قراءة فى فى كتاب الدكتور حيدر ابراهيم علي

sedig meheasi [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
هذه هي الحلقة الاخيرة  من كتاب الدكتور حيدر ابراهيم علي عن فكر الصادق المهدي  وحتي لايظن من تابع  الحلقتين  الماضيتين انني استعرضت كل فصول الكتاب  فأنني اعترف بأن ماقدمته  هو مارأيت انه  يشغل بال من  يهتمون  بفكر وممارسات الرجل السياسية , فالناس عامة الناس فى السودان لم يبلغوا شأوا معرفيا لهذا الحد حتي  يرون في المهدي  سياسيا او رجل دين وليس مفكرا ,وربما  يقتربون من مفهوم ان الرجل  به شيء غامض يميزه عن الزعماء الاخرين ,اما انصاره من العامة البسطاء والذين لم ينالوا قسطا من التعليم فيرون  فيه  وارثا لروح جده المهدي الاكبر بتدينه و(كراماته)  ويسكت هو عن هذا لإستمرار التأييد له والسير معه اخرويا ودونيويا, وهذا  مايلفت النظر الي اختلاف  خطاب المهدي في الجامع ( صلاة الجمعة  والاعياد ) ,وفي الشأن السياسي , ثم  القضايا الإجتماعية والثقافية حيث تختلف اللغتين , وكذا مسيرة الخيول المطهمة التي  يمتطيها  هو واولادة وبناته كل عيد لاداء الصلاة  حفاظا علي ارث جده  القديم
وفي هذه  الحلقة  اخترت جانبا  اري انه  يهم الكثيريين وهو  جانب الازدواجية  الفكرية  التي وقف عندها المؤلف وهي  ازدواجية  لاتزال عالقة به وهو يتجاوز السبعين .
يقول المؤلف (تتسبب مهدوية (الصادق)في خضوعه لكثير من الغيبيات التي تتسرب الي تفكيره.فهو يوحي بإيمانه بفكرة الإمام الغائب،رغم أنه لا يفصح ولكن مثل هذا القول قابل للتأويل:-" لا أشك أن بعض الذين يعتقدون أن الإمام مازال حيا يصدقون ذلك لأن الإمام لدي خروجه في الهجرة قال: أهاجر الآن سوف أعود لنحقق أهدافنا.ولكن الله يفعل ما يريد.وعلي أية حال المسئول في غيبة الإمام الهادي بنص ما قاله الإمام الهادي هو شخصي.وبهذا شهد ولي الدين والمرحوم السيد الفاضل ابن الإمام الهادي ).فهو في هذا السياق لم يذكر كلمة:موت،بل فضل كلمة:غيبة.والتي تحول المرء مباشرة الي الفكر الشيعي والإمام الغائب.وهو يصر علي قدرة الفكر المهدوي علي الجمع بين الغيبية والعقلانية بلا تناقض.فهو يقول بعد حديث عن انجازات الحركة المهدية:-"إن المرافعة لدعوتنا بالأسس العقلانية تؤكد أنها استطاعت ان تقدم نهجا استجاب لتطلعات السودانيين والمسلمين في الظروف المختلفة بصورة فعالة جسدت تلك التطلعات وحققتها في الواقع,  ولكن مثل هذا القول قابل للتأويل:-" لا أشك أن بعض الذين يعتقدون أن الإمام مازال حيا يصدقون ذلك لأن الإمام لدي خروجه في الهجرة قال: أهاجر الآن وسوف أعود لنحقق أهدافنا.ولكن الله يفعل ما يريد.وعلي أية حال المسئول في غيبة الإمام الهادي بنص ما قاله الإمام الهادي هو شخصي.وبهذا شهد ولي الدين والمرحوم السيد الفاضل ابن الإمام الهادي فهو في هذا السياق لم يذكر كلمة:موت،بل فضل كلمة:غيبة.والتي تحيل المرء مباشرة الي الفكر الشيعي والإمام الغائب.وهو يصر علي قدرة الفكر المهدوي علي الجمع بين الغيبية والعقلانية بلا تناقض.فهو يقول بعد حديث عن انجازات الحركة المهدية:-"إن المرافعة لدعوتنا بالأسس العقلانية تؤكد أنها استطاعت ان تقدم نهجا استجاب لتطلعات السودانيين والمسلمين في الظروف المختلفة بصورة فعالة جسدت تلك التطلعات وحققتها في الواقع".