السودان الجديد  اسم  طلع علينا  بعد  وصول  الاسلامويين الى السلطة  فى ثماننينات القرن الماضى , وصفة الجديد  نحتها   نخبة من المثفين السودانيين  اكتشفوا  ان السوادن  الذى  استولى عليه  بارونات الاسلام السياسى  واشبعوه   تخلفا  ثم عطونه  فى وحل الماضى , هو السودان  المغاير  الذى يحتاج  الى تغيير يطاول  الجذور التى كانت  سببا  فى ولادة  هذه  الرقعة من الارض,  ولكن  بعين  الروائى  الفاحصة  هو ان  من  نعيش  على ارضه  اليوم  هو السودان الجديد  فعلا  لاقولا , السودان  الذى  اشاده  هؤلاء الذين  نحسبهم  مخلوقات دانتى  فى جحيمه  الاسطورى المتخيل, هل  من يصل الحضيض  قادر على التدحرج  الى  ما بعده ؟  وهل  من  بعد الحضيض  غرار, اقول  هذا  وانا اعيش  تجربة شهر  فى السودان الجديد,  رايت فيه ثم رايت  ما يسوق  الصورة  فيه الى  عالم الحلم,  وما يسوق  الحلم فيه  الى عالم الحقائق, فى السودان الجديد  العاج  باقوام  من  كل  الاقطار  والامصار , اثيوبيون, اريتريون , ومصريون  ,ولبنانيون ,واتراك  وسائر البلاد  المجاورة  والبعيدة, فى الخرطوم  تشاهد  فلسفة الفوضى  متجلية فى  اتصع  صورها  وفى كل شىء  ,فى الشارع  العام  يبدأ الاشتباك  منذ   دغش الفجر  حتى   حلول  الظلام , اناس  كالفراش المبثوث  يتصارعون فى  الشوارع  غارقون  فى همومهم , ساهمون  فى نظراتهم  يطاردهم   شىء   ما  لايدرون  كنهه , وجوههم مغبرة  وشفاههم  متيبسة , واياديهم  بعضها  معروق  كجريد النخل  ,وبعضها  مثل  خطاطيف  تسرع فى الحركة يمنة وشمالا ,  , ركشة  فوق  امجاد , و دفار فوق  عربة يجرها  حصان , وحمار  يجره  انسان    او انسان  يجره حمار, تقف  امام لوحة  سوريالية  غامضة  خطوطها  متداخلة  كأنما  رسمها  جن  من مارد  من نار.  وقفت طويلا  و اصابعى  وليس  قلمى  وقفت معى  امام مفاتيح  الحاسب , ماذا  اكتب , عن  السياسة وقد  اشبعها  غيرى  كتابة , ام عن  الذين  صنعوا   هذه السياسة  وقد   شبعوا  عواء   وزعيقا  ظهرت  من عنفه  عروق  الرقاب, وفى لحظة  خاطرة   سريعة امسكت  بها  قررت ان اكتب عن ظواهر عجيبة  ايقنت  انها   من صنع  السياسة حتى ولو قررت الهروب  من  ان السياسة  لا تصنع  الظواهر,  فى  رغبتى الكتابة عن ظواهر مشتركة   تكاد تقوم مقام  السائد  من السلوك   دربت عيناى  على رصد  اشياء   قد  لا   تعن   على بال احد , ولا تجذب  اهتمام  من يرى الصورة  دون  ابعادها  او  جودة  بياضها من سوادها.
