في اعقاب توقيعة وثيقة باريس مع الجبهة الثورية توجه الصادق المهدي مباشرة الي  القاهرة معلنا ان غيابه عن البلاد سيطول مما يعني ان اختار المنفي ساحة للنضال , بينما عادت ابنته مريم  الي البلاد  ليعتقلها  الأمن  في مطار الخرطوم  ويحيلها  الي سجن النساء  بأمدرمان, وكان الأصوب والأجدى والأكثر شجاعة ووطنية  ان يعود  المهدي  نفسه الي  الخرطوم  ويستقبله انصاره والشعب السوداني بالالاف مرحبين به وبالخطوة  الكبيرة التي انجزها مع الجبهة الثورية , ويومئذ  كان النظام سيحسب الف حساب  قبل ان يعتقله ,وحتي لو اعتقله وهو امر متوقع فأن عملية الاعتقال  قد تتحول حتما الي مواجهة بينه والجماهير الثائرة وربما تقود ان احسن استقلالها  الي إنفجار الشارع  فتنشب انتفاضة  جديدة  ستؤدي حتما الي اسقاط  النظام وهذه ضريبة النضال كان عليه ان يدفعها  كما يدفعها الان  البطل ابراهيم الشيخ زعيم حزب المؤتمر السوداني, غير ان الصادق اختار طريقا أخر وهو محاربة النظام من خارج الحدود وهو الأمر الذي طالما رفضه واستنكره في تسعينات القرن الماضي فعاد الي السودان بعد ان وقع مع النظام علي إتفاق جيبوتي ,ومنذ ذلك التاريخ  ظل المهدي يسعي مع النظام “سلميا” ليتخلي عن السلطة وتستعاد الديمقراطية عبر الحوار الوطني و"المؤتمر الدستوري الجامع," ومن كثرة تصريحاته واستنباطه للمصطلحات السياسية  والتسميات , والأمثال الشعبية فقد عدد  كبير من الناس الثقة فيه واتهمه البعض بأن لا رغبة لديه اصلا في اسقاط النظام ,وزاد من هذه الشكوك استمرار مشاركة اثنين من ابنائه في النظام    دون ان يمنعهما مقدما تبريرات غير مقنعة ارجعها  "للتربية اليدمقراطية"  في الأسرة, وحرية اختيار افرادها ما يريدون دون تدخل منه , أو إن الأثنين غير عضوين في حزب الأمة  بالرغم  من ان معلومات غير مؤكدة  تقول ان مساعدات  مادية كبيرة  من النظام تصله بواسطه ابنيه وهو الذي طبع معارضته بهذه الرقة والنعومة, اما موقفه من التنظيمات التي تحمل السلاح وخصوصا الجبهة الثورية فقد دمغها دائما بالجهوية وحذر من انها ستكون اخطر من "الإنقاذ " ان هي وصلت السلطة عبر العمل المسلح , وقبل ذلك كان  أدان من التلفزيون الرسمي هجوم الراحل خليل ابراهيم علي  امدرمان واعتبره عملا اجراميا وعنصريا .
اذن فلنجعل كل هذا وراء ظهورنا ولنمسح كل المواقف السابقة بممحاة التكتيك السياسي الذي لايعرف المواقف الثابته , او كما يقال فلنفتح صفحة  جديدة مع الإمام  ونحسن النية  فيما اقدم عليه بتوقيعه  ميثاقا  مع الجبهة الثورية  تضمن مصطلحة  "تغيير "النظام وليس "اسقاط "لنظام , ولنقدر الظروف التي جعلته  يختار الخارج  للنضال ضد النظام وهو امر مقبول ايضا في اطار المقاربة بينه وبين ابراهيم الشيخ من حيث الإيمان بالمبدأ والقدرة علي الصمود  في وجه الجبروت ,فلننس  كل هذا ونعترف ان موقفا جديدا سجله المهدي عندما ذهب الي باريس واختار التحالف مع الجبهة الثورية وهو عمل  بالمنظور السياسي  وبحسابات الحقل والبيدر يعد ضربة في مقتل اصابت النظام  وجعلته يترنح ,وخلطت الاوراق لدرجة  ان "ماري لوبان " السودان الطيب مصطفي اشاد بأعلان باريس وهو ما يعد موقفا يصب في مصلحة المعارضة ويأخذ مزعة من لحم الحزب الحاكم بعد ان ارتبك واختلف قياديوه  في وصف الإعلان .
ثمة ضربات استباقية وجهها المهدي للنظام وحلفاؤه ,واحدي اقوي هذه الضربات هي الضربة التي وجهت للترابي العدو "الكيمائي"  للإمام والذي يراهن علي إنتاج  نظام  تهتكت انسجته وضعف بصره بفعل السكري السياسي الذي يعاني منه , فا لترابي الذي يجيد  دخول الماّزق ولا يتعلم ابدا من أخطائه القاتلة لم يحسن قراءة  المشهد السياسي وهو امر طبيعي لرجل تجاوز الثمانين ضعفت ذاكرته ,ودب الكبر في جسده ,فبعد خمسة عشر عاما من العداء المتطرف للبشير شخصيا عاد الترابي ليصافح الغريم القديم يدفعه طموح مختلف هذه المرة ,وهو اعادة اللحمة لحركة الأخوان المسلمين في السودان بل في المنطقة بعد  ان سحقت  في مصر و"تعلمنت " في تونس ,وتواجه الحرب في ليبيا ,وهو موقف ينطبق عليه مثل "شجرة الدليب وظلها ". فالترابي  فضل الدفاع عن الجماعة وليس الدفاع عن الشعب السوداني .
من واقع ماجري في باريس يمكن القول ان تغييرا ما حدث في رؤية المهدي ,كما الشيء نفسه حدث  بالنسبة للجبهه الثورية ,والذي يقرأ اعلان باريس  بدقة  يكتشف التنازلات التي قدمها  الطرفان خصوصا فيما يتعلق بمفردات التعبير التي وردت في الاعلان.
اخيرا هل سيتخذ  الصادق المهدي من القاهر مقرا له ويدير منها معاركه المتوقعة مع  النظام  في الخرطوم ؟ وهل سيستفيد  منه نظام السيسي كورقة ضغط  علي النظام ؟هل سيلجأ الي تكوين جسم معارض بالتنسيق مع الجسم السوداني هيئة الإجماع الوطني يكون هو رئيسه ويعيد استنساخ تجربة التجمع الوطني الديمقراطي ,ام  ستجري عملية تطوير لصيغة الجبهة الثورية لتضم حزب الأمة والمنظمات والحركات السياسية الأخري في الخارج  وفي مقدمتها الجبهة العريضة التي يقودها علي محمود حسنين, كل تلك اسئلة ستجيب عليها الأيام المقبلة ,ومهما يكن من امر فاننا  نشيد مرة اخري بتوقيع المهدي إعلان باريس مع الجبهة الثورية ونري انه المدخل الوحيد لإسقاط  نظام العصبة الأخوانية في السودان .

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
//////////