كان ناجي القدسي شديد الإعتداد  بنفسه  كموسيقار, احسن من يعزف علي العود  بل يحّول اوتار العود الي خمسة حتي يصير اشبه بالجيتار, احسن من يختار النصوص, واحسن من يصطاد الألحان, كان يلحن وهو ماشيا في الطريق فيحسبه  من لايعرفه مجنونا, هذا الإعتداد  يقابله احساس بالظلم  يجعله في كثير من الأحيان  عصبيا  الي درجة العدوا

في عام 1975 هاتفني قسم الإستقبال في وكالة السودان  للأنباء ان ضيفا  يريد مقابلة كلينا الراحل محمود مدني وانا,عندما نزلنا  اليه وجدنا  ناجي غاضبا  يحمل حقيبة سوداء اخرج منها  فأسا جديدا صغيرا, فسالناه عن سر هذه الفأ س ولماذ يحملها  فرد انه ذاهب الي الإذاعة ليقتل برعي محمد دفع الله ويريدنا ان نعطيه اجرة الطراحة  حتي يصل الي امدرمان,كان ناجي  لايرتاح لبرعي ويظن انه يغير منه لأنه ينافسه في مملكة العود التي يتربع علي عرشها, اي "ناجي" كان يري انه يجيد العزف اكثر من برعي, وإن الأخير وهورئيس شعبة الموسيقي بالإذاعة يعاكسه  في تسجيل اربعة مقطوعات جديدة منذ اكثر من عام , ولذا قرر وضع حد  لهذا الموضوع بقتله , حاولنا تهدئته ونصحناه  بطرد هذه الفكره من رأسه والتي إن نفذها فستوقعه في خانة المجرمين القتلة  وإن البلد ليست فوضي حتي يأخذ حقه بيده, بعد جدال مضن معه اقترحنا عليه ان نذهب الي الفنان التشكيلي ابراهيم الصلحي الذي كان وكيلا لوزراة  الإعلام  في ذلك الوقت ليعرض ظلامته عليه اتصلنا بالصلحي وشرحنا له الحكاية فوافق الرجل علي استقبالنا فذهبنا اليه محمود وانا ,وناجي ببلطته ,وفي مكتبه شرح ناجي للصلحي قصته مع برعي فإتصل الصلحي بسكرتيرته ووجهها بأن لاتدخل احدا لأنه في إجتماع سيطول,كان الإجتماع هو جلسة إستماع لمقطوعات  ناجي  بعد ان ارسل الصلحي  يطلب عودا   من مكان قريب,عزف ناجي مقطوعاته وإستمرت الجلسة زهاء الساعة وناجي غارق في اوتاره  حتي افرغ  الغضب والإنفعال من داخله, ذلك كان ذلك علاج الصلحي لحالة ناجي, تحدث الصلحي طويلا عن تشابه الفنانين ,حامل الفرشاة وحامل الريشة, فحامل الفرشاة  يستدعي خياله  لخلق عالم مناقض لعالم  الواقع  الثابت معطيا عالمه شكلا مغايرا به بعض الغرابة, ,وحامل الريشة هو كذلك  يستدعي الحانه ليخلق عالما صوتيا  يخاطب الأذان وبينما اللوحة  تخاطب العيون ويتمثلها الدماغ ويمكن اذا اصغي لناظر اليها ان يلتقط اصواتا مثلما تخرج الأصوات من الة العود, عاد الصلحي فإتصل بخوجلي صالحين مدير الإذاعة  وطلب منه ان  يسجل مقطوعات ناجي,  كان تلك  نادرة من نوادر ناجي  الفنية علي ان  شطحاته وتصرفاته الغريبة قادته الي السجن في عهد الرئيس النميري ,فقد القي القبض عليه في مظاهرات شعبان التي قادها الأخوان المسلمون ضد النظام لأنه كان يجمع العلب الفارغة للقنابل المسيلة للدموع التي كانت تستخدمها قوات الأمن ضد المتظاهرين وكان ثمن ذلك شهورا قضاها في السجن, تتواصل  سيرة ناجي حتي نصل الي ذلك اليوم  الذي إستضاف فيه الصديق الصحفي يحي العوض  الموسيقارالسوداني العالمي حمز علاء الدين في منزله شارع 47 بالعمارات .

