صدم الملايين  من السودانيين  من" فديو " وزع  علي نطاق واسع  يظهر مجموعة  من الشباب يمسكون بلص شاء حظه  التعيس  ان يقع بين ايديهم  ويجردونه  من ملابسه  وسط عشرات اللكمات  والركلات  ثم  يضعون الشطة في دبره والضحية يصرخ  ما  استطاع  من  الصراخ ان يتركوه معلنا توبته  ومتعهدا  الا يعود  للسرقة مرة اخري,غير ان صوت المسكين  يضيع  وسط صخب  حفلة التعذيب  التي لايحدد الفديو  نهاية لها,و كان احدهم  يحمل  عصاة  يحشر بها مادة  الشطة   في دبر الرجل كانه  يسلخ  في جلد خروف ولنا ان نتصور شحنة الألم الذي يجتاح كيانه من اخمصه الي جلدة رأسه وهو مهصور تحت الأقدام  يعوي مثل حيوان جريح .

لقد انقمسنا الي قسمين حين رأينا  هذا  الفيديو , قسم يري  إن  الدولة  حين ترفع  يدها عن  امن الناس  فعلي الناس  ان يحموا  امنهم  بأنفسهم  خصوصا  وإن اللصوص  الليليون  الصغار "المساكين" في السودان بات بعضهم  يحمل السلاح  ويوقظك من النوم  ويضيئون  المنزل ليختاروا  مايسرقونه تحت هلع  اطفالك  وزوجك , وفي بعض  الأحيان  يكون  من بين  اللصوص أنفسهم  بعض رجال الشرطة , اما القسم الثاني  وهو الأصوب  كان يري  ألآ يعتدوا علي اللص  بل يتعين عليهم  تسليمه  للشرطة التي تمارس وظيفتها  حتي يصل  اللص الي المحكمة.

اندهشت  حين قرأت في مواقع التواصل  الإجتماعي  لعديدين  يرون ان  ماجري للص  ليس من اخلاق الشعب السوداني  هذه المقولة  السخيفة  الخاطئة التي ندفع ثمنها اليوم  , نعم هي  من اخلاق الشعب السوداني  الف ومليون مرة , فحين نعود  للوراء نكتشف ان الظاهرة  قديمة  قدم  الناس واللصوص كانت ولاتزال موجودة , ففيالأسواق  يكفي ان يصيح  احدهم  حرامي   حتي يترك  الناس  بضاعتهم  ويترك زوارالسوق  ماجاؤوا  من اجله  لينخرط  الجميع  في مطاردة اللص اوالنشال فتسقط  عليه  الضربات من فوق ومن تحت  حتي تأتي  الشرطة فتتسلمه  بقايا  لص ,وفي المركز  تجهز عليه تماما , ولكن مع ذلك  كان هناك  عقلاء يتدخلون  ويمنعون  المزيد  من اذية  اللص, كان ذلك  يحد ث في ظل كل الحكومات ديمقراطية  كانت ام  ديكتاتورية, اذن  فأن تعبير  ليس هذا من اخلاق الشعب السوداني  يجانب الحقيقة.

فالظاهرة كما قلنا هي من "اخلاق الشعب السوداني"  وانه يمارسها في الآحياء ويشكل لها  فرقا  تتجول ليلا  في الأزقة , ولها ان تضرب  اللصوص  وتعذبهم كيفما تشاء مادام  الحكومة  قد تخلت عن  دورها.

ثمة مفارقات عجيبة  وسط هذا الجيل  الذي  اعتدي  علي لص الفيديو  ففي الحي نفسه  الذي وقعت في الحادثة  تجد لصوصا  اخرون  يتمتعون  بالتجلة  والأحترام  يحيون  الناس  من خلف زجاج  مظلل  ويتمني  شباب الحي ان يكونوا  مثلهم ,فهم في شرعتهم  ليسوا لصوصا , وإنما  شطار  واذكياء  استطاع   بعضهم  ان يشيد  عمارة  في مكان بيت الطين , واستطاع  اخرون  ان يمتلكوا السيارات والزوجات , مثني وثلاث, ورباع , لقد تفتحت عيونهم علي ثقافة  جديدة  بذرتها  الإنقاذ  وهي إعتبار السرقة والإختلاس , والتزوير  ممارسات عادية , بل هي من صميم الدين , انظر  بعضهم تحت الضوء وتضاعيف الظلام , قضية مكتب الوالي , موت غسان , واخر العروض  مدير مكتب مدير الجمارك الذي هدد بإزاحة  الستارة كلها  عن مسرح العبث الإسلامي, كل هؤلاء ينظر اليهم  الشباب نظرة اعجاب  ولايفكر احدا  ولن يجرؤ في ليس  وضع الشطة في مؤخراتهم  بل  حتي تعبيثة وجه حين يمرون بسياراتهم   ويمرحون  ويسرحون.

