أصدر السيد يوسف حسين الناطق الرسمي باسم الحزب الشيوعي تصريحا سياسيا  ركيكا  معني ومبني ولا يليق بحزب عرف  قادته التاريخيون بتمكنهم من اللغة   العربية , سلامة في النطق , وسلاسة في الكتابة ,  وفصاحة في الخطابة , ولم يدر في خلدي  في يوم من الأيام  أن يلتحق  حزب المفكرين والمثقفين " بالمعجنة " اللغوية  التي تسود الساحتين السياسية والصحافية  هذه الأيام .
إن المعروف والمعمول به في تكنيك   التصريحات والبيانات السياسية  الرصينة  والسليمة البناء  هو  أن تبدأ بالحدث مكان التعليق أولا  عبر تحديد مكانه وزمانه , ثم  شرح محتواه  و بعد  ذلك  التعليق عليه, وهو لم يفعله الناطق باسم الحزب.  فقد بدأ  بقوله "ما تم ايجابي ويجد منا كل ترحيب ودعم ذلك إن موقفنا المبدئي هو حل كل المسائل الخلافية بالحوار والتفاوض بعيداً عن الحرب والاقتتال"  ولكن الناطق  لم يشرح  للقارئ  ما الذي تم , فتركه  في حالة اجتهاد حتى يعرف   القارىء   ما الذي حدث  ويستمر الناطق  في القول سياسيا
"لا يمكن للمعلق المنصف إلا أن يسجل أنه كان هناك تعسر وتأخير بالنسبة لاتفاق التعاون الذي وقعه الرئيسان في أديس أبابا، وكانت هناك اتهامات متبادلة بين الدولتين"
كان حريا بالناطق  أن يتطرق  إلى  هذه الاتهامات  ويشرحها ويحللها ويوضح  موقف حزبه منها, وهو أيضا ما لم يفعله ,  ولا يدري  قارئ البيان أين يقف الحزب الشيوعي  من هذه الاتهامات  المتبادلة ؟  هل هو مع حكومة الجنوب ,أم مع حكومة الشمال؟, ثم يعود  الناطق  مرة أخرى لتجهيل  الحدث   بقوله "ولكن ما تم الوصول إليه بالأمس حول المصفوفة لتنفيذ الاتفاقات الأمنية يفتح الباب لتنفيذ كل بنود اتفاق التعاون بما في ذلك البترول وغيره".
سياسيا  يتبرع  الناطق  بنصح  الحكومتين  فيقول " لكن لكي نتعظ من سلبيات التجربة السابقة لا بد من السعي لقفل الباب أمام أي تعثر وإخفاقات جديدة! ونقترح لذلك من ناحية فتح الباب لحرية تنقل الناس والحيوانات والتجارة في كل المناطق الحدودية التي تمتد لأكثر من 2 ألف كيلو متر،وهذا يتطلب إلغاء التشريعات بحالة الطوارئ في مناطق التماس ومحاكم الإرهاب وسن تشريع بكفالة الحريات الأربع".
وببساطة شديدة  توحي  هذه الفقرة  وما بعدها من فقرات أن الحزب الشيوعي  يخاطب نظاما شرعيا   يعترف بوجوده  ويجترح  له  الحلول  تحت مظلته , وهذه النصائح  العجيبة تضعف وربما  تلغي  كل  مواقفه المعارضة للنظام  والتي  في مقدمتها إسقاطه  نهائيا.
كان مفهوما  ومقبولا  أن تكون نصائح  ومقترحات  الناطق باسم الحزب  أجندة  ثورية تطبقها المعارضة  والحزب  نفسه بعد سقوط  النظام  وذهاب ريحه, أما أن يقدمها البيان  وصفة  علاج له ,  فهو إن أراد  أم لم  يرد  يطيل من عمره ويعطيه قوة   يلهث وراءها , وحتما  إن هذه القوة  سيكون أول المكتوين  بها  الحزب الشيوعي  والمعارضة عموما.
يزيد  بيان الناطق  جرعة أخرى حين  يقترح  قمة بين الرئيسين  البشير وسلفا كير "لتساعد في رعاية تنفيذ هذا الاتفاق وإزالة ما يمكن أن تعترضه من سلبيات وإخفاقات"  ولا ينسي  الناطق   أن   يقدم رقعة فكرية جديدة  هي " إشراك  التحالف المعارض  في جولة المفاوضات القادمة !!"   وهذا إن تم   وهو من رابع المستحيلات  يكون الحزب الشيوعي  قد  جزأ  قضية المعارضة وحصرها  في  الخلاف المستمر  بين الدولتين  , وهو أمر نربأ  بحزب  عبد الخالق    والشفيع  وحسن الطاهر زروق , والجنيد علي عمر  الوقوع  فيه.  وإذا تركنا  البيان  الذي انتقل فجأة  إلى مسجل الأحزاب,  ولجنة الدستور  خالطا  موضوعات   بعضها  ببعض  خارج سياق الحدث, فإنه يتعين علينا السؤال إلحاحا  ما  إذا كان بالحزب الشيوعي  لجنة لصياغة  التصريحات والبيانات, أم هي متروكة  لأي من الأعضاء  يصوغها  كيفما اتفق؟ , كما أنه ليس  ضروريا  أن يقوم الناطق الرسمي  بهذه المهمة  إذا كان لا يملك  قدرات تؤهله  لذلك  وفي الحزب   شباب   يجيدون الصياغة  لغة وأسلوبا  .    
يثير تصريح  الناطق الرسمي  للحزب الشيوعي  قضية   التصريحات والبيانات عموما التي   يصدرها  تجمع  احزاب المعارضة  وهي تنحو النحو نفسه  من حيث الركاكة  وضعف  البناء , وغموض الهدف .
ان الذي  يفشل  في ايصال افكاره  الي الناس في لغة  ناصعة بينة  لايصلح  ان يكون في المستقبل  حاكما بديلا  وهو جهل الوسيلة  الحاملة  لبرامجه  السياسية  ورؤيته  لقضايا البلاد.
حتي ستينات وسبعينات  القرن تميز  الشيوعيون  خصوصا  بالبراعة والتمكن  في كتابة   التصريحات اولبيانات, وكانت لجان  من خيرة  الأعضاء  تكون  لهذه المهمة لأن   التصريح  اوالبيان هو موقف الحزب الرسمي , ومن ثم  لابد  من  التدقيق  في كل  مفردة من مفرادته  ,  والتأكد من انها  تحمل معنا واحدا  لايحتمل التأويل  ويذهب  مذهبا  غير المذهب  المقصود.    



sedig meheasi [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
/////////////