فى قناة النيل الازرق تابعت باهتمام حلقتان من البرنامج الحوارى (حتى تكتمل الصورة ) الذى  يديره الطاهر حسن احمد التوم القيادى الفكرى فى الجبهة الثقافية  للاسلامويين الجدد  ,والمدير العام لهيئة الخرطوم للصحافة والنشر وهى المؤسسة التى تعنى  بايديولجية  النظام الشمولى  وتروج  لاطروحاته الفكرية .
     كان  عنوان الحلقتين اختصارا هو العلاقة  بين المؤتمر الوطنى الحاكم فى السودان والقوى السياسية الاخرى الممثلة فى الاحزاب  السياسية بعد  انفصال الجنوب وذلك   .  
  شارك في  الحوار كل من ضياء الدين بلال رئيس تحرير صحيفة السودانى  التى يملكها  السيد جمال الوالى القيادى المالى  الكبير فى  كارتيل حزب المؤتمر الوطنى ,والشخصية الرياضية  المعروفة  ,والهندى عزالدين رئيس تحرير صحيفة الاهرام اليوم المؤيدة للحكم, وفيصل محمد صالح الصحافى المعروف والمحلل السياسى المعارض ,ثم  الدكتورصفوت فانوس استاذ العلوم السياسية  بجامعة الخرطوم  ومتعهد  الانقاذ فى القنوات الفضائية . و من خلال  التوجيه   الذكى لدفة الحوار المدروس من قبل مقدم البرنامج  نلحظ  كم تمكنت الانقاذ من مفاصل الاله الاعلامية  فى السودان حتى صارت اهم اسلحتها فى نشر افكارها وتشويه افكار المعارضين لها , والملاحظ  ايضا ان مقدم البرنامج اختار هذه النخبة من المثقفين السودانيين باعتبارهم  مستقلون وذوى توجهات يمكن  تصنيفها  انها ( منتقده ) للنظام من تحت عباءته  ,وليس معارضة  رافضة لطبيعتة   الشمولية , وباستثناء  فيصل  محمد  صالح , فلا يخفى على احد ان الباقين هم صناعة انقاذية بحتة  تم  تعهدها من قبل الايديولوجيين الاسلامويين  الكبار ضمن مشروع  بدأ منذ اليوم الاول  للانقلاب العسكرى الذى اطاح  الديمقراطية , وهو المشروع الحضارى سىء  الذكر الذى بدا ينفض  عنه التراب  من جديد  بعد  انفصال جنوب السودان , انظر تصريحات البشير فيما يتعلق  بجلد الفتاة السودانية,   و انظر  تصريحات نافع  بعنوان (حلم الجعان عيش )  ثم انظر الانتفاضة الشعبية فى تونس والتى جعلت الديكتاتور الدموى زين العابدين  يهرب  خلسة  فى اربعة طائرات مروحية  الى جهة غير معلومة , معيدا  تجربة شاه  ايران  فى  عام 79  حيث رفض  حلفاؤه  استقباله  ففعل ذلك  انور السادات  ,وهذا ما سنأتى  اليه  ضمن ماتحدث عنه صحافيو الانقاذ فى برنامج   (حتى تكتمل الصورة )   عن  الثورة الشعبية  التى بالفعل  قد اكتملت  فى تونس وتوشك ان تكتمل  فى السودان  .
قبل ان ندلف  لعرض ومناقشة افكارالمشاركين فى اللقاء  نرى ان المهم  استعراض الانظمة  الشمولية فى السودان وكيف تعاملت مع الصحافة والاعلام  مقارنة  مع  حكومة الانقاذ  الحالية  التى نجحت  فى السيطرة بالكامل  على الماكينة.  الاعلامية  والصحافية , واغدقت  على عدد  من الصحفيين  المال  بغير حساب  صانعة منهم  مسوخ  مهنى  يتراوح  بين التأييد  المبطن  والظهور بدور المعارضين المهذبين  الذين يتوخون  الموضوعية فى نقد  النظام  عندما يريد  النظام ذلك  وهذا  ماسنعود  اليه بالتفصيل  حين نصل  محطة الحوار  التى يشرف عليها  الطاهر حسن احمد  التوم
  فى اول انقلاب  عسكرى فى السودان في 17 نوفمبر عام1958  لم تكن تجربة العسكريين  في السودان  م قد قامت على إيديولوجية بعينها, ذلك لان العسكرييين وهم من كبار ضباط الجيش لم يكن يجمع بينهم تنظيم سياسي سري كما حدث لاحقاً في انقلابين عسكريين , كما  انهم لم يشتركوا  في رؤية عقائدية  واحدة لقضايا البلاد الوطنية، بل أن الجيش نفسه كان لا يسمح بأي نشاطات سياسية داخله وذلك من واقع قوانين ولوائح عسكرية صارمة تنظر إلى السياسية نظرة عدائية, بل تجد فيها خروجاً على الروح العسكرية، والى ذلك فأن النظم الإسبارطية» هي التي   كانت سائدة، فالعسكريون هم أولئك الرجال الذين خلقوا لميادين القتال ولم يخلقوا للسياسة، وكان كبار الضباط الذين تسلموا السلطة في ذلك القرن من الزمان قد درسوا كلهم في الكليات العسكرية البريطانية وتشربوا بالثقافة البريطانية قولاً وعملاً. وكذا فأن الاستعلاء المشوب بروح الجندية هو الذي كان يحكم سلوكهم تجاه الآخرين، فهم عسكريون ليسوا كالمدنيين الذين كان ينظر لهم باعتبارهم أناس (* ملكيون) غير منضبطين في حياتهم الاجتماعية, من ذلك المفهوم فهم عندما وصلوا إلى السلطة لم يصلوها عبر تنظيم سرى سياسي كما فعل غيرهم من صغار الضباط فيما بعد انقلابي مايو 1969 ويونيو 1989 ولكن السلطة هي التي ذهبت أليهم في سكناتهم عندما سلمهم لها السيد عبد الله خليل رئيس الوزراء عن حزب الأمة نكاية في الحزب الوطني الاتحادي الذي كان علي وشك الائتلاف مع حزب الشعب الديمقراطي والاطاحة بحزب الأمة من داخل أول برلمان في البلاد. إذن فان عسكريي 17 نوفمبر كانوا ضباطاً يمينيون بالمقياس اليساري لذلك الزمان, عندما كانت الانقلابات العسكرية اليسارية تجد الدعم من الاتحاد السوفيتي السابق ويطلق عليها«ثورات»، وأخرى يمينية تدعمها الولايات المتحدة ويطلق عليها انقلابات يمينية لأنها غالبا ما تكون مناهضة للشيوعية والشيوعيين.

