كتاب جديد للمفكر حيدر ابراهيم              
الامنوقراطية وتجدد الاستبداد فى السودان, قراءة  فى تطور المفهوم
بقلم: صديق محيسى
الامنوقراطية  وتجدد  الاستبداد  فى السودان هو اخر اصدارات  مركز  الدراسات  السودانية للمفكر  الدكتور حيدرابراهيم  على , وحيدر  ابراهيم  به دأب على  البحث  والكتابة  مثل  دابه  المستمر كما عرفته على حياة جادة لها معنى , لقد كان حيدر هو اول من  رفع  شعار سقوط  سلطة  المشافهة  لاعلاء  سلطة الكتابة  ,وتحت هذا الشعار  لم تنقطع  اسهاماته  فى اثراء  حياتنا  الخاوية  بكل  ماهو مفيد , فقد  بدأ  نضاله  الكتابى منذ تسعينات القرن الماضى حين دفع الى المكتبة السودانية  بالاسلام السياسى فى السودان الجبهة الاسلامية نموذجا , حتى سسيولوجيا الفتوى , ثم  الامنوقراطية  الكتاب الذى نحن  بصدد  استعراضه  الان  , وفى كل  هذه  الاصدرات  يعتمد  حيدر  فى إسلوب كتاباته  أكاديمية المنهج , وقدرة  البناء  الفكرى , ونصاعة الرؤى  , وفاعلية التحليل .  
يرى حيدر  فى تعريف المفهوم  إن الإستبداد  كلازمة  شريرة  ظل  مبثوثا  فى الحياة  العامة  منذ فجر  تاريخ  نشأة الدولة ,ثم اخذ  شكله المؤسسى  فى نسق  حركة   منظومة  التطور  الانسانى  بقيام   إجهزة  الأمن , ويشخص  حيدر  فلسفيا  المستبد  بربطه  بالكاريزما  والميول الذاتى الى التسلط ,والمزاج  الخاص  الذى يتحكم  فى السلوك , واتخاذ   القرار  (ورغم  عدم  استقرار  المجتمعات  البدوية , أو غير الزراعية  المستقرة , إلا  إنها  أظهرت حاجة  ملحة  لوجود  حكام , وقادة  وسراة  وقد  أكد  الاسلام  الذى ساد  بين  كثير  منها  فى المنطقة العربية  على هذه  الحاجة  خشية إنتشار الفوضى ,وقال بوجوب وجود الحاكم  حتى   ولو كان ظالما  (الامام الجائر خير من الفتنة ) رغم  ان فرقا  من المعتزلة  لايقر  وجوب الإمامة , أوالدولة  لأن وظيفتها  منع  التظالم وحمل الناس على العدل , فأذا  كف الناس  عن  الظلم  وتناصفوا  إستغنوا  عن الأمام,  وفى ثقافات  أخرى  عبر النا س  عن الحاجة  و العلاقة من خلال فكرة العقد الإجتماعى  التى أوصلت الى قيام نظم  ديمقراطية  متجاوزة للإستبداد وغياب الحرية  ولكرامة  الانسانية, ركز حيدر على خلفية  نشؤء  فكرة الإستبداد  فى السودان  فى حركتها التاريخية بغزو  محمد  على باشا  البلاد  فترة  الحكم  التركى   1820 – 1881  حيث  مارست جيوشه  من أجل إخضاع  البلاد  لحكمه  صنوفا من العذاب  لإشاعة  الأرهاب  بين اهله  ,وبالرغم من  ان  الكتاب  تطرق لأيديولوجية  الإستبداد تطورها  الزمنى  فى مسيرة التاريخ  العربى  القديم  والمعاصر مقدما  نماذج   من عصور  قديمة  وحديثة مختلفة   رادا  اسباب  ذلك   فى كل عصر  الى  الشروط  التى حكمت  حركته   ووجهت سياساته , ورسمت  اهدافه  , الا  انه  يهمنا  فى سياق هذا  الاستعراض  تطور الظاهرة فى السودان  بأعتباره  حالة  مستمرة .
