اقرأ هذه الأيام  في كتاب الصحفي  والكاتب الكبير محمد  حسنين هيكل (مبارك وزمانه من المنصة الي الميدان)  والذي  تنشره  صحيفة  الشروق المصرية علي حلقات ,والكتاب رغم  اهميته  بما فيه من حقائق واسرار ومواقف  يزعم  الكاتب انه  عاشها  لحظة بلحظة  او شارك  في صنعها  في بعض الاوقات, إلا انه لا يخلو من مبالغات إعتاد الكاتب دائما  من منطلق نرجسية شديدة متمكنة منه أن يحولها الي حقائق مسلم بها وبالرغم  من اختلاف  الناس في صدقية  الرجل  من عدمها من عدمها فأنه  يعتبر احد  اهم المؤرخين للشأن المصري , أقول  الشأن  المصري , وليس  الشأن السوداني.
لقد لفت  نظري  في بداية كتابه  أصراره  العجيب علي  تكرار  رواية  غريبة  ومدهشة  عن موت  الأمام الهادي المهدي  وهو يقاوم  نظام  الرئيس الراحل  جعفر  النميري , وبالرغم  من رد  السيد  الصادق  المهدي  ونجل الامام عليه  وردود  اخرين انا من بينهم ,وتكذيب  لروايته التي استخدم  فيها خياله الصحفي  وإظهار انه رجل الأسرار  الغامضة  التي لا يفك  ألغازها الا هو , والمعلومات المختلفة  التي  لايأتي  بها  غيره بالرغم من ذلك  فقد  أعاد  الرجل عنادا  ومكابرة  الرواية نفسها التي  تزعم فيها إن الامام الهادي  مات  مسموما بعد  تناوله  كمية  من  المانجو  وهو في طريقه  الي كسلا  قاصدا  اثيوبيا  , وقبل ان نرد  عليه مرة اخري  نور د روايته  الجديدة   التي سجل  فيها تراجعا مرتبكا حين  قال إنها كانت محاولة  إغتيال  بسلة ملغومة  مليئة بالمانجو ارسلتها له المخابرات السودانية ,والمعلومة الجديدة نفسها  كاذبة لأن الرجل  لم يشرح  لنا  ماذا كانت  السلة  قد  انفجرت في وجه  الامام الهادي  ام انه  تناول  ما بداخلها   فقد  ترك  الرواية معلقة  وهو نوع  من الذكاء  الصحفي الذي  يجيده هيكل  غير انه   يعود  ويكذب  مرة اخري حين يقول ان الشكوك ثارت  بأن «حسنى مبارك» كان اليد الخفية التى دبرت إرسال الهدية الملغومة للأمام  ,وهنا يقع  هيكل في  تناقض مكشوف لا نجده  فيه  ذرة  من المنطق , فهل المخابرات السودانية  هي التي دبرت  الخطة  لقتل الامام ؟ ام ان حسني مبارك هو الذي قام   برسم هذه الخطة  ونفذتها  المخابرات السودانية ؟  وكذا  يكذب هيكل  حين يقول ان النميري لجأ  الي السوفييت  لمده بطيارين  لضرب الجزيرة ابا  بعدما رفضت مصر ان تقوم  بهذا  الدور
يقول هيكل   في هذا النص    
(وداخل أحد الملفات المكدسة فى حقيبة السيد «سامى شرف» وجدت مذكرة مكتوبة بتاريخ أول أبريل سنة 1970 بخطه. وكانت المذكرة تسجيلا للنقط المهمة فى محادثة تليفونية أجراها السيد «أنور السادات» (نائب الرئيس الجديد منذ ديسمبر 1969) مع «سامى شرف» (سكرتير الرئيس للمعلومات)، والمكالمة من العاصمة السودانية حيث كان، ومعه رئيس أركان حرب الطيران اللواء «حسنى مبارك» لمساعدة الرئيس السودانى «جعفر النميرى» على مواجهة ذلك التمرد على سلطته بقيادة الإمام «الهادى المهدى» (زعيم الأنصار) ــ والذى كان متحصنا فى جزيرة «آبا»، يهدد بالخروج منها والزحف على مجرى النيل إلى الخرطوم
وكان الرئيس «نميرى» قد طلب ضرب مواقع «المهدى» فى جزيرة «آبا» بالطيران المصرى، وعندما رُفض طلبه فى القاهرة، لجأ الرئيس السودانى إلى السوفييت، وبالفعل فإن بعض خبرائهم قادوا ثلاث طائرات «ميج 17»، وحلَّقوا بها فوق جزيرة «آبا» فى مظاهرة تخويف حققت الهدف دون قصف، فقد شعر «المهدى» بقلق أنصاره فى الجزيرة، ومن أن يكون ظهور الطيران عملية استكشاف يعقبها سقوط القنابل، وهرول للخروج من «آبا» متجها إلى «كسلا» فى الشرق (وفى الغالب بقصد الوصول إلى أثيوبيا) ــ ثم حدث أن المخابرات السودانية استطاعت تحديد موقع «المهدى»، وهنا جرت محاولة اغتياله بسلة ملغومة وسط «هدية» من ثمار المانجو أُرسلت إليه ــ وفى تلك الظروف ثارت شكوك بأن «حسنى مبارك» كان اليد الخفية التى دبرت إرسال الهدية الملغومة، وظهرت أصداء لهذه الشكوك فى الصحف الموالية لـ«المهدى» فى «الخرطوم»!  وتلقى الوفد المصرى ــ وفيه «السادات» و«مبارك» ــ أمرا من القاهرة بمغادرة «الخرطوم»، والعودة فورا إلى القاهرة. وبالنسبة لى فقد تابعت بعثة «الخرطوم» ومهمتها، وأبديت رأيى برفض طلب «نميرى» أن يشترك الطيران المصرى فى ضرب جزيرة «آبا»، وكان إبدائى لرأيى رسميا، ثم ضاع الموضوع من شواغلى وسط الزحام، لأننى وقتها كنت متحملا بمنصب وزير الإعلام ــ إلى جانب تكليفى بوزارة الخارجية   وبمسئولية مباشرة عن التغطية السياسية والدبلوماسية والإعلامية لعملية        كانت خطيرة وحيوية فى ذلك الوقت، وهى تحريك حائط الصواريخ المشهور إلى الجبهة )  
لقد كنت ريئسا  لبعثة إعلامية  كلفها  وزير الاعلام  الراحل  محجوب  عثمان يومذاك  بالتوجه  الي الجزيرة أبا  لتغطية عملية (تحرير) الجزيرة , ولكنا  وصلنا  بعد ان  انهي الجيش عملياته  العسكرية  فوجدنا  دمارا شديدا  في قصر الامام  وبعض  زجاجات  من الويسكي  الفارغة دستها  المخابرات في احدي غرف القصر لتصوير ان الامام كان يشرب الخمرة ,  وتلك كذبة بلغاء  لم تكن صحيحة ابدا .
