قرأت التعميم الصحفي الذي أصدره الكاتب لباحث كمال الجزولي حول التهديد بالهاتف الذي وصله من السيد كمال عمر الناطق الرسمي  باسم حزب المؤتمر الشعبي حسب  كمال  ,وبالرغم  من انني  كنت اعكف حين طالعت التعميم علي كتابة  تعليق علي السفر الضخم عن  شهيد حرية الفكر محمود محمد طه , الموسوعة التي اصدرها الباحث الكاتب عبد الله الفكي البشير, قررت تأجيل ذلك  والمساهمة في قضية عاجلة ان الاوان لتناولها من جديد ,وهي قضية الدكتور حسن الترابي صانع المأساة التي تعيشها حاليا شعوب السودان وفي الوقت نفسه حامل راية  الكفاح  لمحاربة ما صنعته أياديه , وهذه لعمري حكاية سوريالية لا تحدث الا في السودان,ان من اهم  اسباب تخلفنا الذي عمّق  منه نظام الاخوان المسلمين نسخة البشير, هو ضيق بعضنا بالرأي المخالف لدرجة الاستعداد "للمطالعة الي الخلاء" وحسم الخلافات بالأيدي  بدلا من الرأس , واظن ان السيد كمال عمر حتي نسمع روايته  جانبه الصواب عندما اختار من القول اخشنه في حق الجزولي لأنه تناول حادثة تاريخية قال رأيه نفسه فيها من قبل , وقد يختلف الناس في تفسير الاحداث التاريخية ولكن لا مجال للاختلاف في وقوعها كحقائق مادية, وحادثة حل حزب الشيوعي  كمؤشر خطير ادي فيما بعد الي انهيار الديمقراطيات  في السودان واحدة تلو الأخري تظل رغم  مضي اكثر من نصف قرن علي وقوعها نكسة للعمل السياسي في السودان , وذريعة فتحت الباب للعسكريين الذين نعاني منهم حتي اليوم 

ثمة حقيقة لايمكن نكرانها  وهي دور الترابي في حل الحزب الشيوعي  وتوظيف علمه الدستوري في تقنين ذلك الحل , ونحسب ان كمال عمر لم ير النور في ذلك التاريخ عندما وقعت تلك الاحداث ,وعليه فأن رفضه اتهام زعيمه بالتسبب فيها يقع في خانة العاطفة لا خانة التاريخ , وإذا عاد عمر الي ارشيف مقابلات الترابي الصحفية ,واظنه متوافر لدي الحزب ,فسيجد زعيمه نفسه لا يعترف فقط بحل ذلك الحزب, وانما يفاخر به ويعتبره انجازا كبيرا  من إنجازات الحركة الاسلامية.
لم تبدأ معارك الأخوان المسلمين مع الحزب الشيوعي من حادثة معهد المعلمين العالي عام 1965 والتي أدت تداعياتها الي حل هذا الحزب وطرد نوابه من الجمعية التأسيسية فيما بعد. ففي عقد الخمسينات وتحديدا عام 1954 قام الإخوان المسلمون بتوزيع منشور مزور في الجوامع نسبوه الي الشيوعيين, وكان المنشور كما زعموا  يدعو الناس الي التخلي عن الدين الإسلامي باعتباره دينيا رجعيا، معتمدين علي مقولة ماركس " الدين أفيون الشعوب" والتي استخدموها في المنشور, وعلى اثر هذه الحادثة نظم الإخوان حملة واسعة في الجوامع والمساجد ضد الشيوعيين، وطالبوا بإهدار دمهم. وخطب الشيخ محمد الأمين الغبشاوي احد قادة الإخوان المسلمين في مسجد ودنوباوي في صلاة الجمعة محرضا المصلين والذين كان معظمهم من