المطروح في جوهرها ليست جديدة ولاتختلف عن الكيانات التي طرحت من قبل في السودان مثل: صيغة الاتحاد الاشتراكي في عهد الديكتاتور نميري باعتبارها الوعاء الجامع لكل الشعب ، والصيغ التي طرحها د. الترابي في الجبهة القومية الإسلامية بعد انتفاضة ابريل 1985 التي تستوعب وتبتلع كل المجتمع وغيرها من الصيغ الهلامية المضللة مثل: “النظام الخالف” الذي يستوعب كل قوي المجتمع ، ويضم الذين خرجوا من الأحزاب اليسارية واليمينية، وصيغة حوار “ الوثبة” المضللة التي تمخضت عن مناصب ومحاصصة في السلطة مما زاد الأزمة عمقا.
فضلا عن الوهم أنه بمجرد إعلان “الكتلة التاريخية” سوف تتخلي الجماهير عن أحزابها وتحالفاتها وتنضم لتلك الكتلة التي لم تضف جديدا، إن لم تكن متخلفة عليها، للبرامج التي طرحتها التحالفات الواسعة من أجل اسقاط النظام وإقامة البديل الديمقراطي الذي يتم فيه انتزاع الديمقراطية التعددية وتوفير ضروريات الحياة من غذاء ومأوي وتعليم وصحة وبقية الخدمات ووقف الحرب والحل الشامل لقضايا المناطق الثلاث والمحاسبة واستعادة ممتلكات الشعب المنهوبة وقيام المؤتمر الدستوري الذي يحدد شكل الحكم ، وقيام انتخابات حرة نزيهة في نهاية الفترة الانتقالية، مما يفتح الطريق لمواصلة النضال من أجل النظام الوطني الديمقراطي.
كما أن منظمات المجتمع المدني ليست بديلا للأحزاب السياسية وللتنظيمات النقابية والديمقراطية التي بنتها الجماهير بنضالها وعرقها لأكثر من سبعين عاما.
هذا المفهوم يطرح نفسه بديلا للتجربة السودانية في التحالفات التكتيكية والاستراتيجية التي راكمناها خلال سنوات النضال ضد الاستعمار وما بعد الاستقلال ضد الأنظمة الديكتاتورية العسكرية والمدنية والتي خبرتها جماهير شعبنا خلال السنوات الماضية، فماهي التحالفات التكتيكية والاستراتيجية؟.
معروف أن التحالف هو تنسيق وعمل مشترك بين قوي سياسية واجتماعية متباينة المنطلقات السياسية والفكرية والتنظيمية ولكن يجمعها حد أدني من أهداف مشتركة تسعي لتحقيقها. وهناك نوعان من التحالفات: أ- تحالفات تكتيكية أو مؤقتة، ب- تحالفات استراتيجية.


1- التحالف التكتيكي:
هو تحالف واسع من أجل تحقيق أهداف محددة ، وينفض هذا التحالف بعد تحقيق تلك الأهداف، وقد ينشأ تحالف واسع جديد لتحقيق أهداف محددة تفرضها الفترة الجديدة، يتم التحالف التكتيكي مع احتفاظ كل حزب باستقلاله السياسي والتنظيمي والفكري، فالتحالف لايعني فقدان النشاط المستقل لكل حزب وذوبانه فيه، هذا إضافة الي أن مندوبي الأحزاب يحملون مواقف هيئاتهم القيادية حول القضية المحددة، ولا يقررون بمفردهم دون الرجوع لهيئاتهم القيادية (مكتب سياسي، لجنة مركزية..).
منذ تأسيسه دخل الحزب الشيوعي في تحالفات تكتيكية واسعة مثل: جبهة الكفاح ضد الجمعية التشريعية عام 1948م، الجبهة المتحدة من اجل استقلال السودان عام 1952م، وجبهة احزاب المعارضة ضد ديكتاتورية نظام عبود، وجبهة الهيئات التي قادت الاضراب السياسي في اكتوبر 1964م، وجبهة الدفاع عن الديمقراطية عام 1965م (بعد مؤامرة حل الحزب الشيوعي وطرد نوابه من البرلمان) ، والتجمع الوطني لإنقاذ الوطن الذي قاد انتفاضة مارس- أبريل 1985م، والتجمع الوطني الديمقراطي ضد نظام الإنقاذ، وتحالف قوي الاجماع الوطني من أجل الأهداف التي أشرنا لها في بداية المقال..
والتحالفات أعلاه كانت ضد أنظمة استعمارية وديكتاتورية كانت تطالب بالاستقلال واستعادة الديمقراطية التي صادرتها تلك الأنظمة وحل مشكلة الجنوب.
هذا إضافة للتحالفات الأفقية والقاعدية من أجل تحقيق أهداف فئوية محددة مثل: تحالف مزارعي الجزيرة ضد خصخصة المشروع، وتحالف المعسكرات السياسية الطلابية الواسع من اجل استعادة ديمقراطية الاتحادات والحريات السياسية والفكرية والأكاديمية في الجامعات ومن أجل هزيمة طلاب المؤتمر الوطني. والتحالف الديمقراطي للمحامين من اجل الحقوق الديمقراطية وسيادة حكم القانون، وتحالف أبناء كجبار والشمالية ضد السدود التي تدمر تراثها الثقافي، ومنبر أبناء دارفور من اجل الحل الشامل والعادل للقضية، وتحالف المفصولين سياسيا وتعسفيا من اجل ارجاعهم للعمل وتسوية حقوقهم، وتحالف متضرري الأراضي والتعدين العشوائي المدمر للبيئة وتحالف قطاعات الشباب من أجل حق العمل وتكوين الأسرة، وتحالف النساء ضد القهر والحرب وقمعهن ومصادرة حقوقهن، والتحالف الديمقراطي في الأحياء من أجل تحسين الخدمات والبيئة، وتحالف أبناء دارفور من أجل الحل الشامل والعادل لقضيتهم والتعويض العادل وعودة النازحين لأراضيهم، ...الخ.