ولكنه يصر علي عملية التوفيق المزجي بين الغيبية والعقلانية دون منهج أو منطق قوي،فهو يقفز علي الفوارق المستعصية علي التجاهل.ويكتب ببساطة:-" هذه الحقيقة العقلية تؤكد مقولة غيبية قالها الإمام المهدي إذ قال:في مستقبل الايام تكون لنا كرامة تفوق ما نحن فيه الآن من توفيق.هذا القبس هو الذي جعل هذه الدعوة تحيا بعد أن تموت كما قيل عن طائر العنقاء الذي يحرق ثم يبعث من رماده حيا  ولا ادري كيف جعل الحقيقة العقلية تؤكد مقولة غيبية دون أن تفقد عقلانيتها؟كما أن(الصادق) ظل يتمسك بفرضية أن المهدية لم تمت رغم هزيمتها العسكرية.ومن حق المرء أن يتساءل في هذه الحالة:ماهي بالضبط الفترة التاريخية التي شهدت موت المهدية ثم بعثها ؟
هنا  اختلف مع الكاتب في رؤيته الي حادثة الامام الهادي تحديدا والتي لا اري فيها رابطا بين الغيبية والعقلانية , فالصادق المهدي  اراد  بعد  انتفاضة  ابريل ان يمتحن شعبيته  بعد الضربة القاصمة  التي وجهها  النميري الي الانصار في الجزيرة ابا  والتي انتهت  بمصرع  الامام الهادي بالقرب  من الكرمك عام 1970  ومباشرة بعد  نجاح  الانتفاضة  التي ذهبت بريح مايو, اجتهد  الصادق ليجيء   برفاة الامام من الكرمك ليدفن فى القبة  بجوار المهدي الكبير, ويومها شككت  بعض الصحف في ان تكون  تلك رفاة الامام الهادي , ذلك لان لا احد  يعرف اين دفن  الرجل حتي يتم  العثورعلي قبره بتلك  السهولة  , ولأن النميري  كان قد  اصدر اوامره  لأن  يمحي اي اثر للقبر حتي لايصبح  ضريحا يحج اليه  بسطاء الانصار  والشيء نفسه  قام  به النميري  لاحقا عندما  اعطي اوامره  لطاقم المروحية التي حملت جثمان الشهيد محمود محمد  طه  لتلقي به من عل  في الصحراء غرب امدرمان اقول هذا لانني  شخصيا  كنت رئيسا لفريق اعلاميي  وبتوجيه  من الراحل محجوب عثمان وزير الاعلام  لنذهب الي  الكرمك  لتصوير  المكان الذي قتل فيه  الامام وقبره , غير ان برقية عاجلة جاءت  من الراحل فاروق حمد  الله وزير الداخلية حينذاك تأمر بعودة الفريق الاعلامي الي الخرطوم لتصادرفورا  كل الافلام  التي صورناها عن المنطقة.
عموما  لا اتفق مع  حيدر من ان الصادق  كان يري  في الهادي اماما غائباعندما  استبدل كلمة الغياب بالموت , ولكن كان الامر كله عملا سياسيا محضا هو استغلال رفاة  الامام ليقدم نفسه اماما  جديدا  بدلا عنه ,وهو ماخلق  مرة اخري  انقساما فى البيت بسبب  طموح  الصادق  لخلافة الهادي  الامر الذي حققه بالفعل, اذ  لا يمكن ان يكون الامام الغائب رفاة  لاحياة  فيها  وهو ما ينفي  فكرة ان  الهادي هو الامام الغائب .  و حسبي  ان هذا  الاعتراض لايغلق الباب امام  مقولة مزج  الصادق المهدي  بين الغيبية والعقلانية , بل ان الصادق المهدي  نفسه لولا محاذير تجر  ورائها  اخطارا  كبرى لآعلن  انه  الامام المنتظر  ويلاحظ  قاريء  كتبه  تلميحا  فى اكثر من موقع الي هذا الامر .ومع ذلك  فان فكرة الامام الغائب التي  اعتمد  عليها جده  المهدي  تجد  مقاس لها  في فكره ولكن علي نحو اخر هي الامام العصري  الغائب.