أنصار المهدي ضد هذه (الفئة المارقة الملحدة) ولو لا تدخل السيد عبد الرحمن المهدي و حكمته التي اشتهر بها لتعرض الشيوعيون للفتك بهم جراء المشاعر التي أججها الإخوان في الناس. وكان الإمام عبد الرحمن المهدي، حسب حيدر طه  في كتابه الاخوان والعسكر، حاجزا بين المصلين والشيوعيين. "وما ان رأي الفتنة تطل برأسها حتى نهض مخاطبا الناس قائلا انه حسب علمه فأن المصدر الحقيقي للمنشور المشار إليه تحيط به الشكوك والريب. ولم يثبت انه من عمل الشيوعيين، وانه قرأ في احدي الصحف نفي الشيوعيين علاقتهم بالمنشور المزعوم، وان الإسلام لا يأخذ الناس بالشبهات. ولفت الإمام عبد الرحمن انتباه المصلين الي ان هذا المنشور لم يصل الي هيئة الأنصار, ولا الهيئات الدينية الأخرى، وانه اتصل بطائفة الاسماعلية فنفت أيضا ان يكون قد وصلها المنشور مما يعني انه قصد به جهة خاصة". ويقول حيدر طه أيضا "كان هذا الابتكار لمحاربة الخصوم السياسيين هو أول نشاط عملي لمكتب تسيير جماعة الإخوان المسلمين بعد مؤتمرها التأسيسي في اغسطس1954. إذن فإن ايديولجية الإخوان الدينية نشأت وترعرعت وتوجهت منذ البداية كما أسلفنا من أجل محاربة الشيوعية والشيوعيين، وان حل الحزب الشيوعي فيما بعد كان تتويجا لجهودهم المستمرة في هذا الاتجاه.
كان الترابي وهو عقل التنظيم والمرجعية الأكثر "عصرنة" من أنداده في التنظيم، قد بدأ عمله السياسي باعتماده قضية الصراع النظري مع الماركسية اللينينية التي كان يمثلها الشيوعيون كامتداد لتراث التنظيم السياسي، فلم يكن يأبه كثيراً بقضايا التخلف والأمية، وكيفية بناء اقتصاد حديث لبلد تركه الاستعمار مثقلاً بمشكلات التنمية ومواجهة مرحلة ما بعد الحكم البريطاني. و تساءل الدكتور منصور خالد في كتابه النخبة السودانية وإدمان الفشل "ما الذي صنعته تلك الجماعة بعد ظهورها العام وخروجها من مرحلة (العضوية) إلى مرحلة (الشعبية) بتأطير نشاطها في جبهة عريضة هي [جبهة الميثاق الإسلامي]." ويرى   "أن هموم الناس الذين انتظمتهم تلك الجبهة، أو زعمت الحديث باسمهم باعتبارهم غالبية صامته تتجاوز كثيراً ملاحقة الشيوعيين. فالشيوعيون مع كل (كفرهم وإلحادهم) ليسوا هم سبب الحرب التي كانت ومازالت تمزق السودان يقصد حرب الجنوب  وليسوا هم صناع الفقر الذي يرزح تحته أهل السودان ولا هم مصدر الجهل والمرض اللذين تعاني منهما أقوام السودان، تلك هي القضايا التي ينبغي أن ينصرف إلى حلها الترابي (المجدد) الذي يريد وراثة الأرض ومن عليها." ويقول "لم تكن تلك هي هموم الترابي،  فهو يتحدث في مؤلفه (الحركة الإسلامية الكسب والتطور) بأن من أبرز المكاسب السياسية للإخوان هي الثورة الشعبية التي عبأتها الحركة لحل الحزب الشيوعي السوداني عام 1966 وما ألحقت به من هزيمة وعزلة دينية وسياسية بالغة ."

