sedig meheasi [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

قبل اسبوعين رحل ن دنيانا  الكاتب والناقد  الادبى والصحفى الكبير حسب الله الحاج يوسف ورحيل قمة مثل الحاج يوسف فى صمت ووسط جلبة سياسية  يشهدها  السودان منذ وصول  ( الانقاذ )  الى السلطة تثير دهشة كبيرة  تجاه  تداخل الاحداث الكبيرة والصغيرة فى السودان لدرجة العجز عن  التمييز بينها  , ايهما  الاهم , وايهما . التافه  ,ايهما العارض , وايهما الدائم ,ايهما المؤثر فى الحياة , وايهما المفقر لها والسالب منها نضرتها.؟
قبل رحيل حسب الله الحاج يوسف رحل مبدعون  كثر ضاعت شواهد قبورهم فى البكرى ,واحمد شرفى, وفاروق وتوارت سيرهم, وغابت ذكراهم , واستمرت مسيرة الحياة  صاخبة  تسلط  الاضواء  على (ابطال) جددهم صانعو بؤسنا الراهن ,ومهندسو املاقنا الثقافى وجاعلونا  ندمن التحديق فى البعيد ساهمين  فى حالة عصية على الشرح او التـأويل, وزراء واشباه وزراء وكتاب وصحافيون وفنانون يتناسلون كل صباح كعلب الادوية فى سيور المصانع تدفع  بضاعتها بسرعة تقف امامها العين  عاجزة عن العد والمراقبة,  رحل حسب الله الحاج يوسف وغالب ابناء هذا الجيل يرون ان بداية التاريخ كانت من انقلاب الاسلامويين, فهم لايعرفونه الا ما سعى منهم  لذلك  مدفوعا  بالرغبة فى التحصيل والالمام  بالماضى القريب , جاء حسب الله الحاج  قادما  من بوتسودان فى النصف الاول من ستينات القرن الماضى  ملتحقا بالصحافة تاركا تدريس اللغة العربية فى كلية كمبونى الشهيرة, انخرط   بكل عنفوان  الشباب فى الحركتين  السياسية , كاتبا  وطنيا ملتزما  وفى الثقافية  ناقدا مجتهدا امينا , ثم اللافت جسرا هاما  بين الحركة الثقافية فى السودان , وبيروت ,والقاهرة, ولمزيد للذين  لايعرفونه  انه بعد معاوية نور كان  اول  من نشر  مقالاته  فى  الرسالة المجلة الاشهر التى  كان على رأسها  الاديب المصرى  احمد  حسن الزيات , الرسالة التى كانت لا تنشر حرفا الا للكبار, امثال محمود  عباس العقاد  , وطه حسين , ومحمود  تيمور , وسلامة موسى, وتوفيق الحكيم, كتب فيها حسب الله الحاج عن  الادب السودانى متناولا جذوره وطبيعته  وقدرته على الانتشار جنبا الى  جنب  مع الاداب والثقافات الاخرى  , كتب فيها  يشير الى اهمية الكفاح المشترك بين شطرى وادى النيل لتحرير الوادى من المستعمر  واقامة الاتحاد  بين الشعبين الشقيقين
تعرفت على الحاج يوسف وانا فى بداية  درب الثقافة, كنت اعرض عليه محاولاتى فى الشعر ,والنقد ,وكان يشجعنى, وينصحنى بمزيد من القراءة, كنا ابناء ذلك الجيل  جيل الستينات نتلقى فى مقهى المحطة الوسطى ملتقى المبدعين والسياسيين والصحافيين تفيض علينا مكتبة الثقافة لحامد المطرى باحدث الاصدارات فى العالم العربى ,الاهرام الاسبوعى حيث المقالة الشهيرة لمحمد حسنين هيكل (بصراحة   واوراق , العمر للويس عوض, واخرالروايات لنجيب محفوظ   وملحق النهار الادبى  تجد  فيه ادونيس , ومحمد الماغوط,  وحسب الشيخ جعفر ,وسعد الله ونوس وسركون بولس  ,واياد ابوشقرا, وخليل حاوى , وسعدى يوسف , ومجلة الاداب الصقيلة برائحة حبرها المحببة.
كان حسب الله الحاج يوسف ذلك االقصير ذى النظارات السميكة بصوته الخفيض الخفيت وسط هسيس المطر يضع امامه المجلات والصحف  يحنو عليها  حنو  القلم والقرطاس , يقول حسب الله  فى اخر لقاء   صحفى اجرته معه  الصحافية هاجر ابو خليل الصحافة19 / 11 / 2009    (ولدت علي ضفاف نهر سستيت بشرق السودان وامي   الكبرياء... وابي من سلالة اولئك العرب المتمدنة والذين هاجروا من جنوب الجزيرة العربية واختلطوا بالبجة (الهدندوة) فحملوا حرارة الدم العربية وزهد البجة (المقاتلين إذا ما أثيروا.. الوادعين إذا غنت لهم الحياة باطيابها ,نشأت في قرية ود الحلاوي  ودخلت المدرسة بكسلا , وكنت أحرز المرتبة الأولى علي التوالي في الفصول الثلاثة الأولى توفي والدي فرجعت إلى الحلاوي واخترقت السهول إلى عمق الأشياء والعفوية وهنالك نظام محسوب يرفض المزايدة وأصبحت إنساناً أعلم نفسي بنفسي لكي أعلم الآخرين واصطلي بنار الوجد وانشره في دفء وحنان  ، أمر كالطيف في الحياة الحاضرة ولم يلتفت إلي أحد لأني لا أطالب بصوتي ولا أملك أرضاً.