يقول المؤلف تشغل (الصادق) فكرة التحديث والحداثة، وعقدة وصف حزبه وفكره بالطائفية والرجعية. لذلك،يبحث عن صفة الجديد أو الحديث بطريقة مثيرة للسخرية،خاصة حين يدخل في مقارنة مع الشيوعيين واليسار.ويكتب عن تكوين مؤتمر القوى الجديدة1967-لاحظ التسمية،:-"  لاقامة منبر موحد للقوى السياسية الجديدة في الشمال والجنوب علي اساس تجديدي غير شيوعي ولا يقدم الحلفاء أي برنامج جديد فعلا في رؤيته وسياساته ويكتفون بالتسمية فقط،وسر حرف كن!والهاجس ظاهر في:-"تجديدي غير شيوعي"،لأن الرأي السائد كان يقصر الجدة والحداثة علي الشيوعيين واليساريين فقط دون غيرهم.وعلي مستوى الخيارات الواقعية،غالبا ما يميل (الصادق) الي المواقف المحافظة والتقليدية،ففي قضية المرأة وهي من أكثر الموضوعات إثارة للجدل،وهي اختبار حساس في تصنيف الحداثة والتقليدية.وحين أراد أن يتبني موقفا اصلاحيا، رفض النموذج التونسي الحداثي،.ومال للخيار المغربي لقوة الأصول الدينية وليس العلمانية في المدونة.ويكتب:-" تشكل تجربة مدونة الأسرة المغربية تجربة رائدة وحدت حولها الأصوات المغربية المتنافرة، وهي تصلح كأنموذج لما يمكن أن تتبعه البلدان الإسلامية من فقه ملتزم بالأصول ومستجيب للواقع الثقافي وتحديات العصر وهذه المدونة بدت له كاحدي تطبيقات فكرته المحورية:الأصل والعصر.ولكن المهم أنه ابتعد عن المغامرة البورقيبية في مساواة المرأة خشية الاقتراب من التحديث المؤدي الي التغريب.  وقد كان(الصادق)يبالغ في بعض الاحيان حين ينسب كل عمليات التحديث لعناصر من طائفة الانصار ويعتبرها رائدة الحداثة في السودان بلا منازع  وليأخذ في الحسبان المطلبين والقول له: مطلب التأصيل ومطلب التحديث. وهذا في رأيي ما فعله الشيخ الإمام عبدالرحمن والشيخ بابكر ووالدتي عمليا. وما احاول الآن أنا أن أبني له قواعد نظرية، حتي يصبح أسلوب ووسيلة، يعني فيها وضوح نظري عن المطلب الذي يجب أن نحققه".  ولكن (المهدي) يظل مقيدا في وثاق توفيقية عاجزة عن الجدلية، وينوس بين الحداثة والتقليدية دون أن يحسم أمره. ويلخص فكرته الأساسية أو كل نظريته في هذه المسألة  كما يقول عن نفسه وكتبه وهكذا جدلية الأصل والعصر. وهو صراع كبير جدا، أقول فيه الخلاصة: أننا إذ حاولنا الاستغناء عن الأصل، فشلنا. وإذا حاولنا الاستغناء كذلك عن العصر، كذلك فشلنا  ويقيم نظريته علي فرضية مستحيلة: الاستغناء عن الأصل أو العصر. إذ لا يوجد عاقل يقول بها، ولو وجد من يقول بها الواقع والحياة يكذبان قوله.

يري الكاتب   ان الصادق)  يتسم بفكر دائري وليس تصاعديا، إذ تتكرر الافكار في مراحل مختلفة وقد تتراجع في احيان كثيرة.ويمكن القول ان الافكار الواردة في كتاب:يسألونك عن المهدية،الصادر عام 1975 ،وكتاب:أحاديث الغربة،الصادر في عام1976؛أكثر تطورا من كثير من الافكار الحالية.فقد أورد آراءا جيدة ومجتهدة وغير تقليدية في وقتها،خاصة تلك المتعلقة بالتجديد والمعاصرة.(راجع الفصل التاسع في الكتاب الاول،وفصل :قضايا العصرية والهوية في الكتاب الثاني  رغم أن كلمة ناشر الكتاب الاخير تقول:-" نلاحظ أن الخط البياني للصادق المهدي في المحاضرات والندوات كان يبدأ بالإسلام والبعث الإسلامي وينتهي بالأمر نفسه مرورا بالقضايا الراهنة التي اصبحت مترابطة بشكل لا مثيل له وهي:الثورة والعروبة والنفط وافريقيا وروح العصر فقد زاد اهتمامه بقضايا معاصرة مثل العولمة، وحوار الحضارات،وحقوق الانسان،والديمقراطية.ولكن المنهج لم يتغير،كما أن الرؤية الدينية ازدادت رسوخا.فالهم التوفيقي بين الاسلام-الأصل والعصر،الوحى والعقل،العلم والدين؛مازال يشغله ويحكمه تماما.
