1-3    
في  سفره  الضخم والذي وسمه  بعنوان محمود محمد طه والمثقفون   قراءة في المواقف وتزوير التاريخ , ازعم ان الكاتب الباحث عبد الله الفكي البشير قدم للمكتبة السودانية ما لم يقدمه كاتب وباحث سوداني قبله في تاريخ الكتابة في السودان , وازعم  ايضا وان بعض الزعم  حقيقة ان البشير ناء طوال جمعه مادة هذا  الكتاب التي استغرقت  سنوات بحمولة فكرية عظيمة جال بها المكتبات ودار الوثائق وبطون الكتب بيضا  حديثة  معاصرة كانت ,او صفراء سلفية تحمل روح  التراث, او اجنبية تنظر من الخارج في  جوانب من ثقافة  السودان, ومن  دفتي الكتاب حيث تأخذ الأفكار والرؤي رؤوس بعضها البعض تظهر ما يمكن ان اطلق عليه " فحولة فكرية "لاحدود لها تمتع بها الكاتب وهو يجالد الكسل الذهني ويقيم المصدات امام التأجيل, ويلعن شيطان التراجع في معركة  فكرية شاقة لايقدر عليها  الا  من به  ارادة  التحدي لخوض "غابات امازون فكرية " لم تطئوها رجل من قبل, ولايعني هذا ان عبدالله هو السابق لغيره أوجاب لما قبله في مجال الاسهام الفكري , فهناك من أسهموا  في اثراء المكتبة السودانية بمادة يعادل ثقلها الفكري ثقل الرصاص المصبوب, ونذكر منهم علي سبيل المثال لا الحصر منصور خالد  ,حيدر ابراهيم ,وعبدالله علي ابراهيم, كمال الجزولي  عبد السلام نور الدين ,محمد جلال هاشم , عبد الغفار محمد احمد, محمد المكي ابراهيم , محمد ابو القاسم حاج حمد , وغيرهم كثر لايسع المقال لذكرهم ولكن ما اقدم عليه  البشير اعتبره عملية غوص في اعماق محيط لجب وصل فيه الي منطقة الرخويات وهي  اخر محطات العمق في المحيطات.
كان موضوع عبد الله الشائك هو المفكر المظلوم محمود محمد طه الذي اعدم مثلما تصور افلام الغرب هنود حمر يرقصون حول ضحيتهم من البيض قبل حرقه بالنار, ففي ساحة سجن كوبر تجمعت الرجرجة والدهماء ليشهدوا اعدام رجل  لايعلمون عنه شيئا سوي ما علمه لهم إعلام سلطة النميري انه  كافر زنديق ولا يصلي ويدعي النبوة, ووسط زعيق يشبه نعيق غربان سود هتفت الغوغاء الله  اكبر الله اكبر بينما كان الجسم الطاهر يتدلي بحبل المشنقة في حفرة الموت الابدية.
هذه كانت النهاية المأسوية لمحمود محمد طه ,والبداية الرصينة لكتاب عبد الله البشير الذي تناول الشهيد من جميع جوانب حياته  جاءت كالآتي بغير ترتيب "لمحات من السيرة والإنتاج الفكري  والدراسات السابقة,  قراءة في القراءات السابقة مرحلة الفقهاء, تعطيل الطاقات الحيوية وتجميد حركة التغيير, بداية توصيف صورة الاستاذ محمود "الأصوب المفكر محمود" الدور لوطني والسودان في مشرع الاستاذ محمود,  دور الأستاذ محمود في الحركة الوطنية السودانية, ثورة رفاعة والخفاض الفرعوني, الفهم الجديد للإسلام ومؤامرة التحالف الإسلام ومحكمة الردة والشراكة في الإغتيال,مارس عبد الله مايمكن تسميته بالكتابة الاركويولجية الجديدة التي  تعتمد علي متابعة عروق المشكلة مثل متابعة  الاركيولوجيين عروق الذهب فى ظلمة المناجم ,فاستعان بكل ماوقع تحت يديه من وثائق متعلقة بالمفكر بدءا من  اول ظهوره في  رفاعة  "قضية الخفاض  الفرعوني" وحتي اخفاؤه من الحياة  في ساحة اعدام سجن كوبر                       
في مسيرته البحث عن الحقيقة اختار  الكاتب اربعة شروط في التناول هي القضية , طبيعة القضية , توصيف القضية  بيئة القضية, وعليه نجح عبد الله في التوصل الي مايريده  من نتائج  بناء علي هذه النظرية, فعلي صعيد  الظرف التاريخي ,  فأن الكاتب جعل قاريء الكتاب اولايقف علي عصر الاستعمار الانجليزي كسلطة اجنبية غزت السودان تحمل مشروعا  كلولوناليا في مقدمته اشاعة  ثقافة الخوف من الرجل الابيض والتعامل معه بأعتباره كائنا  قادما من كوكب اخر , ثم بعد ذلك إدخال المجتمع السوداني  كله في هذا القالب , قالب الخوف المفضي في النهاية  الي السيطرة,
وسط  هذا  التاريخ  الغارق في التخلف والذي عالجة عبد الله  بنجاح كانت نسب الوعي بخطورة الوجود الأجنبي تتفاوت بين  متعلمي  ومثقفي ذلك العصر, فمنهم من تقبل ذلك عن جهل مثل بسطاء الناس  " العامة "  ومنهم   "طبقة الافندية " كما يطلق عليها الراحل خالد الكد والتي اختلفت الرؤي فيما بينها  تجاه  السلطة الاستعمارية الجديدة , فمنهم من ايدها  من  منفعة شخصية وتلك شريحة كبيرة ومنهم  من نظر اليها من  منظور ديني باعتبارها سلطة كافرة ولكنها صارت امرا واقعا وهي مفيدة   .
