اقترب نظام المؤتمر الوطني من حافة الهاوية , وتعبّر تصريحات رئيسه عمر البشير بإغلاق انبوب النفط  امام بترول الجنوب عن قمة اليأس التي وصل اليها النظام , ويربط المراقبون هذه التصريحات  بالفوضي والتخبط  الذي تعيش فيه دولة  الحزب الواحد من جهة صراعاتها الداخلية  التي طفت علي السطح ,وجهة  دخول المعارضة العسكرية والسياسية مرحلة جديدة من المواجهة  بأعلان  تجمع قوي الإجماع الوطني لأول مرة تنسيقه  الكامل مع الجبهة الثورية لإسقاط النظام   في برامج المائة يوم وقرار الجبهة الثورية  المضي قدما في عملياتها العسكرية  ضده.
وتجيء خطة المائة يوم التي ارعبت النظام ,واعترفت بها المعارضة صراحة "تصريحات فاروق ابوعيسي وكمال عمر "خطوة متقدمة  في اتجاه المواجهة. ومما يخلط الاوراق ويظهر تناقضات النظام ان رئيسه في تصريحاته الإنفعالية  كان قد اعلن الغاء الإتفاقيات التسعة المبرمة مع حكومة جنوب السودان بينما  يتحدث مسئولون اخرون  من بينهم وزير الإعلام  ورئيس جهاز الامن عن تجميد للإتفاقيات حتي توقف حكومة جوبا عما اسمياه تأييدها ودعهمها للجبهة الثورية, ويحار المراقبون  فيما اذا كان المسئولان ارادا  التخفيف  من تصريحات رئيسهما  الذي  امر بالإلغاء,  ام انهما  استنجدا  بالدبلوماسية ليجعلا الباب  مواربا  امام إمكانية الحوار مجددا مع جوبا ,وهو احتمال قوي ينهي قنابل الدخان التي فجرها الرئيس ويعيد عرض افلام قديمة مشابهة كان بطلها  الرئيس الذي تعامل مع الموقف  بطريقة علي الطلاق .
من  داخل حزب المؤتمر الوطني  رشحت معلومات بأن  الرئيس لم يستشر احد في الحزب بخطوته هذه , ويري معارضون  لاذوا  بالصمت إن قرارا خطيرا كهذا له تداعيات دولية وإقليمية كان يتحتم بحثه  في اروقة الحزب اولا , ثم عرضه علي مجلس الوزراء وهو مالم يحدث , وما فسره هؤلاء المراقبون بأنه  تجاوز لهاتين للمؤسستين واعتبروا ذلك اهانة لهم   او هو نهج  إستبدادي إعتاد عليه الرئيس.
إقليميا لم يصدر حتي  الان رد فعل من الالية الافريقية التي ترعي المحادثات بين البلدين ,ولكن امريكيا سارعت المتحدثة بأسم الخارجية الامريكية جين ساكي فأدانت خطوة  البشير   : (نستنكر هذا العمل ونحث السودان على الرجوع عن هذا القرار واحترام التزاماته الدولية ).   : (إذا نفذ السودان ذلك القرار فإنها سينتهك التزاماته بموجب اتفاقيات 27 سبتمبر التي تنص على عدم جواز الإغلاق , ودوليا قال المتحدث الرسمي باسم الأمين العام للأمم المتحدة مارتن نسيركي   (بان كي مون يحث قادة السودان وجنوب السودان علي احترام اتفاقية 27 سبتمبر الموقعة بين البلدين).
واروبيا  اعربت  كاترين اشتون الممثل الأعلى للاتحاد الأوربي للشئون الخارجية والسياسات الأمنية، عن قلقها من قرار البشير بوقف تصدير نفط جنوب السودان وتجميد جميع إتفاقيات التعاون التسعة الموقعة مع حكومة جوبا في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا في 27 سبتمبر 2012 الماضي.  وفى تعبير عن العزلة الأقصى  كما اوردت ذلك صحيفة حريات نأت الصين حليفة حكومة المؤتمر الوطنى بنفسها عن قرار عمر البشير وأبلغت حكومة جنوب السودان عبر سفاراتها بجوبا معارضتها لقرار وقف تصدير النفط .