كان(الصادق)يبالغ في بعض الاحيان حين ينسب كل عمليات التحديث لعناصر من طائفة الانصار ويعتبرها رائدة الحداثة في السودان بلا منازع: -". . . أن نأحذ في الحسبان المطلبين: مطلب التأصيل ومطلب التحديث. وهذا في رأيي-ما فعله الشيخ الإمام عبدالرحمن والشيخ بابكر ووالدتي عمليا. وما حاول الآن أنا أن أبني له قواعد نظرية، حتي يصبح أسلوب ووسيلة، يعني فيها وضوح نظري عن المطلب الذي يجب أن نحققه". (2011: 16) ولكن (المهدي) يظل مقيدا في وثاق توفيقية عاجزة عن الجدلية، وينوس بين الحداثة والتقليدية دون أن يحسم أمره. ويلخص فكرته الأساسية أو كل نظريته في هذه المسألة –كما يقول عن نفسه وكتبه: -"وهكذا جدلية الأصل والعصر. وهو صراع كبير جدا، أقول فيه الخلاصة: أننا إذ حاولنا الاستغناء عن الأصل، فشلنا. وإذا حاولنا الاستغناء كذلك عن العصر، كذلك فشلنا". 
كان من المحتم أن يكون(الصادق)بكل مقوماته الدينية والفكرية الموروثة والمكتسبة،ذا صلة وثيقة مع أي حركات إسلامية محافظة تظهر في السودان،بهدف محاربة"الخطر" الشيوعي.ولذلك،وجد في حركة(الإخوان المسلمين) السودانية،الكثير المشترك. ومن أهم فوائد وجودها،أنها اعفته من الاتصال المباشر بالإخوان المسلمين المصريين ،وبالتنظيم العالمي.وحتي حين كان في بريطانيا،كانت صلته من خلال قنوات غير مباشرة مثل اتحادات الطلبة.ويقول أنها"نشأت من أصول سودانية في مرحلة طفولتها،ولكنها في مرحلة صباها ارتبطت بحركة الإخوان المسلمين-الأم-المصرية واستكدت منها أدبها ونظامها".   ويذكر أنه التقي بالحركة في جامعة الخرطوم في عام1953.ووجد فيها الحليف الاستراتيجي الصحيح لا تؤثر فيه مرحلية سياسية تتمثل في الكفاح ضد الاستعمار،لأن التزامهم الفكري الاصيل هو التزام إسلامي.فقد قدم لتقاربه مع الإخوان مبررا قويا يجعلهما متكاملين بجذر إسلامي مهدوي وحديث،يكتب:-"..وبدا لي أن التحالف بيننا كاتجاه إسلامي يستمد من دعوة الإمام المهدي ويستمتع بقاعدة شعبية،وبينهم كإتجاه إسلامي حديث يحظي بوجود مهم في القطاع الاجتماعي الحديث، تحالف طبيعي يمكنه أن يقوم بدور دفاعي في  حماية المجتمع من الهجمة الشيوعية،وبدور ايجابي يقدم الإسلام نظاما حديثا وبديلا حضاريا باسلوب شعبي ديمقراطي  هذا شكل للتفكير بالرغبات لأنه لم يكن في الواقع أي أثر لإسلام حديث ولا اسلوب شعبي ديمقراطي،لدي الطرفين لا في البرامج ولا الممارسة.كان كل الذي يجمعهم مع عداوة الشيوعية،الدعوة لتطبيق الشرعية دون اجتهاد حديث ولا تقديم مشروع دستور إسلامي متطور،عدا مذكرة حسن مدثر قاضي قضاة السودان في 18 نوفمبر1956.وهذا الالتزام الفكري المحلق في المثال لم يكن أكثر من لقاء جامع للقوي التقليدية استهل به(الإخوان المسلمون)عهدهم باختراق واستغلال وابتزاز أغلب المسلمين المنظمين في أي كيان.فقد وجّه الإخوان المسلمون وجماعة التبشير الإسلامي والإصلاح،الدعوة إلي الهيئات الإسلامية في السودان لاجتماع ينظر في مسألة وضع دستور إسلامي يتفق مع إرادة الشعب السوداني،ويستند الي الكتاب والسنة.وتم الاجتماع في نادي جماعة التبشير بام درمان في يوميّ 10و11ديسمبر1955.