في كتابه معذبو الارض "  تجاوز المفكر المارتينيكي الأصل فرانز فانون  والذي حارب مع الجزائريين  ضد الفرنسيين من اجل الاستقلال , تجاوز الاستعمار و الخاضعين للاستعمار  وتكمن هذه الإضافة، في أنه رفض " الجدل" الذي اعتبر مرور دول العالم الثالث من الاستعمار ضرورة تاريخية لتحول المجتمعات نحو الحداثة والاشتراكية وبالنسبة له فان أحد هذين الطرفين زائد ويجب أن يزول. وهذا الزوال عليه ان يكون تاما و شاملا وبلا رجعة : " إن محو الإستعمار على أي مستوى هو إحلال نوع انساني محل نوع انساني آخر كليا شاملا مطلقا بلا مراحل انتقال ويذهب فانون بعيدا في تحليله ليؤكد أنه لا وساطة بين طرفي العالم الكولونيالي، وأن الحدود الفاصلة بينهما هي الثكنات ومراكز الشرطة والدرك، لأن هذا العالم مطلوب منه أن يبقى منقسما الى عالمين والا ما عاد عالما كولونياليا"  وفي السياق نفسه, سياق حاضرية ومستقبلية  الرؤية للسطة البريطانية في السودان,فأن محمود محمد طه  كما يذهب عبد الها البشير تجاوز معاصريه من المتعلمين في رؤيته للاستعمار البريطاني كسلطة إحتلال , وعكس رؤية فانون الماركسية كانت مرجعية رؤية محمود اسلامية  ولكن خالطتها مسحة علمانية , اي ان محمود  لم يحصر نظرته فقط في اطار كفر الانجليز, ولكنه اضاف  اليها بعدا اخروهو هدف الانجليز كسلطة استعمارية جاءت لسودان لتغير ثقافته  ولتنهب موارده من المواد الخام ,وعليه في هذا المجال ,المجال  الثقافي  كانت اولي معاركه هى معركة الخفاض الفرعوني وقد جاءت هذه المعركة في إطار ما اطلق عليه الكاتب مبدأ المواجهة ,وقد تطور هذا المبدأ حسب عبد الله ليكون الاستاذ اول من اصدر منشورات سرية ضد  الادارة البريطانية كان يقوم بطبعها بمفرده وهو موظف في ظل هذه الادارة, وهنا نكتشف ان محمود محمد طه اختلف عن معاصريه  في التعامل مع البريطانيين وهواختلاف نوع رؤية  كما اسلفنا ,ويدلل علي ذلك موقفه من مؤتمر الخريجين ,ومن المجلس الاستشاري  ومن الاحزاب الطائفية , ومما أطلق عليه  وحدة وادي النيل  عند هذا  الحد نعود لقراءة محمود المستقبلية  للقضايا, اي انه كان يملك قدرة خارقة علي تحديد ما سيقع في المستقبل إستنادا الي مايقع في الحاضر, اي انه يربط الزمنين وفقا  لطبيعة الاحداث التي وقعت فيهما.وتلك قدرة فكرية لم تكن متوافرة لأي من من معاصريه  من السياسيين في ذلك العصر,اذن فان محمود هو عين المفكر العضوي الذي  يهتم بالشعب ويتفاعل مع همومه , ينزل الي الناس بفكره ولايجعل الناس يطلعون له   يشيع فكره في الشارع خطابا مبسطا للعامة  , ولا يستعصم بالفوقية  مثلما   كان غيره يفعل  .
