وحيدا  الا من شقيقته وابنه  وفى مستشفى الشيخ زايد  بالرباط  لفظ  الصديق  الصحافى المناضل  عبد الواحد  كمبال انفاسه  الاخيرة  راحلا عن دنيانا الفانية   مسدلا  الستارة  على ما يقارب السبعين سنة  من  معاركة الحياة  , انتصارا مرة  واخفاقا مرات, تاركا  لنا  الحزن والحسرة والالم الممض.
  بدأ كمبال  مسيرته  الصحافية فى  ستينات القرن الماضى عندما  عمل  فى وزارة الشباب  والرياضة  بمدينة الابيض خلال  فترة حكم  الرئيس الراحل  جعفر النميرى , ثم  عادالى الخرطوم  مرة اخرى  ليلتحق  بمجلة  الشباب  والرياضة  قبل ان ينتقل الى صحيفة الايام مخبرا وكاتبا على صفحاتها  كناقد ادبى  ومحرر اخبار وتحقيقات , معاصرا تقلبات  النميرى  الذى   انقض على  الشيوعيين  حلفاؤه  الذين ساندوه  فى بداية انقلابه, كان عبد الواحد  مثل ابناء  جيلنا   شديد  الاعتقاد     بانتصارالاشتراكية فى السودان  كمجيرة  للكادحين من عمال المدن , ومزارعى الريف حتى ينتقل المجتمع  كله  الى العدالة الاجتاعبة  التى  تعيد  الى الشعب  حقوقه  التى سلبها  الراسماليون واقطاعيو الريف ,وسدنة الادارة الاهلية ,, كانت تلك احلامنا  ونحن شباب معجبون  بالمنجل  والمطرقة  كشعار للحياة الجديدة ومعلقون صور ماركس , ولينين , وكاسترو, وجيفارا على جدر  بيوتنا  فى االسجانة  والديوم  الشرقية, كان كمبال بيننا  كفراشة  تتنقل  من غصن الى غصن مبشرا  بالحياة الجديدة  فى ظل  ( ثورة  مايو الاشتراكية ), فى الايام الاولى  ( للثورة ) جاءنا عبد الواحد  قادما من الجزائر بعد  دورة  شبابية  قضاها  هناك  مع مجموعة اخرى من الشباب  بعث  بهم  منصور خالد  وزير الشباب  والرياضة  حينذاك  ليبنى الكوادر الجديدة  ( للثورة ) اعجابا من الوزير  بالتجربة الاشتراكية الجزائرية  التى يقودها  هوارى بومدين,   نزل علينا عبد الواحد  كضيف  ونحن عزابيون اصدقاء, عبد الله جلاب , والراحل عبد السلام عباس , واحمد  الطيب السنى ,  وعلى صديق, ومحمد عبد الله دوعالى ,والشاعر الذى ختم حياته  بمأساة  فاجعة عبد الرحيم ابو ذكرى  كان كمبال  كثيرالفوضى الجميلة , اشتراكى  النزعة  فى كل شىء فى  نفسه , وماله , ومشاعره  وافكاره ,لا ملكية خاصة به  ,كما لا ملكية  خاصة للاخرين .
 من العمارة  المخروطية بالقرب من جامع شرونى  فى الخرطوم  ثلاثة  شاركنا كمبال  فى  مناقشات ليلية  طويلة حول  ضرورة ان يكون  ( للثورة ) ادبها الخاص  بديلا  للادب (الامبريالى  ) الذى يمجد ثقافة ( الفردناية والاستحواز), ومن الشرفة  الواسعة  لتلك البناية  تداولنا كثيرا  فى مشروع  تنظيم ابادماك الادبى  بقيادة  عرابه  صديقنا  عبد الله على ابراهيم  وهو مشروع  نقل الحركة الثقافية  الى افاق جديدة   وانخرط  كمبال  بكل  حيويته  فى ابادماك  مشاركا  فى تأسيسه, وكاتبا للقصة القصيرة  والمسرحية  فى فعالياته , ومرافقا  لفرقه  الفنية  الجوالة التى  طافت الارياف  تبشر (بالاشتراكية الجديدة ) التى ستقيمها  (ثورة مايو المظفرة ),  وعند  المفاصلة الدموية  بين النميرى والشيوعيين  والتى وصلت ذروة صراعها  بانقلاب الضباط  الشيوعيين عليه  فى التاسع عشر من يوليو  عام  71   كان عبد الواحد  كمبال  من بين ضيوف  سجن كوبر  مع المئات  من الشيوعيين والمتعاطفين معهم  والذين كان يطلق  عليهم  الديمقراطيون,  خرج كمبال من السجن  ليجد  خطاب  فصله  من  جريدة الايام   جاهزا يسلمه  