هذا هو أساس التحالف، فكرة بسيطة لا تتوق الي بديل حضاري ولا تتحدث عن الديمقراطية ولا شعبية.وهي مجموعة شديدة المحافظة،الدليل علي ذلك أن الدعوة وجهت لاتحادات الختمية وهيئات الانصار وليس للحزب الوطني الاتحادي ولا حزب الأمة  وهذا الاختيار له دلالة بعيدة وهي تجاهل أي سياسية مدنية والتركيز علي ما هو ديني- طائفي يدحض امنيات(الصادق)في نموذج إسلامي حديث رغم خلفية حلفائه التعليمية.وهو القائل عن شبابهم بعد محاضرة في معسكرات طرابلس في عام1976:-"... كتبت للأخوة قادة الجبهة في الخارج اقول لهم انني  لاحظت أن هؤلاء الشبان قد ملكوا فكرا متحجرا جدا لا يتماشي حتي مع مفاهيم ساستهم وقادتهم الذين يتحدثون بلغة أكثر انفتاحا وادراكا للواقع،ولكن هذه الازدواجية بقيت علي حالها في الشرعية )ويأخذ عليهم هذه الازدواجية والوصولية السياسية التي جعلت الاخوان مضطرين دائما لمناقضة مواقفهم.ومن الناحية الاخري،شكا الإخوان –علي لسان (حسن مكي)- من جهل الانصار الديني الذي لاحظوه حين خالطوهم في معسكرات الجبهة الوطنية في ليبيا.
يري الكاتب أن الحلف الذي عقد بين التنظيمين   الامة والاخوان  ليس لديه أي مشروع حضاري بديل إلا في ذهن وأماني(الصادق).فقد كانت اشكال التعاون الفعلي بينهما لا تخرج عن القضايا السياسوية والحزبية اليومية.ولم تنتج فترة التحالف كلها وثيقة فكرية تؤيد زعم (الصادق) الفكري.ولم تخرج تفاصيل العمل المشترك –كما عددها هو نفسه عن:تعاون في اطار قومي في التصدي للدكتاتورية الاولي(58-1964)،عمل مشترك لادارة الحوار مع القوى السياسية الجنوبية انتهي الي مؤتمر المائدة المستديرة1965،التصدي المشترك الفعال لمحاولات السيطرة الشيوعية علي ثورة اكتوبر1964،تكوين مؤتمر القوى الحديثةعام1967،تعاون اثناء الديمقراطية الثانية(65-1969)في كتابة مشروع دستور البلاد ينص علي إسلامية التشريع،مواجهة النظام المايوي في مرحلة توجهه اليساري وتنظيم المعارضة له في شكل الجبهة الوطنية المتحدة،ابرام المصالحة الوطنية  1977. وكل هذه انشغالات سياسية بحتة،ولكنه يذكر نشاطين يري فيهما بعض الجوانب الفكرية:تكوين جماعة الفكر والثقافة الإسلاميةعام1980،والعمل المشترك عبر المجلس الإسلامي العالمي.ولكن الكاتب الاسلامي(المحبوب عبدالسلام)يدرج جماعة الفكر والثقافة ضمن ما اسماه:-"عمل الواجهات التي تنفّذ الحركة عبرها بعض برامجها"،ويضيف أنها انبثقت مباشرة بقرار من اجهزة الحركة الداخلية ولكنها انفتحت  لكل مدارس الفكر الإسلامي،ورموزه ووجوهه وبدت قومية سودانية وليست تنظيمية اخوانية،شأن كل الواجهات التي تحرص الحركة علي وجهها القومي،وفق رؤية استراتيجية  والرأي نفسه عند حسن مكي،يكتب:-"... أدي تحرك الحركة إلي ازدهار واضح في جسم الحركة وظهرت ثمار ذلك في بروز عدد من واجهات العمل الإسلامي مثل:منظمة الدعوة الإسلامية،جماعة الفكر والثقافة الإسلامية،جمعية الإصلاح والمواساة،والوكالة الإسلامية الإفريقية للإغاثة".(1999:123) ولكن(الصادق)يقول عنها بمنتهي البراءة:-"..لتكون المنبر القومي الإسلامي السوداني الجامع لتيارات التوجه الإسلامي في البلاد وفي موضع آخر،يكتب:-" في بداية الثمانينات تنادينا نحن معشر المنتمين للفكر الإسلامي وكونا جماعة الفكر والثقافة الإسلامية.