تطرق حيدر الى ثلاثة تجارب من   الامنوقراطية  ,تجربة عبود  1958 -1964 والنميرى  69 -85 والاسلامويون98حتى الان ,وهى تجارب متفقة فى المضمون مختلفة إختلافا  طفيفا فى التطبيق , فلم تكن أمنوقراطية عبود مثلا شديدة قاسية   تستخدم التعذيب  كإسلوب وحيد ضد معارضيها فى الرأي , وفى هذا  فهى كانت موجهة اساسا  ضد  الشيوعيين تحديدا استنادا الى عصر الحرب الباردة بين الاتحاد  السوفييتى السابق والولايات لمتحدة باعتبارها زعيمة الراسمالية العالمية , واذا   نظرنا الى تركيبة الامنوقراطية نفسها فقد كان  قوامها  شرطيون عاديون مهمتهم  متابعة ورصد المعارضين , وكانت جزءا من جهاز الشرطة  يطلق عليها الناسالبوليس السرى  وافرادها  معروفون مصنفون كجواسيس ,ويعانون من العزلة الاجتماعية ولا يقترب منهم الناس كثيرا ,وتلك تعكس مدى النقاء المجتمعى فى ذلك الوقت ,او بمعنى اخر  الحضور القوى للقيم الاجتماعية  التى كانت مقياسا  هاما للحكم على السلوك لشخصى للفرد  ففى عصر عبود كانت ثمة  أمنوقراطية  تقليدية  تعتقل وتحقق  وتسجن  ولكن التعذيب لم يكن  نمطا سائدا  كوسيلة من وسائل الإعتراف ,ومن اشهر ما تداوله الناس يومذاك  من شائعة غيرصحيحة ان الحاكم العسكرى الزين حسن قام بنفخ  المعارض اليسارى حسنين ابو حسنين داخل سجن الابيض  وهو مانفاه  بشده  الزين حسن فى مقابله  مع صحيفة اخبار اليوم  قبل وفاته  عام 2004, وليس المراد  من تلك الحادثة  القول ان نظام عبود  لم يكن يعتمد  الامنوقراطية  فى سبيل حماية  اول حكم  عسكرى  فى السودان , ولكن  اوجه  الشبه  تغيب  تماما  بينه  وبين نظامين عسكريين شهدهما السودانمؤخرا,  وصلة  بما ذكرنا من ان الامنوقراطية  العبودية لم تكن متطرفة مثل ماهو  الحال  فى نظامي  النميرى والبشير  فأن  الكثيرين  يذكرون  ان نظام عبود  سمح  مرة , او اكثر من مرة بسفر سكرتير الحزب الشيوعى السودانى عبد الخالق محجوب الى موسكو لحضور مؤتمر للحزب الشيوعى السوفييتى , ولكن اكثر  ما   كان  يخاف  منه  عسكريو  نوفمبر هو عندما  يستيقظون   فى الصباح  الباكر  ليجدوا  كل جدر السودان  تحتشد  بشعارات  باللون الاحمر تنادى  بسقوط  نظامهم , او رفض المعونة الاميركية.  
لم يتطرق حيدر, أو سقط عن كتابه مرحلة  الديمقراطيات الثلاثة التى كانت  تغلف  فيها الأمنوقراطية بغلاف شفيف بالحرية الزائفة, واستخدم المصطلح  ضد  معارضى  حكومتين  إستخداما  انتهازيا  مما يفسر  عدم نضوج فكرة الديوقراطية بقيمها الاصلية لدى كثير من السياسيين الحزبيين فقد جرت إعتقالات جزافية  لصحافببن وسياسيين معارضين  بالحجج  نفسها  التى يستخدمها الان  الانقاذيون , وهى  تهديد  الامن الوطنى , او السلام الاجتماعى .
ركز  كتاب الامنوقراطية   للدكتور حيدر  ابراهيم على  المرحلة الانقاذية  باعتبارها المرحلة الاهم  فى تاريخ  البلاد , وفى نمو  وتطور  الاجهزة  الامنية  تطورا نوعيا  , وتلك خصيصة كل الانظمة  الشمولية  عندما  يعصف بها  الصراع  المكتوم ,وتتحول حروبها الى حروب  اشباح فى الظلام , وهو  مايعانى منه  نظام الانقاذ اليوم  وواجهته  حزب المؤتمر الوطنى .