اذن  خطوة البشير الإرتجالية  لم تجد  إلا الإدانة علي جميع الصعد , فخسر رئيس الشمال الرهان , وفاز رئيس الجنوب.
كان قادة النظام  يتوقعون ,بل كانوا واثقون من ان الموقف الامريكي  سيكون  مؤيدا  لخطوة البشير , ولكن ذلك   لم يحدث  مما دفع   قيادي  بارز بالمؤتمر الوطني  هو ربيع عبد العاطي بأتهام واشنطن نفسها بالتواطؤ مع الجبهة الثورية. وفي سيرة الولايات المتحدة  كان النظام قد وجه  سهامه  اليها  من قبل   عندما قررت  عقد مؤتمر  للمانحين  لدعم   حكومة جنوب السودان محاولة لإنقاذ اقتصادها من الانهيار بتأمين عون طارئ.
من جانبه وردا علي  خطوة البشير جاء رد فعل سيلفا كير رئيس جنوب السودان هادئا بعيدا عن التشنج ,وهو ما يحسب دبلوماسيا  لمصلحته, وان كان قد قدم دلائل بالمقابل علي دعم الخرطوم للجماعات المتمردة علية واعدا  بعرض اسلحة للجيش السوداني ضبطت مع المتردين الذي سلموا انفسهم مستفيدين من العفو الرئاسي الذي كان قد اعلنه من قبل كير .
علي صعيد تجمع سحب هذا الصيف الساخن  يتوقع الأقتصاديون  ان تؤدي خطوة  البشير الي فتح  الباب امام الدولار ليواصل صعوده  الصاروخي 7.05 جنيه فتتصاعد الأسعار بدورها بجنون مع اقتراب شهر رمضان .
ويعزز من هذا التوجه  وقبل قرار البشير إغلاق انبوب النفط  إتجاه النظام  رفع الدعم من المحروقات مرة اخري  وهو ماحذر منه إقتصاديون معارضون  وموالون للنظام .
ومن بين الذين حذروا وزير  مالية   سابق  موال للنظام  هو عبد الله حسن  من مغبة رفع الدعم عن المحروقات في الوقت الراهن، وقال إن التوقيت غير مناسب مما يعني انه موافق علي الخطوة ولكنه يعترض علي توقيتها , مشيراً إلى أن انها ستقود لموجة غلاء طاحنة في أسعار السلع الاستهلاكية، داعياً الحكومة إلى الاتجاه لبدائل أخرى لمعالجة الأزمة المالية التي تعاني منها. وقال عبد الله لـ"آخر لحظة"9/6/ 2013"يجب على الحكومة أن تتجه لخفض المصروفات وزيادة الإنتاج وفرض ضرائب جديدة على بعض السلع الهامشية بدلاً عن رفع الدعم عن المحروقات.وزاد أن التفكير في رفع الدعم يؤكد أن الحكومة تعاني من أزمة مالية إلا أن ذاك الاتجاه للمعالجة مرفوض، وتوقع ردة فعل ومقاومة عنيفة للقرار حال صدوره من قبل المستهلكين ونقابات العمال وكافة التجمعات الأخرى.  في الوقت نفسه اشار  اقتصادي معارض  هو محمد ابراهيم كبج  الي  ارتفاع أسعار نسبة الفقر في السودان من خلال المسح الأسري الأخير الذي وضعته الحكومة نفسها حيث وضح أن نسبة الفقر في الخرطوم بلغت 45% والشمالية ونهر النيل ارتفع إلى 50% وشمال درافور بنسبة 100% وهذا يشير إلى أن سياسة التحرير الاقتصادي المتبعة قد أدت إلى تخفيض القوى الشرائية إلى 50% حسب التقرير الرسمي لوزارة المالية. بجانب ارتفاع نسبة الذين لا يحصلون على الغذاء المتكامل 5 مليون فرد في السودان وهذا نتاج للأوضاع بالبلاد كالحروب خاصة في بعض الولايات المنتجة للحبوب كولاية النيل الأزرق وجنوب كردفان ودارفور كان من الممكن المساهمة في تخفيض نسبة نقص الغذاء.