كان ليحي صالون انيق يزينه بديكور من المواد الفلكولورية السودانية , اطباق ملونة  و"مناقد" عليها فحم تضيء بلمبات  كهرباء حمراء يتوهج  الفحم  فيعطي ضوءا احمر خافتا يضفي علي المكان جوا شاعريا .

, كنا نعقد في صالونه ندوة ثقافية شهرية نستمع فيها الي موسيقي موزارت وبتهوفن واجمل الأغاني السودانية مثل الساقية ونبحث في الشعر والرواية.

في منتصف "السبعينيّات، دعا الفنان ابراهيم الصلحي عندما كان وكيلاً لوزارة الثقافة والإعلام حمزة علاء الدين لزيارة السودان للإفادة من علمه وخبراته وشاعت يومذاك إن الصلحي ربما يرشحه مديرا لمعهد الموسيقي والمسرح , تجمع الإصدقاء في منزل يحي , ابزرهم الفنان الجيلاني الواثقالذي كان عائدا  لتوه من القاهرة بعد انهي دراسته في معهد الموسيقي المصري, والملحق الثقافي السوفيتي بالخرطوم .

جاء الحضورعلي شرف حمزة علاء الدين الذي دعاه يحي العوض ليعرض لناتجربته الفنية  في اليابان وإيطاليا والولايات المتحدة الأمريكية ثم الإحتفال بصدور اسطوانة الساقية لناجي وحمد الريح وفي غمرة الطرب الصامت لعزف علاء الدين  اطل ناجي  بعرجته الخفيفة  يحمل عوده مشاركا في الإحتفالية الفنية , فوجيء  الجميع عندما اعلن علاء الدين انه سيعزف لنا مقطوعة جديدة بأسم الساقية ايضا في الوقت الذي  تأهبنا فيه لسماع ساقية ناجي القدسي, كانت ساقية علاء تصور  الحياة اليومية في بلاد النوبة , ومأساة  هجرة نوبي السودان الي ارض جديدة لم يألفوها, استدعي حمزة  التاريخ  بحضاراته  التي شهدها  النيل وكانت صور  الملوك الأوائل ترهاقا , وبعانخي , والأله  ابادماك  تخرج من اوتاره , يلفها الحنين  عندما تدلف الذكريات الي بطون  تلك العصور, فرغ علاء الدين من ساقيته  لنرد في ساقية حمد الريح, استبد  الطرب بناجي فأخذ  العود وانهمك في رسم  لوحته  الثورية, كانت ساقية عمر الدوش  تتوعد الديكتاتور جعفر النميري بأن المعركة  مستمرة معه حتي اسقاطه,مصورا في تضاعيف الرمز نماذج من البؤس الذي خلفه حكم النميري في انحاء السودان, استغرق ناجي في ملكوته  فعطل خمسة اوتار من عودة ليعزف علي بقية الأوتار محولا صوت العود , الي صوت الجيتار وطالب علاء الدين ان يفعل مثله  , وكانت اجابته  إن ناجي موسيقار كبير يبحث دائما عن الجديدولكن للعود وظيفته وللجيتار وظيفته, ولاحظ علاء الدين  ان الحان ناجي  هي قريبة الشبه من لونية الأخوين رحباني , وقد صدق في ذلك فقد ناجي مولها بفيروز كمغنية وبالرحبانية  كمدرسة  ذات خصائص  متفردة  في صنع الألحان  .

اللهم ارحم ناجي القدسي  رحمة واسعة وأبدله داراً خيراً من داره ,وأهلاً خيراً من أهله وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار.  

 
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.