كنا في الحلقة الماضية قد طرحنا سؤالا هاما وملحا وهو ما اذا كان النظام سيقبل الخوض في المفاوضات بشروطه هو حتي الوصول الي حل مع رباعي المعارضة , ويستولد هذا سؤال اخر وهوهل هناك اصلا مرجعية دولة تضع في اعتبارها من إن هذه المفاوضات ان تكللت بالنجاح حسب رغبة النظام ستؤدي الي وقف الحروب في انحاء البلاد وعودة اللاجئين الي مدنهم وقراهم وإيصال الإغاثة الي الضحايا في مناطق النزاع ؟ ,هذان السؤالان اذا وجدت لهما إجابة فالجميع سيكونون موعودون بإحلال سلام حقيقي في البلاد.
عندالحديث عن مرجعية الدولة او غرفة العمليات المفترضة فإننا سنجد الصورة غير تلك تماما, سنجد ان هناك شخصا واحدا هو الذي يملك كل خيوط اللعبة ,وهذا الشخص هوالرئيس الكوكب عمرالبشير المتحصن في قصره والذي تدور حوله الأفلاك الصغيرة والكبيرة,والذين هم مفوضون بالتفاوض يعلمون جيدا ما توسوس به نفسه ,وما هو مطلوب منهم تحديدا, اي انهم ارسلوا للحديث مع المعارضة " حركة العدل والمساواة السودانية، حركة تحرير السودان ( مناوي )، الحركة الشعبية , شمال ,و حزب الأمة القومي" لهدف واحد وهو وضع العصي في عجلة المفاوضات بوضع شروط تعجيزية مثل حل التنظيمات المسلحة وتسليم السلاح اولا وعدم التطرق لمليشيا حميدتي, او إعادة النظرفي تركيبة الجيش السوداني ثم إيكال مهمة مرورالمساعدات للحكومة فقط دون تدخل خارجي بذريعة المساس بسيادة الدولة ! وهؤلاء "المرسلون" كما ذكر لي شخص قريب من المفاوضات خائفون مرتبكون ولايستطيعون إتخاذ اي قرار إلا بالرجوع الي الغرفة الثانية في القصر ,والتي بدورها تتصل بالغرفة الأولي التي هي الرئيس البشير والرئيس ينظرالي هذه المفاوضات من خلال ماإذا كانت نتائجها ستقوده عاجلا ام اجلا الي المحكمة الجنائية في لاهاي , وهو يعرف تماما إن اي تغييرفي تركيبة الحكم الحالية حتي ولوكانت حكومة " وحدة وطنية " كما يريد ستقلب الموازين الي مصلحة المعارضة ,وتكون بداية لمسلسل طويل من الأخطار المحدقة به هو شخصيا قبل النظام الذي هو علي راسه , ان اخر مايفكر فيه رئيس النظام هو وقف الحرب في دارفور وجنوبي كردفان والنيل الأزرق وإيصال الإغاثة الي المتضررين فليذهب المكتون بها الي الجحيم مادام هو في امان , إن تمّكن عقدة المحكمة من الرجل ستجعله يتمسك بالسلطة حتي اخر نفس في حياته, فهو يضع نفسه في كفة والشعب السوداني كله في كفة اخري , وذلك موقف غريب لا نذكر له مثيلا في التاريخ إلا موقف نيرون الذي احرق روما وكان يضحك بهستريا من شرفة قصره إبتهاجا بجريمته والنيران تلتهم كل شيء .
لقد نشر الصحفي النشط الهادي بورتسودان تقريرا هاما يتعلق بإتهامات بالفساد زائفة ضد المحكمة الجنائية الدولية ,ونختار من تقريره مايعزز قولنا عن البشير حين ذكر إن "هذه الأخبار تأتي "في خضم الحملة المبتكرة التي إبتدعها مستشارو عمر البشير لتحسين صورته والتي بدأت " بفنيلة ميسي ثم مؤتمر رجل الكرامة الأفريقية في أديس أبابا ".