تجيء خطوة البشير  وسط  هزائم عسكرية متلاحقة وصراع سلطة مكشوف داخل اروقة الحزب الحاكم" بين ثلاثة  مجموعات اشار اليها القيادي في تجمع  المعارضة  كمال عمر, وهي مجموعة الرئيس البشير ومعه عسكريون نافذون ,ومجموعة   نافع علي نافع التي يلتف حولها الأمنيون, و مجموعة علي عثمان المشكلة من ما تبقي من الاسلاميين والتي تنتظر نتيجة الصراع  لتحدد موقفها  من المعركة. ولكن عمر نسي المجموعة الرابعة السائحون الذين يقفون مع ودابراهيم المستمرون في معركتهم مع النظام بعد ان نقضوا بيعتهم للبشير.
كيف يري المراقبون وضع النظام  في السودان , هل هو بالفعل ايل للسقوط   حسب روزنامة المائة يوم التي قررها تحالف المعارضة ؟  وإصرار الجبهة الثورية علي التنقل العسكري من ضربة الي ضربة ؟,هل سيؤدي  قرار البشير الي عودة الحرب مرة اخري مع حكومة جنوب السودان , هذه السيناريوهات الثلاثة  مطروحة بقوة علي صعيد العمل المعارض ,وحتي وان لم تنجح , فانها  مثل  المثل المصري الذي يقول  "الطلقة اللمتيصبش تدوش"اي الرصاصة  التي لا تصيب هدفها  فهي تربك العدو علي الأقل.هذا عن جانب  المعارضة  فماذا عن سيناريوهات النظام ؟
ناحية النظام تطل  ايضا ثلاثة سيناريوهات برأسها  للخروج من هذا المأزق, ولكن لكل سيناريو مخاطره المحسوبة , وغير المحسوبة ,المحسوبة ان يقلب البشير الطاولة في وجه الجميع  عبر إنقلاب قصر بواسطه عناصره داخل الجيش بدعم من   قوات الأمن الضاربة وميليشيا الدفاع الشعبي ,ثم  يلي ذلك حملة إعتقالات وتصفيات لمعارضيه داخل الحزب الحاكم اولا, اي  ان يخلع    قناعا قديما ,ويلبس اخر جديدا, في هذا السيناريو المفترض يمكن للبشير ان يمد يده لحزبي الامة والاتحادي الديمقراطي, فالاول  حزب الامة وهو ممثل  في النظام بنجل الصادق المهدي  والثاني   بنجل الميرغني  الباحث عن مصالحه فقط بعيدا عن مفهوم من  يحكم السودان.
ناحية النظام ايضا  يتوقع المراقبون ان تجدد عناصر اسلامية اصولية داخل  مؤسسة القوة العسكرية  بفروعها  الثلاثة محاولاتها  مرة اخري لإطاحة البشير  سيما , وان هذه العناصر والتي فشلت من قبل قد نقضت بيعتها  للبشير كأمير للمؤمنين وهي ان نجحت  ووصلت السلطة ستكون اسوأ من حركة طالبان  ويومها  سيتمني الناس  استمرار حكم البشير علي حكم  ملا جديد هو ود ابراهيم  ومجموعته  السائحة .
اما السيناريو الثالث وألأخير وهو ضعيف الحدوث  هو ان يفاجأ  ماتبقي من ضباط  وطنيين مستقلين داخل الجيس الجميع بحركة تغيير تطاول الكل , ولكن ضعف هذا الافتراض هو انه ناتج  من  انه لم يتبق داخل الجيش مثل هذه العناصر, فالجيش  جري  غسله طوال  مايقارب  الربع قرن
علي صعيد المعارضة  الراهنة والتي حكم عليها صديقنا الكاتب كمال الجزولي بالإعدام واستعان من قاموس الصادق المهدي بوصفها  بأنها  محض " طرور وكرور"   فأنها لن تقبل  بأي محاولة  تغيير عسكرية  حقيقية كانت أم صورية إلا  إذا نفذت شروطها وشكلت حكومة انتقالية  تضع دستورا جديدا للبلاد استعدادا لإنتخابات ديمقراطية  حرة ونزيهة, مع كل الذي ورد في هذا التحليل  يبقي الميزان راجحا في كفة البشير المطلوب لمحكمة الجنايات الدولية والذي سيقاتل في كل الظروف حتي لايرسله احد  الي لاهاي

sedig meheasi [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
/////////////