كانت (يوتوبيا) الدولة الإسلاموية تضع أولى بذورها في فكر الترابي الذي صار فيما بعد فكر التنظيم، وبينما شاركت الأحزاب السياسية الأخرى بأفكارها في قضايا البلاد العاجلة، الاقتصاد المتخلف  التعليم المحدود، مراجعة القوانين التي خلفها الاستعمار, كان الترابي مشغولاً بمعركة واحدة هي معركته مع الشيوعيين، ففي ذلك الجو الذي أفرزته الحرب العالمية الثانية والصراع الناشب بين نظريتين عالميتين هما الرأسمالية والاشتراكية، لم يكن في مقدور الترابي إلا أن يجد نفسه وسط هذه الثقافة السائدة، فالغلو النظري والفلسفي تمكنا من الرجل لدرجة أنه كان يود حرق كل المراحل حتى يصل إلى ذلك (الهدف المقدس) في ظرف لم يكن يسمح بذلك. غير أن الترابي ومع رؤيته المثالية لمستقبل دعوته استطاع أن يحّول ذلك الجسم من جسم دعوي إلى جسم سياسي. ومن خلال قربه من بعض الأحزاب التقليدية التي تناصب الشيوعيين العداء أقام علاقة معها كانت أشبه بعلاقة الوكالة بالوكيل، أو حقيقة كان تنظيم الترابي هو وكيل فعلي في أحايين كثيرة لهذه الأحزاب عندما يزداد إزعاج الشيوعيين لها وترى ضرورة الحد من حركتهم. وكان أكبر دليل على تلك الوكالة تجاوب الحزبين الكبيرين الاتحادي الديمقراطي، والأمة مع تنظيم الإخوان المسلمين عندما جرى حل الحزب الشيوعي وطرد نوابه من البرلمان في عام 1966. وفي سجل ما أطلق عليه (الإنجازات) يؤكد الترابي بأن ما حدث (كان انتصاراً للإسلام والمسلمين)؛ كأنما حل حزب سياسي كان سيقود إلى رخاء السودان وحل أزماته المتفاقمة، وكأنما معركة السودان لما بعد الاستقلال كانت هي القضاء علي النظرية الشيوعية.
وإذ نتابع سيرة الترابي، يتعين علينا ونحن نعيش تلك المرحلة ان نستدعي تلك الأحداث الخطيرة التي وقعت في عقد الستينيات، وأن نبحث عن أصابع أمين عام جبهة الميثاق الإسلامي، ومفكر الحركة في صنع الشرور. كان الترابي يستند على خلفية عالمية من العداء للحركة الشيوعية والتقى في ذلك مع المعسكر الرأسمالي الذي كانت تقوده الولايات المتحدة في مقابل المعسكر الاشتراكي الذي كان يتزعمه الاتحاد السوفيتي السابق. كان الإخوان المسلمون في العالم العربي يمثلون جبهة متقدمة للولايات المتحدة في الحرب على الشيوعية. والترابي الذي كان في بداية طريقه السياسي اختار التطرف في مواجهة الشيوعيين. وإذا كانت الزعامة الروحية لدى حركة الإخوان المسلمين قد أعطت قائدها ثقة شبه مطلقة في التفكير واتخاذ القرار، فإن الترابي قد نال هذه الحرية الكاملة في استنباط الطرق والأساليب غير الشريفة ,وغير الإسلامية تجاه خصومه السياسيين. فهو الذي كان الأكثر حركة بعد حادثة معهد المعلمين العالي التي اتهم فيها طالب زعم أنه عضو بالحزب الشيوعي، بالإساءة إلى زوجة النبي صلى الله عليه وسلم السيدة عائشة في حديث الإفك ،سعى الترابي إلى تحريض زعامة الحزبين الكبيرين الأمة والإتحادي الديمقراطي على الشيوعيين. وسرعان ما شكل ما أسماه جبهة الدفاع عن العقيدة، جمع داخلها ما يسمي بعلماء السودان, وبعض رجال الطرق الصوفية، والجمعيات، والشخصيات الدينية، وأقنع كلاً من رئيس مجلس السيادة إسماعيل الأزهري ورئيس مجلس الوزراء محمد أحمد محجوب أن يخاطبا الأمة من الإذاعة فألهبا عواطف الناس وانطلق الدهماء يقودهم زعماء الإخوان في كل شوارع المدينة للاعتداء على الشيوعيين؛ كما ضغط الترابي علي قادة حزب الأمة باستقدام الأنصار البسطاء من