من شرفة المنزل  المطلة على شارع رئيس  تابعت قطعانا من السيارات الخاصة   والحافلات  القديمة  والجديدة , والرقشات ذوات الثلاثة  ارجل ,  والدافارات التى تطلق  اصواتا   مثل اصوات  الدينا صورات,مخلوقات كمخلوقات مكسيم جوركى, رجالا   ونساء ,  وصبيانا, انهم  يعلنون  نهاية معركة,  سيل  عارم  من  الحديد  يشق  طريقه  نحو اهداف  مختلفة,  ابخرة  حارة ودخان خانق واصوات مثل اصوات المناشير لها صرير  وشخشخات وحشرجات, نساء  كتمر مسوس يتحدثن من موبيلات  يروين شئونهن لاخريات ربما فى مدن اخرى عن الدواء المستحيل  وموت الاقارب اما م  بوابات  المستشفيات ,وموت المستشفيات نفسها  امام المرضى,  واخرون  يتحدثون عن عودتهم  توا من المقابر بعد  ان دفنوا  ابناء , او اصدقاء , بعضهم  قضى بالملاريا  ,وبعض اخر قضى فى حروب النيل الازرق , وجنوب كردفان  ودارفور,  يقابلهم  اخرون  يتحدثون عن عودتهم من عقود  زواج  جرت فى مساجد , وجوامع  قرؤا  فيها  الفاتحة  واكلوا  التمر, كانت قطعان السيارات تنهب الارض فى شوارع الشنقيطى ووادى سيدنا  عازمة  على الوصول الى البيوت , خلق  من كل انحاء السودان قذفت بهم الحروب الى العاصمة  بحثا عن الامن  ولقمة العيش وجرعة الدواء  خلق  فيهم , الطيبون  ,والاشرار , اشرار  كانوا  طيبين ,  وطيبون  كانوا  اشرارا ولكن المدينة  اكسبتهم هذه  الصفة, عنت لى فكرة فى اليوم الثانى  ان اعرف  اين يذهب  هؤلاء  الاقوام  فأستأجرت ركشة وطلبت من سائقها ان يسلك طريق  الوادى  ما استطاع الى ذلك سبيلا , سالنى ان كنت اريد  الذهاب الى مكان بعينه , اجبته عليه  اريد  ان اعرف اين يسكن هؤلاء  الاقوام, ضحك وقال لى  يا استاذ  هذه حكاية طويلة,  كانت  رحلة عجيبة حقا,  مررنا  بقصور فخمة باسقة  بعضها له مشربيات ايطالية  واسبانية وبعضها  له شناشيل عراقية ,  قصور قرناطية  تطل  منها  اشجار  خضراء  , يقف امام  ابوابها  اطفال  خدودهم مثل  ورود  على وشك  التفتح  ,  ونساء  كواعب  يقفن فى غنج  تزين اياديهن اساور من ذهب  لمعانه  مثل  بروق ليلة ممطرة, نساء  رقيقات ملس مثل اعوا د الابنوس الاخضر , واخريات ذوات قوام  ممشوق كأ نهن هبطن من جنة الفردوس فى التو , ورجال ذوى لحى وجوههم مدورة وجلابيبهم بيضاء ناصعه على كتوفهم ملافح  ناعمة , لهم ابتسامات ماكرة  مخاتلة  ,عليها  طيبة مصطنعة, على جباههم علامات  سوداء مثل  نقاط  تظهر على ثمرة الموز الموشك  على  التخسر, قال لى السائق  هذا الحى  يسكنه  اهل  السلطة  وتجارها  ,فهم  هنا  ونحن هناك, درنا بالركشة دورتين نتأمل هذا  العالم  الحالم  الناعم المفعم    بالحبور,  والغامض فى المستور , يمور في داخله  نعيم  منثور  وطير مختلف  الوانه  بين اشجار  وزهور , قلت  لصديقى السائق فلنواصل الرحلة  لنرى المزيد  من العجائب والغرائب, اخرجت  الركشة  صوتا  اشبه بسعال مصدور  واخذت  تئن فى الاسفلت   صوب عالم اخر,  ها  نحن نرى  ما لا تصدقه عين ,   كان على جانبى الطريق خليط  من   مئات بيوت الطين والقش  والكرتون , وسيقان الاشجار , والصفيح ,والجولات , اناس  منهمكون  فى بناء اكواخ لهم , حولهم  كلاب جرباء هزيلة تنبح  نبيحا  خافتا  تنبش  فى الارض ,وتتصارع على عظمة  بيضاء  قديمة , قريبا منها اغنام  تأكل صحفا قديمة , اى اغنام تأكل صحفا رايتها  تدور حول  مزابل  عديم  الفائدة  ,فليس لهؤلاء القوم  شيء  يرمونه, استمرت  الركشة  فى لهاثها  المتقطع  , فرأينا جنازة  يسير خلفها عدد  قليل من الناس   سألناهم فردوا  علينا  انها  لأمرأة  ماتت  من لدغة عقرب  ففصدوها  لأخراج  السم ولكنها فارقت الحياة  بعد  نزف حاد  