طرح عبد الله اشكالية الاكاديميا السودانية  موقفها من محمود وموقفها  من السلطة ,وفهمت من مصطلح  الاكاديميا الذي استخدمه الكاتب انه يعني اهمال محمود من قبل الدارسين الأكاديميين وابتعادهم عن "منطقته "وهذه حقيقة لامجال الي إنكارها ,وقد ركز الكاتب في هذا الصدد علي التقصير المتعمد من مجمل هذه الاكاديميا السودانية مؤسساتها ,شخوصها , مؤتمراتها , مراكز دراساتها في اسقاط محمود المقصود من  مرجعياتها وإطاراتها المعرفية., ولكن علينا ان نتساءل لماذا  تهرب ولاتزال الاكاديميا  من ذكر دور محمود في الحركة  "الفكروسياسية " وسريعا ما نعثرعلي الاجابة وهي الجبن الفكري من السلطة , ايا كان نوع  هذه السلطة ديكتاتورية كانت ام ديمقراطية ,وهذا في تفسيري يعود الي طبيعة الأكاديمي نفسه ونسيجة الأخلاقي , وشجاعته  وإستعداده لتحمل نتائج كتابته المفترضة, وقبل هذا الي المؤسسة  نفسها التي تتنكر نهار جهارا  لشروط الامانة العلمية المعروفة المتفق عليها عالميا.
اشاع  الفهم  الساذج او  الفهم "البلدي" كما نقول انطباعا  ترسخ في اذهان الكثيرين من إن محمود محمد طه  كافر مرتد وانه لايصلي  ,أو يدعي سرا النبوءة ايضا, وتكّون هذا الفهم عبراعلام علني مارسه الاخوان المسلمون ضد الفكر الجمهوري  في المساجد والمندتيات ,ونشط هذا الاعلام  في مرحلتين مرحلة الإستبداد الديمقراطي الذي مارسته الأحزاب الطائفية ورأ ت فيها الرجل يحاكم  امامها كمرتد دون ان تحرك ساكنا, بل تواطأت  لتتخلص من هذا الكابوس الجاسم علي صدرها بعد ان  فشلت في مقارعته فكريا , ثم مرحلة الإستبداد العسكري , ونأخذ مرحلة النميري نموذجا حيث استغل الاخوان سذاجة النميري الفكرية ثم دخوله عالم الشعوذة فاوغروا صدره ضد محمود, ومن جانبه استغل النميري الفرصة ليشغل الشعب بقضية إنصرافية عن الأزمة الطاحنة التي تستحكم في السودان , فالنميري  كديكتاتور لم يكن  قد قرأ  في حياته مختصر خليل , أومتن الاجرومية ناهيك عن قراءة  محمود, علي اننا نعود للقضية الهامة التي  نكأ جراحها عبد الله وهي  قضية الاكاديميا والمثقفين, وفي توصيف هذا الامر ان عددا كبيرا منهم اّثر السلامة  فلم  يتصدوا لمقاومة النميري والوقوف  ضد إغتيال الشهيد, بل ان  منهم ركوبا لموجة النفاق  استحسنوا الجريمة إرضاء وتزلفا  لديكتاتور اراد ان يحافظ علي عرشة من خلال الجريمة, وتركوا الإدانة  تأتي من الخارج بدلا من الداخل .
يقول الدكتور منصور خالد معلقا علي المحاكمة "علنا نظلم التاريخ إن لم نقف أمام المحاكمة التاريخية التي جرت لمحمود محمد طه بما اكتنفها من جهالة جهلاء وضلالة عمياء، إدانة للحاكمين قبل أن تكون إدانة للشيخ الوقور الذي أبى له صدقه مع نفسه أن يقف احتراماً لمن ليسوا بأهل الاحترام. وقف الشيخ الجليل يومذاك متهماً بإثارة شعور الكراهية ضد النظام وإزعاج السلام العام، ولم يكن قد فعل شيئاً أكثر من نشر رأى آمن به بأسلوب هادي ومنطق رصين، فما استجاش محمود الجموع لمحاربة النظام كما فعل غيره من المعارضين في مارس 1970 أو يوليو 1976،  ولا دبر انقلاباً عسكرياً على النظام كما فعل غيره من المناهضين في يوليو 1971 وسبتمبر 1975 ولا قاد تمرداً عسكرياً كما فعل غيره في جنوب السودان منذ عام 1983".


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.