لست من الذين يذهبون الي الحد الذي يوصف فيه الموقعون بالخيانة والتخلي نهائياعن القضية التي ناضلوا من اجلها إلا اذا ثبت بالفعل انهم فعلوا ذلك , اما ما قاموا به فأعتبره خطوة ذكية ستكشف جدية النظام وتثبت للمجتمع الدولي انهم حريصون علي قضية السلام في السودان وإذا إتفقناعلي ان خريطة الطريق ليست إتفاقية وإنما هي دليل عمل لبحث القضايا مثار الخلاف, فأن التراجع عنها وارد متي رفض النظام الإلتزام بمحتواها ,ويومذاك سيعرف المجتمع الدولي اي الطرفين هو العقبة في التوصل الي حل سلمي لأزمة السودان .
لقد رفض ما تبقي من قوي الإجماع الوطني والتي يمثل الحزب الشيوعي الطرف الأكثرقاعدة شعبية وتأثيرا داخلها ,رفضت توقيع رباعي المعارضة علي الخريطة ,ويأتي هذا الرفض من واقع تجارب عديدة مع النظام خصوصا في الإلتزام بما يتفق معه عليه وهم في ذلك صادقون , ولكن من جانب اخر الا تري هذه القوي الرافضة إن مجرد حضور هؤلاء الموقعين الي الداخل سيعزز من حركة المعارضة في الشارع ؟,الم يكن ذلك موقف الحزب الشيوعي الذي لا يعترف اصلا بالنضال من خارج الوطن ؟ الم يرفض الحزب المشاركة في الجبهة الوطنية التي كانت تعمل من الخارج لإسقاط نظام النميري؟, الم يستدع الحزب في نداءه الشهير كوادره من الخارج للعودة الي البلاد للنضال من الداخل ؟ ,تكتيكيا اري ان العودة المفترضة للرباعي الموقع علي الخريطة هي رصيد هام يقوي من معارضة الشارع لنظام تعدي حالة الإنهاك الإقتصادي, ودخل في حالة الموت السريري ,ولانظنن إن النظام فات عليه ان تكون هناك اجندة سرية تخبؤها المعارضة المستجيبة لشروطه .
إن النظام "البشير" ليس بذلك الغباء الذي يجعله يضع الحبل حول عنقه بمحض ارداته ,وإن نجح من قبل في إجهاض انتفاضتين هزتا من عرشة فما الذي يضمن له مع دخول المعارضة الموقعة ان ينجح في قمع الإنتفاضة الثالثة ؟
اما امريكيا وهذا معروف لأي متابع للملف السوداني إن ادارة اوباما تريد ان تسجل إنجازا لها قبيل مغادرة البيت ألأبيض بعد ان فشلت في ذلك في سوريا , والعراق وليبيا ,وافغانستان , كما ان الإستراتيجية الأمريكية القومية الشاملة تجاه بؤرالنزاع في العالم لاتتأثر بمن يصل الي البيت الأبيض ديمقراطيا كان ام جمهوريا فالإدارة الراهنة اوالمقبلة والتي تعتبر السودان دولة راعية للإرهاب تري "تناقضا" في الوقت نفسه انه صمام امان لها من حركات الإرهاب في افريقيا وخصوصا داعش وبوكو حرام في نيجيريا والنيجر ,وكان الأمن السوداني قد سلم في نوفمبر عام 2015 امينو صديق اوشي حد قادة بوكو حرام المتهم بتفجيراستهدف المحطة الرئيسة للحافلات في العاصمة ابوجا ,وبالرغم من ان اسم السودان يجدد سنويا علي قائمة وزارة الخارجية ضمن الدول الراعية للإرهاب إلا ان ذلك ينسب في المفهوم الدبلوماسي الي سياسة الجزرة والعصا التي تمارسها واشنطن ضد النظام في الخرطوم واكثرمن ذلك وهو الأهم فهي تري ان اي إنفجار شعبي في السودان سيعيد سيناريو سوريا والعراق وليبيا ,ويتميز السودان عن غيره بكونه اصبح دولة تصنع السلاح وتوزعه علي نطاق واسع علي ميليشياتها في غرب السودان ,وهذا امر تقاومة بشدة السياسة الامريكية في المنطقة , لهذا السبب تدعم واشنطن خارطة الطريق كما تدعمها اوربا من منظور ان السودان احد اهم محطات الهجرة غير الشرعية اليها ,ولهذه الأسباب يستأسد النظام علي المعارضة ولهذه يضا تحاول المعارضة تكتيكيا خلق توازن قوي دوليا مع النظام الذي هو البشير.



عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.