الجزيرة أبا الذين تدفقوا إلى العاصمة المثلثة، و خصوصا امدرمان فجابوا شوارعها يسألون الناس عن (حلة الشيوعيين)، معتقدين إن للشيوعيين (الكفرة) أحياء خاصة بهم  ليتفاقم الوضع ويخرج عن السيطرة، فأضطر الشيوعيون لأن يدافعوا عن أنفسهم ومقارهم بعد ان وقفت أجهزة الدولة الأمنية موقف الحياد السلبي في مؤامرة صنعها الترابي وشاركت فيها الدولة., انتشر خبر ما تفوه به ذلك الطالب كانتشار النار في الهشيم و بسرعة الريح، رغم إن الهواتف النقالة و البريد الاليكتروني و الفاكس لم تخطر ببال احد في تلك الأيام، بل لم تكن حتي الهواتف العادية متوافرة مثلما هي اليوم،  , جرى الإعداد جيدا، و كان التنسيق عالي المستوى، حتى يصل الخبر في وقت قياسي إلى قيادات سياسية و حزبية و دينية بعينها. ففي خلال ساعات كان الرئيس اسماعيل الأزهري يخطب  من شرفة بيته محرضا البسطاء ومتعهدا بأن يقود هو بنفسه  "لجماهير المسلمة "اذا لم تفعل الحكومة شيئا، و كانت البيانات المستنكرة و الشاجبة قد وصلت الصحف و الإذاعة و التلفزيون، و بدأت الجموع تتدفق لتأخذ ثأرها من" الشيوعيين الملاحدة"

داخل الجمعية التأسيسية (البرلمان وهو ما نلفت اليه السيد كمال عمر كان الترابي أبرز الخطباء في المطالبة بحل الحزب الشيوعي السوداني، وطرد نوابه من الجمعية وحظر نشاطه في البلاد عام 1966. وحتى نقف على الأسباب الحقيقية وراء حرب الترابي على الشيوعيين علينا استعراض وتشخيص تلك الظروف التي أدت إلى الأحداث الجسام. لقد كان نهوض الحركة الشيوعية وانتشار أفكارها الاشتراكية وشعاراتها، ثم سيطرتها على النقابات العمالية و الاتحادات الطلابية والزراعية عاملاً رئيساً أثار حنق الإخوان المسلمين على الشيوعيين، وجعلهم الهدف الوحيد في معركة اعتمد فيها الإخوان على تأجيج المشاعر والعواطف الدينية ضد جبهة اليسار والقوى الحديثة عموما.
وفي كتابه الشيوعيون والديمقراطية في السودان , للشراكة او  لزود الطير من الشجر دار عزة    2003  يقول كمال الجزولي " في اعقاب ثورة اكتوبر 1964  لم يهدأ للقوي التقليدية  بال حتي قطعت امرها  فيما  بينها  للانقضاض علي الحزب , وتدبير حله ,وطرد نوابه من الجمعية التأسيسية بالاستناد الي اصوات الأغلبية الميكانيكية داخلها ,والمشاعر البدائية المنفعلة بالتحريض الغوغائي خارجها مما اسماه  عبد الخالق محجوب عنف البادية الذي اطلقته القوي التقليدية  من عقاله  مدججا بكل ما اوتي من همجية  واسلحة بيضاء لمهاجمة الشيوعيين ودور حزبهم ,مستغلة في ذلك  حادثة معهد  المعلمين  العالي الشهيرة  والمشكوك في امرها عام  1965  والتي اريد لها ان تفجر الفتنة  بحديث مجتريء علي الدين لطالب مجهول الهوية جرت نسبته الي الحزب في هستريا من الغوغائية والعجلة واللهوجة, وعدم الرغبة في التثبت,بل ان نائب حزب الامة  محمد ابراهيم خليل  لم يجد في نفسه حرجا  لكي يعلن علي رؤوس الأشهاد  وفي لحظة صدق  نادرة وكافية  لفضح المسكوت عنه في مهرجان التباكي  علي الدين الذي تم نصبه  في جلسة البرلمان بتاريخ   15 / 11 /1965  قال خليل انه ليس مهما  ان كان ذلك الطالب شيوعيا ام غير شيوعي,ومن عجب ان يقال  ذلك  تحت عنوان  الدفاع عن الديمقراطية,والدكتور الترابي مثلا لم يكن اقل صراحة  من السيد محمد ابراهيم خليل في الاعتراف بالنية المبيتة لحل الحزب وطرد نوابه  من البرلمان بصرف النظر عن حديث الطالب الغر , ووجه زعيم جبهة