2- التحالفات الاستراتيجية:
ترتبط بإنجاز مهام الثورة الوطنية الديمقراطية وسط طبقات وفئات محددة، وهي تحالفات ثابتة تمتد علي طول المرحلة الوطنية الديمقراطية وهي في مجموعها تشكل الجبهة الوطنية الديمقراطية التي أساسها تحالف العمال والمزارعين إضافة للمثقفين الثوريين والرأسمالية الوطنية المنتجة ، ويكون الدور القيادي فيها للطبقة العاملة التي ليست لها مصلحة في الاستغلال أ، والتي بتحررها يتم تحرير المجتمع من كل أشكال الاستغلال ،وهي تحالفات تعبر عن تفاصيل أهداف الفئات والطبقات المحددة المنضوية تحت لواء الجبهة الوطنية الديمقراطية مثل:
أ‌- الجبهة الديمقراطية وسط الطلاب التي تعبر عن تحالف الشيوعيين والديمقراطيين من أجل: تحسين أوضاع التعليم وأحوال الطلاب النقابية والأكاديمية والثقافية والاجتماعية والرياضية، وتوفير المناخ الملائم للتعليم، وتوفير مقومات التعليم العام والعالي، وإنجاز الثورة الثقافية الديمقراطية.
ب‌- الجبهة النقابية وسط العمال التي تعبر عن تحالف العمال الشيوعيين والديمقراطيين من اجل تحسين الأوضاع المعيشية وتطوير الإنتاج، وترقية أوضاع العاملين الثقافية والاجتماعية وتوفير الحقوق والحريات النقابية.
ج – التنظيم الديمقراطي وسط المزارعين الذي يعبر عن التحالف الشيوعي الديمقراطي وسط المزارعين من اجل الإصلاح الزراعي وتوفير الغذاء وإصلاح المشاريع الزراعية المروية وتخفيض الضرائب والجبايات علي المزارعين. الخ.
د – رابطة الأطباء الاشتراكيين التي تعبر عن تحالف الشيوعيين والديمقراطيين من أجل توفير وتحسين الخدمات الصحية، ومجانية العلاج، وتحسين أوضاع الأطباء المعيشية والاجتماعية والثقافية، وترقية المهنة.
ه- رابطة المعلمين الاشتراكيين من أجل تحسين أوضاع المعلمين، وترقية مهنة التعليم، ومناهج قومية مرتبطة باحتياجات البلاد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية..الخ.
و- اتحاد الشباب السوداني من اجل تحقيق تطلعات الشباب في العمل والتعليم والسكن والحق في تكوين اسرة وتوفير كل مقومات الابداع الجاذبة للشباب.
ح – الاتحاد النسائي السوداني من اجل ترقية أوضاع المرأة وتحقيق المساواة الفعلية بينها والرجل ومحاربة الجهل والخرافة والدجل ومن اجل محو الأمية وقوانين إنسانية ومواكبة للأحوال الشخصية. الخ.
وخلاصة القول أنها تحالفات ثابتة بين الديمقراطيين والشيوعيين وسط فئات وطبقات محددة تنتقل من العام الي الخاص في البرنامج الوطني الديمقراطي.
ثالثا : شروط وقواعد التحالف:
خلال تجربتنا الطويلة توصلنا في الحزب الشيوعي السوداني الي أن التحالف يكون راسخا اذا قام علي القواعد والشروط الآتية: -
1- يقوم علي الوضوح الكامل والثقة المتبادلة لتلبية احتياجات الفترة السياسية.
2- لا يدعي الحزب الشيوعي لنفسه مكانة خاصة أو مميزة في الاطار الذي يستقر عليه تكوين التحالف ، يقدم الحزب تجربته وقدراته ، ويتعلم ويفيد من تجارب وقدرات الأطراف التي تقبل الانخراط في التحالف.
3- تصوغ أطراف التحالف بحرية تامة ومن خلال تبادل الرأي الصريح ، برامجها وخطط عملها ، وتصدر قراراتها ومواقفها بإجماع الآراء ، ولايحق لأي طرف منفرد أن يتحدث باسم التحالف أو يتخذ قرارا من خلف ظهره.
4- احترام الاستقلال التنظيمي والفكري والسياسي لكل الأطراف المشاركة في التحالف ، وحق كل طرف في مواصلة نشاطه من منبره الحزبي أو الفكري دون وصاية واكراه.
5- بعد تحقيق التحالف لأهدافه ، يحق لكل طرف فيه الانسحاب منه ويختار منهجه الخاص به، ومن حق أي طرف أو الأطراف الأخرى مواصلة تماسك الجبهة وتطوير برنامجها وصياغة تكتيكاتها للفترة الجديدة.
وبالتالي فان مفهوم “ الكتلة التاريخية” بدون الوضوح النظري حول التحالفات التي تقوم علي استقلال أطرافها السياسي والتنظيمي والفكري وطريق التطور الذي نسلكه لخير ورفاهية شعبنا من أجل التنمية الوطنية الديمقراطية بأفقها الاشتراكي ولتبرير التحالف مع أنظمة قمعية وقوي لا تحترم الديمقراطية وحقوق الانسان والتداول الديمقراطي للسلطة، مضلل ويطمس أيضا جوهر الصراع الدائر رحاه في البلاد منذ الاستقلال باعتباره صراع طبقي يتجلى في أشكال اقتصادية وسياسية وايديولوجية وثقافية.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.