له حارس  بوابة الدخول,  وفى ذات مساء  من امسيات الخرطوم  قابلت عبد الواحد وصديقه  وصديقى محجوب الشعرانى  خارجان من السوق العربى  يحملان احذية وقمصانا   جديدة    ينويان  الهجرة  الى قطر  بعد   ان توسط  لهما  جعفر عثمان وكيل وزراة الخارجية  يومذاك  لدى السفارة القطرية  لمنحهما  تأشيرة الدخول الى هذا البلد  الخليجى, وصل  كمبال  والشعرانى  فى اواخر  السبيعينات  الى العاصمة هربا من نظام النميرى الى  الدوحة  العاصمة  القطرية  ليرحب  بهما  الروائى  الطيب صالح  الذى كان زمانئذ  مديرا  لوزراة الثقافة والاعلام , وساعد الطيب على توظيفهما  الاول فى التلفزبون  والثانى  مترجما  فى مجلة الصقر الرياضية  واسعة الانتشار ,  وجد كمبال نفسه  امام تجربة جديدة  يعيشها  لاول مرة وهى الصحافة التلفزيونية , ولصفاء  ذهنه  وقدرته  على  قبول واستيعاب الجديد  من التجارب امكن لكمبال  ان  يتعلم سريعا  الاعلام  التلفزيونى  تحت ادارة   الناقد  السودانى الكبير  محى الدين محمد  الذى كان رئيسا للقسم السياسى  والذى عاد  الى مهجره  مصر فى منتصف  الثمانينات ,  انهمك  كمبال  فى العمل التلفزيونى فتفوق  فيه فى فترة وجيزة , وخلق  علاقات  واسعة  مع الجميع   فصار  نجما  اعلاميا واجتماعيا يحبه الكل , فتح  كمبال ابواب شقته  للجميع  كرما سخيا  ويدا ن مرحبتان  بالجميع , كنت تجد فى بيته انماطا  من الناس , رعاة  من الشحانية  وشرطيين , وعمال بلدية , وطالبى عمل  يراهم لاول مرة ,واطباء  ومدرسون ,واساتذة جامعات وصحافيون من مختلف البلاد  العربية كان كمبال كثير القراءة حريص على اقتناء اخر الاصدارات الجديدة  شغوف  بمتابعة  الشئون العربية والاجنبية فى المجلات والدوريات ,يقرأ حتى غسق الصبح , لم يكن ينام بالليل  خوفا من ان يموت  وهو نائم ,  هكذا قال لى ذات مرة ,علقت على ذلك بقولى  ان الشاعر المصرى المشهور كامل الشناوى  كان يفعل الشىء نفسه  فمات نهارا , فرد  ساخرا  لم يكن  يسهر مثلى حتى منتصف النهار,كان  كمبال اشبه بزوربا اليونانى سريع الحركة ,  ملول من المكان الواحد يسعى سعيا محموما  فى البحث عن الاصدقاء  فى كل الامكنة , له  صوت  جهورى  دافىء مفعم بالحنية يخرج  من جسده  النحيل,  قال عنه  الروائى الطيب صالح  الذى كان يحبه كثيرا  ان عبد الواحد ( رجل صالح ) على طريقتة  الخاصة , فهو  يحتقر المال  يوزعه  على الاخرين  ولو علم انه  لايملك  غدا  سعر الخبز  لعياله,  تقدم  مرة  يكفل زميلا عربيا له   فى العمل  اخذ  قرضا  من احد  البنوك  ثم جاء  من يحذره  من  مغبة ضمان هذا الشخص  فلم يأبه  للتحذير  وهرب المكفول  ودفع كمبال الاقساط  كأن لم يحدث  شيئا,  اهداه  الطيب صالح سيارة شفروليت  بديلا  لسيارته  الفولكس واغن  التى  اعيتها  كثرة الصدمات , وكا ن راى الطيب  ان السيارات الاميركية  انسب  لكمبال من اليابانية,  كان لكمبال , حبا خاصا للشاعراالراحل  صلاح  احمد ابراهيم وكان كل  سنة  يحج  اليه فى باريس,  صلاح  عمل فى السفارة القطرية فى باريس  حتى رحل عن دنيانا,  مراسلات كثيرة دارت بين كمبال وصلاح  كانت جلها  فى كيفية العمل على اسقاط  نظام الرئيس جعفر النميرى  وتولى كمبال  فى الدوحة  هنا  حملة تبرع  لمجلة البديل التى كان يصدرها الراحل صلاح  فى  باريس , كان صلاح احمد ابراهيم يرى فى كمبال نموذجا  من الناس  يندر العثور عليه  فى ذلك الزمان , فهو