في عهد  بارونات  "الإنقاذ" تحطم كل شىء وانهار ,تحطمت الخدمة المدنية , وتحطم الجيش, تحطم جهاز الشرطة , تحطم القضا ء, اما الحطام الأكبر فقد كان "في أخلاق الشعب السوداني" هذه المقولة  فارغة المضمون عديمة الجدوي, هل كان من الممكن  تصور ان يكون  تحت  اقدام هؤلاء الشباب  بشطتهم ربيع عبد العاطي مثلا, او نافع علي نافع,  او علي كرتي, او احد اشقاء الرئيس  ؟ وهل كان متاحا طوال اكثر من ربع ان يسألوا  انفسهم  لماذا لجأ هذا  اللص التعيس الي السرقة ؟

لقد شاهدت  بعيني رأسي في إجازتي  السنوية " سعداء "غير  اللص التعيس يأكلون لحم الحيوانات  النافقة  ومن النافذة رأيت  عربة بوكس  عليها مخلوقات  تتوقف امام  برميل  نفايات  لترفع  بالقرب  منه "غنماية"احرقها صاحبها  حتي لاتؤذي  رائحتها  السكان , وكان منظرا  مقذذا ولكنه كان ايضا  امرا مألوفا  لايجذب إهتمام المارة .وقد حكي لي صديق سرق  هاتفه الجوال  كيف كانت الشرطة  تتقاسم  الموبيلات ويعطي الضباط  الغالي الثمن منها, وقرأنا كلنا عن ذلك الضابط الذي اعتدي علي القاضي  وحبسه كمجرم ,وقرأنا عن ذلك القاضي  الذي اكل نصيب  زميليه في قضية الميرغني,  و لفت نظري  سائق امجاد وانا اركب معه الي عماره من ثلاثة طوابق  قال هل تصدق  ان هذه العمارة  هي "لصول " كان يعمل في المرور!

?في عام  97  عند ما  كنا نصدر جريدة الفجر المعارضة من لندن  نشرنا خبرا بأن سودانين  يعملان  حارسين في مزرعة  في كندا  قبضا  علي لص  ابقار فأشبعاه  ضربا ,واوثقاه  ثم وضعاه  في صندوق السيارة الخلفي وتوجها  به الي اقرب مركز للشرطة, فصعقت  الشرطة  عندما  اخرج المتهم  من الصندوق الخلفي , وعلي الفور افرج  عن اللص  وجري إعتقال السودانيين بديلا عنه لأن ما قاما  به  لم يكن يخطرعلي بال  احدفي هذا  البلد  المتحضر فتناولته الصحافة  ووسائل الإعلام  بإعتباره  ثقافة  غريبة خطيرة تهدد المجتمع , ملقية المسئولية علي الحكومة ,ومطالبة بإعادة  النظر في ملف المهاجرين, هذه الحادثة في وجه تلك  توضح كم هوالفارق  بين عالمين  متباعدين  كتباعد المجرات عن  بعضها .

حتي كتابة هذا المقال  لم نسمع  او نري اي رد فعل  من قبل الحكومة  ازاء  هذه الجريمة وهذا يعني ان ذلك لايثير إهتمامها , ولكن هي فرصة ثمينة  لمنظمات  المجتمع المدني  ان تفضح  سلطة الإنقاذ  وفشلها في حماية امن مواطنيها , وفرصة  كذلك  لتوثيق  الجريمة  البشعة  حتي  يقدم مرتكبيها  الي العدالة الدولية  وينالو ن  العقاب علي فعلتهم تلك.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.