كان هدفها واضحا:التأصيل الإسلامي ضروي،كذلك التحديث؛والتوفيق بينهما واجب  وهذا يفسر علاقة الانتهازية مقابل الغفلة التي حكمت علاقة  الإخوان وحزب الامة. ما مجالات الخلاف فقد كانت كثيرة للغاية. فبعد  سنوات جاء  في سؤالصحيفة (الاسبوع) بعد الانتفاضة،يقول:" وصل العداء بينكم والجبهة الإسلامية الي مرحلة متطورة، ودارت عجلة الزمن وتحول الخلاف بدرجة حادة الي الوفاق بل تصديتم للدفاع عن الجبهة في بعض الاحيان، ما سر هذا التحول؟" وكان رد(الصادق) بعد ان استعرض مراحل العلاقة، يقول: -". . . واذا استعرضنا المحصلة في هذه المراحل نجد أن معظم الفترات كان وفاقا بين الجانبين، وان الخلاف كان مرحلة استثناء والذي كان مستغربا هذا الخلاف وليس الوفاق. وفي تقديري كان ميثاق الوفاق خلق ظروف للواقع المشار اليه ليتطور وتظهر آثاره واعتقد انه لا توجد مواقف دائما في السياسة". والجملة الاخيرة تثبت كيف قضي السياسي بالمعني التقليدي الفهلوي علي المفكر في المهدي. وفي سؤال آخر،عن كونه الأقرب فكريا للجبهة الإسلامية، وامكانية المصالحة مع النظام؛ لم ينف (الصادق) التقارب تاريخيا. وكان رده: -" هم جماعة الاسلاميين بمسمياتها المختلفة، تحالفت معي ومع جماعتي أكثر من ربع قرن. لقد كنت مهندسا لذلك التحالف برغم رفض الكثير من زملائي له وحجتي كانت أن السودان تؤهله ظروفه النموذجية لتطبيق النظام العصري والديمقراطية بدعم من الانصار وحزب الأمة وهما أكبر تجمع شعبي في السودان، وبدعم من الاخوان المسلمين أو الميثاقيين وهم يمثلون ثقلا كبيرا في القطاع الحديث. وساعد علي جدوى هذا التحالف وجود حزب شيوعي كبير في السودان".   ويضيف أن الخلاف مع الاسلاميين كان بسبب شريعة قوانين سبتمبر ثم انقلاب نظام الانقاذ. ويكمل: -" أن منهجنا الإسلامي والديمقراطي يقتضي وقفة قومية وحل القضايا الكبرى. لكنهم اتخذوا الطريق العدائي والقهري".     
يقدم  الكتاب جردة طويلة مفصّلة للخلافات  مع الاخوان المسلمين أو اسباب الفراق.فقد اعتبر(الصادق)أن تجربة التحالف المبكرة لمعارضة نظام النميري،كانت فاشلة تماما رغم أن التقييم حينها كان ايجابيا وثمنت عاليا.يضرب مثلا للفشل بالاحداث في الجزيرة أبا وودنوباوي-مارس 1970.ويلمّح (الصادق)كثيرا الي تضليل واستغلال الإخوان للأنصار ممثلين في شخص الإمام الهادي المهدي،يكتب:-" كانت بعض قيادات جبهة الميثاق الإسلامي(الجبهة الإسلامية القومية في ما بعد)مع الإمام الهادي المهدي في الجزيرة أبا،وكانوا أكثر تطرفا في عداء النظام وأكثر تسرعا في مواجهته.كتبت قيادتهم تدعم موقف الإمام الهادي وتحث علي المواجهة وتبايع علي رئاسة الجمهورية مستقبلا.(!)ولم يأخذوا في الحسبان الضرر الذي قد يصيب الأنصار من مواجهة عسكرية غير متكافئة وفي موقع لا يمكن الدفاع عنه عسكريا كالجزيرة أبا ومن الواضح انتهازية (الإخوان)في التحالف الي سماه(الصادق):ديمقراطيا شعبيا لانه يضم قوى اجتماعية قليلة العدد ولكنها حديثة(الإخوان)مع جماعة ذات قواعد شعبية عريضة(الإنصار).ولكن(الإخوان)كان يعلمون وزنهم الجماهيري،فارادوا-كما يقول العامة السودانيون-أن يهزوا بسيف الأنصار القوى،ولذلك يقدمونهم للمعارك ويكتفي(الإخوان)بالتشجيع والتبرير.كانت هذه استراتيجيتهم التي لم يدركها(الصادق)أو تغافلها لاغراض اخري؛حتي انقلبوا عليه وسقوه المذلة،فحدث الفراق.