عجز الفكى  من وقفه,  ليس  فى هذه  المعازل  ,مصحات , او مدارس ,او خدمات  انهم خارج دورة الحياة , فالناس هنا يعيشون على الطبيعة  يتغوطون  فى الخلاء  تراهم  جلوسا  مشمرين  ملابسهم  لايلوون   على  شىء  ولا يأبهون  لمن ينظر اليهم , فهم  يمارسون  حياتهم  البائسة  سعداء بما قسمه  الله لهم  كما يقول  سادتهم  الاسلا مويون ,هكذا  قال لى  زعيم قبيلة  جاءت  من غرب السودان  لتستوطن  فى هذه  الرقعة  من الارض  قال محدثى  بالامس  مساء  داهمنا  عشرات  من الشرطة  يحملون زجاجات  فيها  سائل  اظنه  بنزين  انهمكوا  فى عملهم  تحت  ابصارنا  فأشعلوا  النار فى خمسة عشر كوخا   وسط  صرخات  النساء  والاطفال,  لقد  التهمت  النيران  كل مانملك ,انا  رآس لقبيلة هنا  وكنت رأسها  فى الغرب, انا  السلطة الحاكمة  لعشيرتى  اذنت لهم بالبناء لان هذه الارض  خالية  ليست ملكا لاحد, وبعيدة من المدينة , لماذا تلاحقنا  الشرطة  هنا  بعد ان لاحقنا  الجيش  وطردنا من ارضنا الاصلية  فى دارفور , ليس بوسعنا عمل  شىء مع  هؤلاء  ,اليسوا  هم  مسلمون  مثلنا ؟ هم يقولون  ذلك دائما  من خلال التلفزيون وفى خطب   صلاة الجمعة ,ولكنى اراهم  يعملون عمل  الكافرين ,كا نت الساعة  تقترب  من السادسة مساء , وصوت  الاذان  يتردد   وسط  هذا الركام من البؤس  , قال  صاحب الركشة  اتريد  ان نذهب   ياعمى وراء الجبل  فهناك  خلق  كثير  بعد  الجبل  قلت  له  فلنكتف  اليوم   بهذا  لقد عرفت  اين   تذهب  هذه  الحافلات  والامجاد والركشات  كل  مساء  وهذا  ما سعيت اليه .

في السودان الجديد سودان  اللحى المدببة  تستطيع  بيسر شديد إن تفرق  بين أهل السلطة والجاه والموالون والسائرون في ركابهم  وبين عامة الناس , في الفضائيات الحكومية  ترى مذيعين  يلبسون  بدلا   أنيقة  وربطات عنق  راقية , وجوههم  ناعمة مترعة بالراحة , ومذيعات  كالحور العين عليهن  أثواب  ملونة  تتغير إشكالها كل يوم , يبتسمن  فتشع من ابتساماتهم  حبات بلورية  تضيء  الاستديو, مذيعات  ومذيعون  فتحت  لهم  السلطة  صنابير  الراحة , وضيوف  يجلسون  في طمأنينة  تعبر عنها  وجوههم  الشحيمة  الملساء  ,على رؤوسهم عمامات إطرافها منممة  بخيوط  خضراء  وبرتقالية , وعلى أكتافهم  ملافح  تتناغم  مع  جلا ليبهم , فهم  يظهرون  مثل  طيور  البلو بلو  يتحدثون  في السياسة والفن فيفرح  الجميع , حبور يتوزع  عليهم  في اماسى الأنغام  والأحلام  , وتختتم  اللقاءات  بأغان  من فنانين  تظنهم  فتيات  من كثرة  الدهانات والكريمات , شعورهم  مبرومة  مثل  القنافد  وبدلاتهم  منسجمة  مع  قمصانهم,  تلك  هي إطلالة  تكشف  لك كم هناك  أناس لا يعرفون إلا السعادة , وأناس  لايعرفون  إلا الفقر  والإملاق  والتحديق  فى الفراغ, تتسع الرؤية وتضيق  العبارة  مما هو جار فى الشارع  السودانى, كل  شىء  نقيض  ذاته , وكل ذات نقيضة نفسها   فى الشارع  ترى مبان متنافرة  عمارات  قبيحة معوجة  بجانب  اخرى جميلة منسقة  بقربها  اكشاك  شوهاء  نافرة  وسيدات فقيرات  يبعن  الشاى  حولهن رجال  وشباب يثرثرون , داخل هذه العمارات وزارات حكومية وشركات وبنوك, وفى هذه الوزارات والشركات والبنوك تجد اصاص كانت مخصصة للزهور. ولكنها الان مخصصة لبصاق الصعوط  واعقاب السجاير , واذا اخذتك لفتة عفوية تجد موظفون  يفترشون  الصحف فوق  مكتب المدير , او اى مسئول كبير, او صغير ليتوسط  صحن الفول وسط تعليقات اشادة  بنوعيته  وصاحبه  وبعد  الفراغ من  هذه  العادة الصباحية يذهب البعض ليمارس وظيفته حيث فى انتظاره  العشرات من المراجعين  المتذمرين  الذين لايملكون الا الصبر والانتظار . 