عفوى فى حبه وبغضه ,ولايحمل فى نفسه  شيئا للاخرين, غادر كمبال الدوحة فى ثمانينات القرن الماضى متوجها الى العراق  بحثا  عن مهجر جديد  ولكنه لم يمكث طويلا اذ  وجد  بعثيو صدام حسين ذوى وجوه عابثة  يأخذون بالشك  كل قادم الى مضاربهم حتى لو  اعلن  وقوفه الى جانبهم , فهم قوم عجنوا على الريبة  من الغريب من كثرة  ما سادت الريبة  فصارت تتخلل الانفاس شهيقا وزفيرا,  لم يطق كمبال  هذا الجو الخانق  فتوجه  صوب المغرب  قبلته  المنتظمة  قبل  ان يحل  ببلاد الرافدين , وهناك وجد  نفسه حرا  يتعرف على الروائى المتمرد محمد  شكرى  , ويقرأ  له الخبز الحافى  , ومجنون  الورد , وغواية الشحرور الابيض , كان كمبال  اول من لفت نظرى الى هذا الروائى المدهش الذى جاء من الريف فعمل  حمالا  وصبى مقهى, وبائع  صحف  حتى صار مشهورا  تترجم اعماله الى اللغات الاجنبية تجئينى اخبار صديقى كمبال  مستقبلا  باتسامته  الطيبة كل زوار من السودان يحلون بالمغرب مستضيفا  لهم , مقدما  لهم كل  مايحتاجون , طائفا بهم  معالم البلد , تاركا  لديهم  اثرا  طيبا  وذكرى  جميله  عندما  يعودون  الى الوطن مرة اخرى,  حدثنى من يعرفون عبد الواحد انه كان  يساعد  طلاب العلم  الذين يدرسون  فى الجامعات المغربية , يدفع لبعضهم الرسوم الدراسية ويقيل عثرة بعضهم ممن لا تصله مصاريف من اهله فى السودان بل ويفتح  باب بيته  للذين يعانون مشاكل فى السكن فى تلك البلاد .
  خاض كمبال  نضالا متصلا  ضد ديكتاتوريتين فى السودان , النميرى الذى اطاحت به الانتفاضة  فى الثمانينات , ثم انقلاب الاسلامويين  الذى اطبق على انفاس  الناس  كأطول  حركة استبداد  تشهدها  البلاد  ,اختار كمبال الصحافة المغربية  منبرا له  فكتب كاشفا  طبيعة الانقلاب الذى قضى على الحريات , وكان بذلك يصحح  مفاهيم  لدى قطاع  كبير من المجتمع  المغربى  بان ما حدث  فى السودان  هو ثورة   تعيد  الى السودانيين هويتهم  الاسلامية, واصل كمبال نشاطاته المعارضة  كاتبا العرائض ضد  اعتقال الصحفيين  ,وجامعا التوقيعات  من الكتاب المغاربة  حتى  يكشف  مايدور  فى السودان من انتهاكات   لحقوق الانسان , ومصادرة للحريات  ,وعانى جراء ذلك  من حرب  من السفارة السودانية  بمختلف سفرائها  وضباط  امنها , فكان مادة  للتقارير الامنية  من هناك  تتابع كتاباته وترصد  اتصالاته  , نشر كمبال سلسلة من المقالات  تهاجم النظام فى السودان فى القدس العربى التى كان احد  كتابها البارزين  فلم يدخر  وقتا  الا  ووظفه  فى مساهماته  السياسية من اجل  عودة  الديمقراطية   الى  السودان, كنت اتمنى  ان تمتد  ايامه  ليشهد  سقوط  قلاع  الاستبداد  فى تونس , ومصر , وليبيا   , والسودان على  الطريق , ولكن يد الموت  كانت اسرع  فانتزعته  انتزاعا   منا بعد  ان صارع  داء السرطان اللعين  صراعا  غير متكافىء  فانتصر الداء  على الجسد النحيل  وانتصر كمبال  ميتا  على  مبادئه  النبيلة  شموخا , وعزة , وحبا  للوطن  الذى نظل  نذكره   ان عبد الواحد  كان احد  جنوده  المحاربين  من اجل  رفعته  وتقدمه,  برحيل كمبال  يكون هو ثالث صحافى سودانى يموت  فى  هذه  البلاد  ,فقد سبقه كل من الصحافيين  خلف الله حسن فضل , وابوبكر الشريف الا رحمهم الله جميعا رحمة واسعة  وغفر  لهم  واسكنهم  فسيح  جنانه  انه سميع  مجيب .
sedig meheasi [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]