الميثاق انذاك خمس تهم  للحزب , هي  ,الايمان ,الاخلاق , الديمقراطية الوحدة الوطنية,واصدر الترابي احد ابرز وانشط المنظرين لذلك الموقف كراسة كاملة سعي من خلالها حثيثا  لنفي اي قيمة لحكم المحكمة العليا الصادر  في 22/11/ 1965 ببطلان  مجمل الإجراءات التي اتخذتها الجمعية التأسيسية بتعديل الدستورفي 22/ 11/1965 لحل الحزب وطرد نوابه من البرلمان باقتراح من الدكتور الترابي نفسه في جلسة 16/11/1965 وكذلك لإثبات قيومية  قرارات الجمعية التأسيسية علي احكام القضاء حتي لو قفزت تلك القرارات من فوق نصوص الدستور  او صدرت بالمصادمة  لضمانات الحريات العامة",اذن  فان ما اعاده الجزولي  في ندوة الحزب الشيوعي  الذي اغضبت السيد كمال عمر لا يخرج ابد ا عن اطار ماقاله في الماضي  في الكتاب المار ذكره "

وفي هذا الخصوص ايضا , خصوص , حل الحزب الشيوعي  وعرابه الترابي يفسر الدكتور منصور خالد "بأن انتخابات دوائر الخريجين والتي فاز فيها الشيوعيون فوزاً مقدراً، هي التي أطلقت (شياطين الحقد) عليهم., و كان قرار حل الحزب الشيوعي وطرد نوابه من البرلمان رداً بليغاً على الذين ظنوا بأن النصوص الدستورية وحدها كافية لأن تكون سياجاً منيعاً يحمي المكاسب الديمقراطية التي حققتها ثورة أكتوبر, فالذي لحق بالحزب الشيوعي كان أبلغ من أي مقال للتدليل على فساد هذا الظن، خاصة والحزب الشيوعي هو أكثر التنظيمات مراساً،  وأعمقها تجربة، واجلها عدداً بالرغم من تباين رؤانا واختلاف مناهجنا" ثم يرى ونتفق معه في ذلك  بأن الانتصار المؤزر للحزب الشيوعي في دوائر الخريجين هو الذي دفع الترابي وتنظيمه إلى ارتكاب تلك الجريمة السياسية في حق حزب سياسي شرعي جاء إلى البرلمان عن طريق انتخابات ديمقراطية نظيفة، “وبالرغم من أن قائمة الفائزين في انتخابات تلك الدوائر قد تصدرها زعيم الإخوان المسلمين الدكتور حسن الترابي- إذ نال 7191 صوتاً- إلا أن الأحد عشر اسماً من الأسماء التي جاءت بها تلك القائمة والتي كانت تضم خمسة عشر عضواً، احتوت إما على أعضاء من الحزب الشيوعي  أو مرشحين تبناهم ذلك الحزب. ولم يكتف الشيوعيون بالفوز في دوائر الخريجين التي خاضوا انتخاباتها منذ الحكم الذاتي، بل سعوا لاقتحام الدوائر الجغرافية الخاصة التي كانت تحمل معاني رمزية مهمة بالنسبة لبعض الأحزاب، مثل دائرة السيد إسماعيل الأزهري، زعيم الحزب الوطني الاتحادي، بامدرمان"
وفي تلك الظروف أصدر البرلمان قراره بتعديل المادة الخاصة في الدستور والتي تنص على ضمان حرية الأديان، وحق تأليف الاتحادات والجمعيات دون شرط سوى التزامها حدود النظام والصحة وفق ما يقتضيه القانون، عدلت تلك المادة بإضافة حكم شرطي إليها يحرَّم الترويج، أو السعي لترويج الشيوعية، أو الإلحاد. كما أضيف إليها نص آخر تصبح بمقتضاه أية منظمة تخالف ذلك الحكم الشرطي غير مشروعة. هذا هو النص الذي أباح للبرلمان حق إصدار أي تشريع مناسب لتنفيذ أحكامه، وبموجب تلك الإباحة قرر البرلمان طرد بعض النواب المنتخبين وحل الحزب الإلحادي .
وبالرجوع إلى مضابط الجمعية التأسيسية، نجد أن الدكتور حسن الترابي قد استخدم كل معرفته الدستورية في استنباط المقترحات والتعديلات والتشريعات، حتى ينجح في إقصاء النواب الشيوعيين من البرلمان، ومعظم التعديلات التي أُدخلت على المادة الخاصة من الدستور.. كان للترابي يد فيها أما بالصياغة الكاملة، أو بالمشورة القانونية.