على هذا النحو تتكرر ظاهرة الفوضى وغياب المسئولية  وموت الضمير   حتى تصل الى غياب الدولة  الكلى,  هذا المشهد الصغير يتسع  ويصبح  مألوفا كلما سلكت شارعا  من شوارع المدن الثلاث تدهمك عجائب المتناقضات ,فيها  تجد  شرطيين فى ملابس  بئيسة  واحذية بالية  ورجال مرور بملابس بيضاء  متسخة يقفون وسط  زحمة  السيارات  يحملون صافرات  تزعق  صريرا طوال اليوم  ويشتبكون  فى مشاجرات  وسباب  مع  السائقين  ,و ترى  بعضهم  يحمل  دفاتر  ايصالات  ولكنه  لايستخدمها فهو يفضل  عقد  صفقات  خاصة مع  المخالفين , وقيل ان رجال المرور كونوا  طبقة جديدة  شروط  الالتحاق  بها فيه مشقة  لا تزول الا  برضاء  كبار الضباط,  قال سائق الامجاد , انظر الى هذه العمارة  من ثلاثة  طوابق  هل تصدق  يا  استاذ  انها  ملك لعسكرى  مرور متقاعد  اشتهر   بالشطارة, قلت  له  ليس  فى الامر عجب  فقد  رأيت  عمارة  فى شارع  الستين  من اربعة عشر طابق  يقع تحتها  مباشرة  منزل شقيقتى  المتواضع فعلمت  من ابنها  ان العمارة  ملك  لمستشار  وزير الاستثمار , وقد  شاهدت  المسشار  بأم عينى  وهو يدخن  السيجار الكوبى  ويركب  سيارة جديدة   بيضاء  لامعة  من ذوات  الدفع  الرباعى, تأملت الرجل  مليا  فكان ذى  (جضوم )  بارزة ناعمة ,عيناه  كعينى سنجاب , تنمان عن لص  اسلاموى حاذق ,شديد  المكر  فارغ  القلب من الوطنية,  سؤال واحد  ظل يؤرقنى وهو اذا كان  المستشار  له القدرة على  السرقة حتى يبلغ  هذا الشأو فما  الذى  يمكن ان يسرقه  الوزير نفسه ولكن الاجابة  جاءت  سريعا  لتفك  اللغز  وهى ان المستشار  هو واجهة الوزير

سيرة  الفساد  فى السودان لا ينظر اليها   بكونها  مخالفة  للشرع , او قيم  الامانة  ونظافة اليد ,ولكن يعتبرها  ذوى اللحى المدببة هبة الهية  قوامها  الرزق الذى  يهبه الله لمن يشاء  بغير حساب ويحرم  منه من يشاء دون حساب ,والى ذلك  تحتوى   (شيمة) الفوضى  مع  السرقة  لتبتلع  الفقراء  دون صريخ   على  مصيرهم  

نواصل  توصيف السودان الجديد

sedig meheasi [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]