توفيت والدتي فتركت منطقة الحلاوي وحزمت حقائبي تاركاً بورتسودان.. وكافرا بالمصير للأسف إلى الخرطوم وتعرفت على محجوب عمر باشري والذي قال مقولته التالية  حسب الله لم يجد قلباً يحن عليه ولم يسبقه صحفي , ولم يستقبله صحفي.)
فى ستينات القرن الماضى  وبعد  اطاحة ثورة الكتوبر الشعبية  بنظام الفريق ابراهيم عبود  تسلم حسب الله الحاج  يوسف  عمله الجديد  كمدير لتحرير  جريدة اكتوبر  لصاحبها  صالح محمود  اسماعيل اشهر كتاب  صحيفة الاخبار لرحمى محمد  سليمان , كان صالح اسماعيل او ل وزير اعلام  لحكومة الثورة  وقطبا بارزا  فى الحزب الوطنى الاتحادى  فصله  زعيم  الحزب اسماعيل الازهرى تحت  شعاره  الشهير (الى من يهمة الامر سلام ) بسب  تمرده  على شمولية  الزعيم ,  اصدرصالح اسماعيل  بعد  تركه  الوزارة  صحيفة اكتوبر  تيمنا  بأول ثورة شعبية  اطاحت نظاما  عسكريا.  ومحاولة منه لاصلاح  الحزب الاتحادى باشاعة الديمقراطية داخله وغل  يد الازهرى من العبث بمصائرالاعضاء .
كانت مكاتب اكتوبر بالقرب  من  دار السودان الجديد فى الطريق الى جامعة القاهرة فرع الخرطوم , بيتا متداعيا من بيوت الاقباط  القديمة اتخذه  حسب الله  مكتبا وسكنا  له , ارا د صالح  محمود ان يكون  للثوار مبنرا  يطلون منه  على القراء , فاختار  حسب الله  كمسئول عن  هذه المهمة,   انضم  اليه الصحافى الراحل احمد طيفور  فكتب سلسلة مقالات عن الثورة الاريترية  فى بداياتها الاولى ولكنه عاد  بعد سنوات للانقضاض على ما كتب وتلك رواية  درامية  ليس هذا مجالها , شرع حسب الله  فى اجتذاب الكتاب  الديمقراطيين واليساريين  فصارت اكتوبر قريبة الشبه  بصحيفة  الميدان للحزب الشيوعى,  ولكن الاعسار المالى  لازم محمود  اسماعيل  الذى كان يمول الجريدة  من ماله الخاص , فلم تستطع  المطبوعة الانتظام فى الصدور  فتوقفت  ليجد  حسب الله نفسه  تائها  بين الصحف حتى  التحق  بالايام  رئيسا  لقسم الاقاليم .
فى مسيرته  الطويلة  التى تقارب المائة عام , او يزيد , كان للادب عند حسب الله مكانة تفوق اى اهتمام اخر , ورغم  انشغاله  بالعمل الصحفى اليومى اولى كل وقته وجهدة  للحركة الثقافية , فاصبح  مراسلا لمجلة الاداب  اشهر المجلات فى ذلك الوقت ,وعقد  صداقة  خاصة مع صاحبها الروائى اللبنانى سهيل ادريس , نجح حسب الله فى  اقناع ادريس  بتخصيص ثلاثة اعداد   عن الادب السودانى  شعرا وقصة قصيرة , ورواية  ومسرحا,  شارك  بالكتابة فيها   كتاب وشعراء معروفون  من ابناء ذلك الجيل  ,   محمد عبد الحى , ويوسف خليل , ومحمود  محمد  مدنى , وعيسى الحلو , وعلى المك  ,وصلاح احمد ابراهيم , وعبد العزيز صفوت , وخديجة صفوت , والنور عثمان ابكر , ومبارك الرفيع , ومحمد المهدى بشرى, وكاتب هذه السطور, وعدد  اخر من المبدعين  السودانى.