وبعد أكثر من اربعة عقود سئل الترابي .عن مشاركتهم في قضية حل الحزب الشيوعي وطرد نوابه من البرلمان، وما إذا كان يقبل بالشيوعيين في الممارسة الديمقراطية الثالثة، فقال "ذلك يتوقف على طبيعة الحزب، أحسبه أنه مازال يقوم على مناقضة كاملة لكل أصول الدين وذلك خطر على الدين وعلى الديمقراطية، لأنه لا يؤمن بالديمقراطية الليبرالية ولا التعددية الحزبية أصلا.. ويقدر أن النهج الصحيح لنيل السلطة هو الثورة المسلحة،"انظرعندك!" والبقاء فيها بقوة ديكتاتورية البروليتاريا، ولا يؤمن بالوفاء للعهود السياسية، لأنه يعتبرها حيلة يستغفل فيها المغفلون، وهذه هي ممارسته في كل أوروبا الشرقية. والحزب الشيوعي السوداني كان يتمسك بهذه النظرية الكلاسيكية وهو موصول صلة وثيقة بموسكو، ولذلك لا ينطلق من منطلق وطني. وقد تتناقض مصالحنا الوطنية مع موسكو، وسوف يكون الأقرب إليها برغم أن هناك الأحزاب الشيوعية الأوروبية التي تجاوزت أيديولوجيتها الماركسية، وأصبحت تحاور الدين المسيحي، كما في فرنسا مثلاً، ولذلك يقول الترابي: "عندما اتخذ الحزب الشيوعي مثل هذا الموقف قبيل الحرب الثانية حلته الجمعية الوطنية الفرنسية في إطار ديمقراطي ليبرالي، مثلما فعلنا تماماً، ولم يكن بدعه لأننا لا نقبل لأحد لا يؤمن بالديمقراطية ويريد استغلالها ليقدمها ولا يقبل غيرنا." ويمضي الترابي فيقول: "على الحزب الشيوعي السوداني أن يحدد موقفه؛ إذا دُعي أن يعمل في الإطار الوطني أن يؤمن بالديمقراطية، ولابد أن استوثق من ذلك حتى لا استغفل، وإن ظل على نهجه القديم فلسوف نعيد وجه التاريخ الذي كان بالأمس." محنة النخبة السودانية, فتحي الضو 1993 مطابع سجل العرب, القاهرة ص 42 مقابلات صحفية أجراها الكاتب بعد سقوط النميري وعودة الديمقراطية.
" من رد ه على السؤال الصحفي.. يكتشف المرء أن الترابي الذي كان عائداً لتوه من فرنسا، استمد فكره حل الحزب الشيوعي  من فكرة حل الجمعية الوطنية الفرنسية لنظيره الفرنسي قبيل الحرب العالمية الثانية، وهذا يقدم لنا دليلاً بأن إعجاب الترابي المتذبذب بالثقافة الليبرالية الغربية يغلب عليه الطابع التخريبي لهذه الثقافة، أي أن الترابي اختار أسوأ أخطاء التاريخ في أوروبا ليعيد إنتاجها هنا في السودان، ثم أن الترابي يتناقض مع أقواله حينما يتهم الشيوعيين بأنهم لا يؤمنون أصلاً بالديمقراطية، وفي الوقت نفسه يتنسم هو بير هذه الديمقراطية وينسى أنه كان مشاركاً في نظام ديكتاتوري هو نظام النميري غير الديمقراطي والترابي نفسه الذي اتهم "البروليتاريا " بأنها تسعي الي الاستيلاء علي السلطة عن طريق الثورة المسلحة قام هو نفسه بما حذر منه ,ونهي عنه فأستولي عليها بواسطة تنظيمه حتي اطيح به في صراع الديوك الإسلامية , ومن غرائب الطبيعة في السودان ان يجيء خلاصنا مرة اخري من الشخص نفسه الي اوقعنا  في مصيدته الأولي  إنتظارا  له ليخرجنا من الثانية  !



عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.