عودة الي  رواية الاستاذ  هيكل,  في ثاني يوم  من وصولنا  الجزير ابا  اخبرنا الاستاذ  حسن الزين  وكيل الوزارة  بأن توجيهات  جاءت  من وزير الاعلام   بان تتوجه  البعثة  فورا  الي الكرمك جنوب النيل الأزرق  لتصوير  قبر الامام   لعرضه  في التلفزيون حتي يتأكد  الأنصار ان الامام  قد  مات , وعلي مدي  احد  عشر  ساعة وفي طريق  وعر  وصلت بعثتنا  الي الكرمك , وهناك  التقينا  بالضابط  المسئول  الذي  رفض  ان   نقوم  بعملية التصوير  لانه  لم تصله  توجيهات  بذلك  من وزارة الداخلية    ودخلنا  في جدال  حاد  معه , ولكنه اصر علي موقفه وشرع في الاتصال بوزارة الداخلية في الخرطوم , وجاء الرد  سريعا  عبر اللاسلكي  بمنع  البعثة  من القيام  باي تصوير  في المنطقة  وعودتها  فورا الي الخرطوم .
كان الموضوع  طرح  في اجتماع  لمجلس  قيادة الثورة  حيث رأت الاغلبية  ان تصوير القبر وعرضه  في التلفزيون  ربما  يؤدى الي  تحويله الي مزار  للانصار وهذا  ما  لاترغب  فيه  الثورة   وهكذا عادت  البعثة  خالية الوفاض بعد  ان  كنا علي بعد  خطوات  من قبر الأمام  الذي  ازيلت اثاره  فيما بعد, هذه هي الرواية  الحقيقية  التي تدحض  رواية هيكل  الخيالية  والتي  لم يسندها  الي  اي  مصدر.
ان مايثير  الدهشة  في  الرواية الهيكلية  هي  جهل الرجل  حتي بخريطة  السودان  , فهو بالقطع  لايعرف  الشرق  من الغرب ,ولا الجنوب من الشمال ,  فالامام الهادي  لم يذهب  قط   الي كسلا  التي  تقع في شرق  السودان  بينما الكرمك  تقع  في جنوب النيل الازرق  فكيف  يقبل العقل  هذه  الرواية العجيبة,؟
ان مشكلة  بعض الصحفيين والكتاب المصريين  انهم  لايعرفون  السودان , ولا  يسعون  الي الاجتهاد  لمعرفته , وقد  ظلت  الصحافة المصرية  حتي  سقوط  نظام مايو  تسمي  رئيس  السودان  محمد  جعفر النميري علي وزن  محمد  انور  السادات,  وفي  اول  عهد  الحكم الوطني  كانت بعض  الصحف  المصرية  تطلق   أسم  ايهاب الازهري علي  الزعيم اسماعيل  الازهري  علما  بأن ايهاب الازهري  كان مذيعا فى صوت العرب.
يكذب هيكل  جهارا  حينما  يقول ان النميري  بعد  ان رفضت مصر طلبه  لطياريين مصريين لضرب الجزيرة ابا , لجأ  الي السوفييت ليمدوه  بطيارين روس  للقيام  بهذه المهمة , وهو حديث  باطل  من اساسه  , لان  طائرات الميج  الي كانت فوق الجزيرة ابا كان يقودها  طيارون  سودانيون , وهي  لم تقصف  ابدا  قصر الأمام , وان كل  ماقامت به هو عمليات  لإختراق  الصوت لأرهاب الانصار  , ان  نرجسية هيكل  واحساسه  بالتفوق  علي كل  صحافي العالم  هي التي تجعله  دائما يأتي  بمعلومات مغايرة لتلك التي يعرفها  الناس لتميزه عن الاخرين حتي ولو كانت من تأليفه  مثلما  يفعل ذلك  حين يتحدث عن السودان

sedig meheasi [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]