تكررت الممارسات الانتهازية الإخوانية- كما يرصدها الصادق في مجمل العلاقة الثنائية،وهو غافل.ويذكر انتفاضة   سبتمبر1973،و"انتفاضة"2يوليو1976،ثم المصالحة الوطنية1977.اما الخلاف الحاسم كما يقول فقد كان تأييد قوانين سبتمبر1983 الإسلامية.،وقد عارضها(الصادق)فقهيا أو نظريا ،وجلب فقهاء من الخارج لتأييد اجتهاداته الرافضة للقوانين.ولكنه حين جاء السلطة عام1986 تلجلج وتردد ولم يستطع الغاء القوانين التي لا تساوي الحبر الذي كتبت به كما قال.ويضيف لاسباب الفراق قضايا اخري ذات طابع فقهي فكري مثل:الزكاة،الموقف من الدعوة المهدية،مفهوم الجهاد،قضية التأصيل،العلاقات الدولية،أساس الشرعية.ولكن كل هذا لا ينفي الطبيعة السياسوية البحتة للخلاف.لأن(الصادق)المعجب بكتابة المواثيق والنداءات والبلاغات لم يترك لنا أي ميثاق أو حتي ورقة تحدد مرجعيات هذا الحلف الإسلامي الطموح،والذي استمر عقودا. اخيرا،ومن الواضح أن الصراع غير المحسوم بين المفكر والسياسي داخل (الصادق) تسبب في الحالة الراهنة لفكره وللبلاد. فقد غلّب التحالفات التكتيكية السياسية علي الموقف المبدئي من الدولة الدينية في مجتمع متعدد الثقافات مثل السودان. ويقول- وكأنه مصدوم ومندهش: -"ان أقبح ما في التجربة السودانية الحالية ربطها الإسلام بالعنف والاكراه في بلد يغلب عليها التسامح السياسي".   . فمن المعلوم أن الاسلاميين لو خيروا بين الديمقراطية، وبين تطبيق الشريعة في نظام دكتاتوري، لاختاروا الحالة الثانية. وذلك، لأن الديمقراطية ليست من اولويات الفكر السياسي الاسلامي. وهذا ما غاب عن (الصادق) المفكر لأن السياسي فيه رأي فائدة أكثر في التحالف حزبيا مع الإخوان.ويمكن القول أن الإسلاميين وصلوا الي السلطة علي ظهر حزب الامة.وهذا لا يقلل من التضحيات التي بذلها الحزب بعد الانقلاب.ولكنها ثمن التفريط ،والحسابات الخاطئة في الماضي ؛والتي حكمت فكر وممارسات(الصادق)في علاقاته الإخوانية  ولم يستطع منها فكاكا.
مرة اخري اعتذر لقراء هذه الحلقات التي حاولت بقدر الامكان ان يكون رابطها ورسم بيانها فكر الصادق المهدي الذي قام بعملية مسحه الصديق المفكرحيدر ابراهيم علي الذي عشت معه  مراحل  بناء مركز الدراسات السودانية ورقة ورقة حتي صار صرحا شامخا  يقود حركة تنوير معرفية كان نتاجهاعشرات  الاصدرات, سياسية, وتاريخا, ومذكرات ,وترجمة ,وفى المجال الثقافي رفد  المركزالساحة السودانية بالرواية ,والشعر ,والقصة القصيرة عبر مجلة اوراق سودانية التي تزال تصدر مقاومة كل الظروف .