" بحري دخلت بيت الحبس" هذا هو عنوان  الرثاء الذي سطره الراحل علي المك في موت الفنان الكبير عبد العزيز محمد داؤود , وفي رحيل شاعر الشعب محجوب شريف نقول السودان دخل بيت الحبس, نعم دخل السودان بيت الحبس بعد موت قيثارة الفقراء والمساكين ملوحا لهم بالوداع بابتسامته الوديعة ,وعينيه الطيبتين, وجنانه الثابت وإراداته الصلبة التي لاتعرف الخوف ولا تختار انصاف الحلول, رحيل محجوب هو اخر قصيدة  كتبها الالاف من مشيعيه ,قصيدة ملفوفة بقماش ابيض تطرز قوافيها دموع الفقراء والشماسه ,عابري السبيل ,ورعاة الأبل في البوادي, وزراعي الأرض في الجزيرة والمناقل وشمال وغرب السودان  والواقفون تحت روافع الحديد محني الظهور متيبسي الجلود في ميناء بورتسودان, دخل السودان بيت الحبس ولبس القنجة وكال علي رأسه الرماد و"تتفن "في التراب وسف التراب يوم  فجيعته الكبري  برحيل  قيثارة الشعب , وضمير الشعب , وخادم الشعب محجوب شريف , شرف الوطن , وروح الوطن, ونبض الوطن  وعز الوطن, ومنارة التائهين وملاذ الخائفين وناكر ذاته في حضرة ذوات الاخرين ,دخل السودان بيت الحبس فأجهشت بالبكاء جدران السجون ونوافذ الزنازين , ونكست رؤوسها بنادق الحراس واطرقت اواني السجن وطارت غربانه محلقة تنعق فوق موكبه حزنا علي نبل يموت وصمت يوغل في السكوت ولحظة جامدة  لا تحضر ولا تفوت, مات محمود محمد طه  مبتسما امام جلاديه كأنما هو ذاهب الي حفلة عرس, ومات محجوب وكان يعلم انه سيموت فكأنما هو ذاهب الي القاء قصائد في مركز عبد الكريم, لم يكن يخاف الموت  ابدا , كان يحس الموت تحت مخدته وفي اطراف لحافه , وفي سقف غرفته وفي نوافذها ,يترك باب بيته مشرعا طوال اليوم يدخل الداخلون  ويخرج الخارجون وهو طريح الفراش صدره يعلو ويهبط ككير حداد ,وانفاسه  تتقطع كموجات كهربائية  تضرب جسده النحيل فتزيد من قوة إحتماله ,وترفع من روحه .
عندما جاء محجوب من بريطانيا الي الدوحة  ليقف مع صديقه الراحل محمد وردي في عملية نقل الكلية اليه , احاطه الجميع بالحب والتقدير فأحال ليالي الدوحة الي حدائق من الشعر وشرف بيوتها  بحضور مناسباتها المتعددة, دعوات للفطور والغداء والعشاء من اناس يعرفهم ولا يعرفهم يلتقيهم لأول مرة ,فكان يستجيب لكل داع وهو الذي يتناول الطعام بأطراف اصابعة  كعصفور ينقر الحب, ذهب معنا الي السوق الصديق ابراهيم بخيت وانا وهو يتأهب للسفر,سألناه ماذ يريد من ملابس جديده له , فضحك بلطف مستنكرا السؤال ومضي يذكر لنا  اسماء شماسة مثل جون وكوكو ورقية وحاجة  بتول ومريم  ولولا ,وستات شاي ,وبائعات قراصة قال انهم اهله وعشيرته وان كل هذه الملابس والأحذية لهم, اما هو فكان مثل بشر الصوفي الحافي خرج من السوق نعليه تحت ابطيه وخرج من الدوحة كما دخل اليها ,ولكنه اوصانا بالهكر نرسله له في السودان فهو عظيم الأهمية بالنسبة له ,وهاهو يخرج الان من الدنيا كلها فقيرا مثلما عاش فقيرا وكان رد الجميل هو شعاره الجميل.
في امسية شعرية كانت بنادي الغزال بالدوحة كنت مقدمه للحضور, قلت في ستينات القرن الماضي وانا طالب في المرحلة الثانوية, سمعت صباح جمعة صيفية طرقا خفيفا علي باب منزلنا بحي بانت في مدينة ودمدني وكنت لتوي  مستيقظا من النوم ,وعندما فتحت الباب اطل شاب وسيم حيي خجول قدمه نفسه محجوب شريف طالب بمدرسة المدينة عرب الوسطي سألت سالت حتي وصلت اليك, كنت زمانئذ احاول كتابة الشعر وتنشر لي الصحف من وقت لاخر بعض القصائد المكسرة , جاء اليّ يحمل بعض القصائد باللغة العربية الفصحي  وليس بالدارجة , كما برع في ذلك  فيما بعد, من اول وهله عرفت ان به روح الشعر ,ولكني لم اصدق بعد مضي سنوات ان كل هذا الهدوء الشفيف سيتفجر حمما بركانية, في وجه الظالمين وسيدخل صاحبه السجون ويحبس في الزانزين ويختار طريق الأشواك علي طريق الحرير التي يغطس في رياشها شعراء السلطان.
في الهند ماتت الأم تريزا وهي تعيش بين الفقراء والمحرومين والمجزومين, وحين منحت جائزة نوبيل للسلام قال تمازحه ما معناه " لا اريد الجائزه . فقط اعطوني المكافأه الماليه التي تأتي معها كي اعود بسرعه فأنا بحاجه لهذه الاموال لأولادي – وتعني الفقراء في مدينه كلكتا الهنديه حيث عاشت معظم حياتها تساعد الفقراء والمعدمين, وهاهو الأب محجوب عاش معظم ايام عمره يساعد الفقراء وابناء الشمس وسكان احياء المجاري يؤهلهم كي يصبحواقادرين علي الحياة, اللهمارحم  شاعر الشعب رحمة واسعة وأغفر له ذنوبه واعفو عنه واجعله من عبادك الصالحين في الجنة يارب العالمين وحسن اولئك رفيقا .



عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.