ير ى المؤلف  ان كان من الطبيعى  ان يعتمد  الانقلابيون  الاسلامويون  على الاجهزة  الامنية فى تثبيت أركان نظامهم  ويعزون  السبب  فى ذلك  الى الحروب الأهلية , مثل حرب الجنوب , ولاحقا  حروب دار فور جنوب كردفان  ,والنيل الازرق , وهنا  يشير المؤلف الى توظيف  القران  والسنة والتراث , وقياس الحاضر على الماضى, ولذلك يقول المؤلف كان منظرو النظام  يرددون  ايلاف قريش , واطعمهم من جوع  وأمنهم  من خوف, ان اعطاء الامنوقراطية هذا الرداء الدينى هو  إبتزاز  سياسيى موجه  فى الدرجة الاولى  الى المعارضة , وكذا  الذين  هم داخل الحزب  ويتتبع الكاتب حركة الظاهرة  حتى  يقف  امام  تخلقها  من جهاز  شرير الى جهاز انسانى عادى فى خطوة  الهدف  منها  اعطاء الناس إنطباعا مغايرا  بأن الجهاز هو مؤسسة عادية , بل وثقافية وانسانية معا , كيف لا  وهو يفتح  ابوابه امام الصحفيين ليشرح لهم طبيعة عمله , ويستقبل اسئلتهم والرد عليها دون خوف , ويزيد  الجهاز  الجرعة  ليحتفى بالكتاب  والادباء والشعراء ايضا ويجزل لهم العطاء لاثبات ان الامنوقراطية  وقادتها  فنانون  ومبدعون  وذوى ذائقة  فنية  ويمكن لرئيسه  كتابة الشعر والرواية والنقد الادبى.
ان هذا الاختراق الجديد  ليس هو  اختراع  سودانى  محض  وانما هو تقليد بوقع الحافر على الحافر  للمخابرات المصرية  التى بنت عالما لها  فى  ميدان الثقافة  والصحافة وجندت الكثيريين من الكتاب ليصبحوا  اذرعة لها  فى بناء السمعة  الحسنة  وتمرير الأجندة  ,وتتجلى  الظاهرة  فى دخول الامنوقراطية عالم الطباعة ,فأشادت  لها كبرى المطابع , بل وشرعت  فى  تأثيث دور صحفية  بأكملها , وتجنيد  عدد  من الصحفيين  ليكونوا  فى خدمتها,  وحتى تخفى الامنوقراطية  وجهها  الحقيقى فهى تسمح  لصحافييها  بمهاجمة  النظام  ولكن  ضمن موضوعات  تحددها هى وسقف  محدد  متفق عليه,  كما  الامنوقراطية  وبذكاء شديد  تستخدم  هذه الصحف  كسلاح   دمار شامل  ضد  رموز  مشهورة  داخل النظام  نفسه , كأن تسرب لها  فضائح  مالية , او جنسية  حتى تضبط  حركتهم  وتعطيهم  الاحساس بالخطر الدائم  بأنهم  تحت  المجهر , وفى هذا  السياق  يقول المؤلف ( تبنى جهاز  الأمن سياسة وألاعيب  مختلفة   وجديدة ولكنها فى النهاية تحقق نفس اهداف السيطرة والهيمنة وحتى الترويع والتخويف لمعارضيها ,ولم يعد  الجهاز  محتاج  الى بيوت  اشباح ,فأفراده  وعناصره  مبثوثون  فى كل مرافق الخدمة المدنية , اذ تجدهم  بين اساتذة الجامعات ,والاطباء ,والمهندسن , والصحفيين  والمعلمين , والموظفين , وسائقى المركبات العامة , وفى المطارات والاسواق , وفى كل مكان,  ويقول الكاتب  يكاد  جهاز الامنوقراطية  ان يكون  دولة   داخل دولة إذا لم يكن الدولة الحقيقية  الوحيدة  الممسكة  بمفاصل  الدولة , (وقد  لا نبعد  كثيرا  من فكرة الترابى شيوعية النكهه  حيث  يرى ذوبان  الدولة فى المجتمع )  ولكن الذى حدث هو ذوبان الدولة  فى جهاز الأمن .
يقدم كتاب الامنوقراطية الممنوع  تداوله فى السودان تشريحا دقيقا لجسم الاستبداد فى السودان , ويعرج الى استراتيجية الخوف  التى رعاها  نظام ( الانقاذ ) وهى الركيزة  الأساسية  التى يعتمد  عليها  فى الإستمرار فى الحكم , ولكن السقوط  المدوى لإنظمة  أكثر تطورا فى العنف ,مثل نظام مبارك , وبن على , والقذافى , وحاليا بشار الاسد , يعطينا الثقة  فى ان  ماكينة  التغيير اذا بدأت عملها , فأنها  لن تتوقف  الا بعد  التأكد  من زوال الإستبداد تماما  والى غير رجعة .

sedig meheasi [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]