كان  حسب الله  هو المكتشف الاول للمفكر السودانى محى الدين محمد الذى كان يكتب بحث الشهر فى  مجلة الاداب, ومحى الدين للذين يسمعون  باسمه لاول مرة  هو سودانى نوبى  تربطه صلة قرابة شديدة  باسرة شورة  منهم محى الدين الذى كان وكيلا لوزارة المالية فى ستينات القرن الماضى , ومحجوب المعلم  والنقابى اليسارى المعروف, لفت  حسب الله  نظرنا الى هذا الباحث الجاد  فصرنا نتابع كتاباته  فى الاداب  وغيرها من المجلات  المصرية  حتى اصدر كتابه (ثورة على الفكر العربى المعاصر)الذى احدث بالفعل  ثورة فى عالم النقد والسياسة  فى العالم العربى فتناولته  الصحافة الادبية المصرية  واللبنانية  فاشاد  به رجاء النقاش , وغالى شكرى  , وصبرى حافظ   اطلق محى الدين محمد,  صرخته المطالبة بتغيير  الذهنية العربية المتخلفة المتواكلة  حتى يلحق العرب  بمسيرة  الحداثة  والحرية, ترجم محى الدين  الصخب والعنف  لوليام فوكنر وسلط الضوء على الروائى السورى المعروف زكريا تامر بل كان هو مكتشفه  ندما تناول مجموعتة  ( صهيل الجواد الابيض ) حسب اعترافات تامر نفسه .
كان حسب الله  الحاج  يوسف  على صلة وثيقة  بمحى الدين  يراسله  بانتظام ويزوره  فى القاهرة  كلما حج  اليها , ومن كثرة عشقه  لهدا الناقد  الكبيرسعى الى اقناعه  بالعودة الى نهائيا السودان , فدعانا الى تشكيل لجنة  للاعداد  لهذه الزيارة  ,كان ذلك  فى منتصف عقد  الستينات, ذهبنا  محى الدين فارس, ويوسف الشنبلى, ومحمد احمد  العمدة ,ومحمود مدنى,ومحجوب الزعيم , ودفع السيد عبيد  يتقدمنا حسب الله  ذهبنا الى محطة السكة الحديد لاستقبال الناقد  الكبير الذى  نزل ضيفا  على حسب الله فى غرفته  المتداعية فى مبنى  صحيفة  اكتوبر , جال حسب الله  بمحى الدين  الصحف  لايجاد  وظيفة له   فعرض عليه محجوب محمد صالح ان يشرف على الصفحة الادبية  فى الايام  ولكن  محى الدين  فضل العودة  الى القاهرة ليواصل عمله مترجما فى مصلحة البريد , وناقدا معروفا فى المجلات العربية, يقول حسب  فى اخر  مقابلاته الصحفية   متحدثا عن رحلته  ( كتبت مقالات بصورة منتظمة لمجلة الخرطوم وأخرى بصورة أسبوعية لمجلة الإذاعة وكان رئيس تحريرها كل من الشعراء جعفر حامد البشير والفيتوري إضافة إلى ذلك كنت مراسلاً داخلياً للمجلة الأدبية البيروتية الاداب وكان رئيس تحريرها  الصديق سهيل إدريس وظللت أتابع نشاطي الأدبي والثقافي في السودان ومراسلاً  لمجلة  فكر التى  كان يصدرها زمانئذ المفكر  التونسى  ورئيس الوزراء فيما بعد  محمد  مزالي, ومراسلاً لمجلة الرائد العربي بالكويت  , كف بصري وتوقفت عن العمل وها انذا اقطن في هذا الوجار (الجحر) وهو في بري اللاماب مربع ستة منزل رقم 139 ومساحته 300 متر مع أفراد أسرتي الكبيرة
غادر حسب  الله  الدنيا وهو لايملك  شيئا من حطامها  الا بصيرته بعد ان فقد بصره ,  قدم لوطنه  المعرفة بقدر ما استطاع  , كان جسرا   عبرت منه الثقافة السودانية  الى انحاء العالم العربى, كف بصر حسب الله ,وكف بصرالسلطة عنه فلم يظفر بنعى منها , ونعاه  اتحاد الصحفيين فى سطور عجلى شحيحة  تنم  عن عدم المام بسيرة الرجل , وتلك حال الانقاذ وسدنتها فى كل مجال ,يطلقون  اسماء نكراتهم  على الشوارع  والمعالم ,بينما يزورٌون عمدا عن المشاركين الحقيقيين فى صنع الحياة  والتاريخ,  يعطى العلامة عبد الله الطيب شارعا  فرعيا بينما يعطى عبيد ختم  شارعا رئيسا , من هو عبيد ختم  واى ريح قذفت به فى مجرى التاريخ ؟, ما لذى قدمه للمعرفة ؟ ومن هو الزبير وما لذى قدمه سوى اغتيال الناس والديمقراطية والحرية؟ تحتل نكرات الانقاذ  اسماء الشوارع  بينما اعلام امثال على المك , وصلاح احمد ابراهيم , ومحمد عبد الحى ,والطيب محمد الطيب , ومحمد المهدى المجذوب , وعبد الله الشيخ البشير, ومحجوب عمر باشرى تتوارى ذكراهم الا ماحفظ الشعب والتاريخ  منها بحكم  العطاء  بغير حدود ,رحم  الله ودمحلق  فقد  حلق عاليا فى سماء الوطن ,ثم تخاوص كمذنًب فى سديم الظلام  منهيا رحلة طويلة حافلة بالنضال من اجل استمرارالحياة