ذكرني الخطاب الذي ألقاه امس الرئيس عمر البشير بخطابات الرئيس الراحل جعفر نميري الراحل التي كان  يتقاسم كتاباتها ,الشاعر منير صالح عبد القادر, واحمد عبد الحليم , وعمر الحاج موسي وجعفر بخيت ,وعون الشريف وصولا الي محمد محجوب سليمان الذي احتكرها عندما صار مستشارا صحفيا  له ,فأدخل عليها أسلوب محمد حسنين هيكل الذي كان سليمان معجب به اشد الإعجاب, وكان من عادة  المنافقين من سدنة مايو ان يقترح احدهم  وبصوت عال بعد فراغ  النميري من إلقائه اعتبار الخطاب وثيقة تاريخية  تضاف  وثائق  أخرى "خطابات سابقة" وليصبح موجها للعمل الوطني في المرحلة القادمة فيصفق الجميع وسط هتافات بحياة الزعيم .
ومن اشهر خطابات ذلك "العصر" الخطاب الذي القاه عمر الحاج موسي في قاعة الصداقة , واسلم بعدها الروح  اثر ازمة قلبية عنيفة بعد ساعات من مغادرته الي منزله , ووصف بعض الشامتين عليه يومذاك موته المفاجئ بأنه عقاب سريع من الله جزاء لنفاقه الرئيس الذي امطره بصفات اقرب الي صفات الانبياء ,وقال فيه نثرا وسجعا وطباقا , وجناسا اخرج فيها اخرما في قاموسه من مفردات شعرية  ما لم يقله جبران خليل جبران في جمال الطبيعة  , قلت ذكرني خطاب البشير بخطابات النميري التي كان كاتبوها يتبارون في  إظهار مقدراتهم اللغوية فتجيء إنشائيه فارغة بلا مضمون ,ولكن الصحافة تحتفي به في اليوم الثاني  ويتسابق المنافقون في تحليله واعتباره علامة فارقة بين مراحل الثورة, وهكذا كان خطاب البشير  علامة بارزة  ظهرت ضيقا دبلوماسيا  مؤدبا علي وجوه ضيوفه من السفراء  العرب والاجانب ,وحيرة ودهشة علي  وجوه الذين انتظروا ان  تكون المفاجأة  بقدر ما روج لها من تكهنات ذهب بعضها الي ان الزعيم قد يتبع إنقلابه الاخير بانقلاب اخر يحل فيه الحكومة الجديدة ,ويقبل بشروط المعارضة بتشكيل حكومة انتقالية ويؤجل الانتخابات وصولا الي مؤتمر دستوري يقرر في مستقبل الحكم في السودان, ويزيد علي ذلك بإعلانه, وقف الحرب في جنوب كردفان,والنيل الازرق, ودافور,ويلغي اتفاق سلام الدوحة ,ويعترف بالجبهة الثورية تمهيدا لسلام حقيقي يعم البلاد إستعدادا لمرحلة جديدة  تنهي عقودا من الحروب والمظالم , وتفتح صفحة لسودان مغاير يسع الجميع وليس لسودان يسع فقط ابطال وكومبارس حزب المؤتمر, كثيرون من ذوي القراءة الجيدة والإستقصاء الحصيف عرفوا وتيقنوا الا جديد يمكن ان يأتي من رئيس النظام وهو يفرغ علي التو من الإطاحة بالحرس القديم ليحل محلهم حرس شباب جدد  يمد بهم عمر نظام يتآكل مثلما  تتآكل ضفتي النيل بفعل الهدام,والذين نظروا الي المناورة الجديدة ونقروا علي سطحها  نقرات خبير بطيخ  مدرب ,عرفوا ان البشير يريد شد انظار عامة الناس وإيهامهم بأن عجلة التغيير تدور,ولن تتوقف عند القضاء علي الحرس القديم,ولكنها ستمتد لتصل الي المفاجأة التي ابلغ بها كارتر تاجر الانتخابات في العالم الثالث , وواضح ان استخدام اسم كارتر في اللعبة السياسية كان القصد منه إعطاء ما اعلن عنه مصداقية لم تكن لتتحقق اذا كانت  قد جاءت عبر  تصريحات للصحافة ,او مقابلة مع احدي الفضائيات ,وهذا ما جعل من "الجنجويد الصحفي" كما اطلق عليهم الصديق حيدر ابراهيم يتسابقون في الترويج للمفاجأة, ويذهبون مذاهب شتي يبشرون بالتغيير القادم  الذي سيخرج من كيس الساحر.
ثمة حقيقة  تظل تشخص صبحا ومساء , وليلا ونهارا , وهي ان البشير لا يمكن  ان  يدخل اصبعه في عينه  بمحض ارادته كما نقول في امثالنا اليومية ,وهو حين قام بانقلابه الناعم كانت قرنا استشعاره  تؤكد له ان هناك رائحة فأرفي جحر ما, فاستخدم علي الفور مبيدا سريعا  فقضي علي الجحور والفئران داخلها , واذا كان الرجل بهذا الحس الأمني العالي  فلا يمكن ان ينجو من مصيدة علي عثمان  ليقع في مصيدة المعارضة والجبهة الثورية  , والملاحظ للخطاب يكتشف الحذر الشديد في تسمية الاسماء بمسمياتها , فهو كما يقول اهلنا في الجزيرة قال كلاما اشبه ببول الجمل ,والجمل للذين لا يعرفون  يتطاير بوله في كل الاتجاهات, ولا يخرج مستقيما كغيره من الحيوانات, مرة اخري ثمة حقيقة علينا التوقف عندها في كل لحظة  وهي ان  البشير سوف يسير في طريق انكار الحقائق , ومغالطة الواقع مادام هناك شيء اسمه محكمة الجنايات الدولية, فهذا  الكابوس سيظل يطارده في صحوه ومنامه حتي يقول فيه الشعب  كلمته وهو قول قريب وان ابطأت حركة الزمن, في ختام تصريحاته لسونا اكد الترابي ان الحوار سيبقى هو السبيل الوحيد لحل الازمات السياسية السودانية بالرغم من انه اكد انه لاجديد في خطاب البشير,اذن كيف يكون الحوار هو السبيل الوحيد لحل الازمات السياسية السودانية وطرف الحوار الاساس يريد حوارا يبقيه في الحكم وحده من المهد الي اللحد, وقال الصادق المهدي سندرس خطاب الرئيس ونرد عليه, وطالما درس الصادق المهدي خطابات سابقة للرجل ورد عليها ثم حفظت ردوده في خزانة القصر الجمهوري فبالنسبة للأمام فهي فرصة  ليشمر ساعديه ويخوض في معركة الارقام المعجب بها اما غازي صلاح الدين رئيس حزب الاصلاح الآن ,والمعارض من الباطن فقال ان نجاح الحوار رهين بالنية الحقيقية ويجب ان تنبثق منه قرارات تعلن واجراءات عملية وان تقدم الاحزاب والقوى السياسية مقترحات , قال صلاح الدين هذا وهو اول ضحايا رفض الحوار من داخل مائدة الحزب , فهل يجوز اللدغ من الجحر نفسه ,وهل يكرر العتباني قصة عمر والنمر؟, اما ابراهيم غندور ورزق اخر شماسي الكتدرائية  فأعادوا الي الاذهان ذكري شعار المايويين بأن اعتبروا  خطاب البشير وثيقة تاريخية ونبراسا وهاديا للعمل الوطني ولكن بلغة الإنقاذيين وليس لغة  المايويين.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.