   أما بالنسبة للصحافة , فإن العسكريين الجدد   لم يقدموا على تأميمها كما فعل حكم جمال عبد الناصر «الاشتراكي»عندما وضع تلك الصحف تحت إشراف الدولة, وإنما تعاملوا معها بأسلوب أخر، فقد عطلوا الصحف الحزبية تماماً بعد أن حظروا أحزابها السياسية اثر تعطيل العمل بالدستور الديمقراطي، ولكنهم سمحوا بصدور الصحف المستقلة، الأيام، والرأي العام والسودان الجديد، والصراحة، والناس،والزمان والصحافة، وأنباء السودان . لقد كانوا في أمس الحاجة إلى وسائل إعلامية غير الإذاعة والتلفزيون لإيصال خطابهم السياسي الإصلاحي إلي الناس, ومما لم تذكره السير السياسية لـ 17نوفمبر إن قضية الصحافة كانت قد طرحت داخل مجلس الوزراء، هل تؤمم كما حدث في مصر، ام تعطل نهائيا وينظر في أمرها مستقبلاً، ؟ ام نترك مؤقتاً كما هو الحال؟ وهنا اقترح احمد خير وزير الخارجية ومفكر النظام  استمرار هذه الصحف في الصدور مع وضع قوانين أكثر صرامة لمراقبة أدائها، لان التأميم في رأيه سيظهر النظام وكأنه نظام شيوعي، وهم ليسوا كذلك، واستناداً إلى رأي احمد خير أصدر مجلس الوزراء قراراً رسمياً بأن تستمر الصحافة المستقلة اعتماداً على قانون الصحافة و المطبوعات القديم الذي تم وراثته عن المرحلة الديمقراطية وهو القانون البريطاني نفسه مع إصدار لوائح تنظم العمل الصحافي تكون في خدمة النظام العسكري.لم يخف النظام الجديد خوفه من الصحف فقد اجتمع عبود  لم يخف النظام الجديد خوفه من الصحف فقد اجتمع عبود  برؤساء التحرير في مساء اليوم التالي للانقلاب  واطلعهم علي  ما لا ينبغي الخوض فيه  وكانت المحرمات  من الكثرة والخطر  بحيث يستحيل معها ممارسة  المهنة   في حد  ذاتها  فقد جاء عبد الله  رجب  رئيس تحرير الصراحة حسب عبدالله على ابراهيم  سودانايل,  2008 حسيرا  بعد ان سمع  من عبود  قولا ثقيلا, قال  عبدالله رجب لمحرريه  يعلن نهاية الصحافة  السودانية  كما عرفها  في ظل الوضع الجديد  ان مهمتنا  ستكون صعبة للغاية  وان  الصحافة   سواء  كانت الصراحة  او غيرها  لن تستطيع ممارسة  عملها في جو ديمقراطي  
 فى أول مؤتمر صحفي بتاريخ السابع والعشرين من الشهر نفسه لمحمد مجذوب البحاري وزير الداخلية عضو المجلس العسكري الأعلى، أعلن أمام أصحاب الصحف «انه لن يتوانى في تعطيل أية صحيفة، أو تقديمها للمحاكمة إذا حاولت التشكيك في أهداف النظام الجديد و مراميه، وطلب منهم أن يمتنعوا عن نشر الإنباء والآراء والتعليقات التي تسئ لسمعة الحكومة، وألا تنشر الصحف التعليقات التي قد تؤثر على علاقة السودان بالدول المجاورة»  (. وكان ذلك إنذارا إلى الصحافيين حتى يعرفوا ما تبغضه الحكومة الجديدة وما تحبه. بدأت الصحافة المستقلة حذرة أمام النظام العسكري وداومت صدورها تحت مظلة رقابة إدارية   من وزارة الداخلية، وقد تفاوتت مواقف الصحف الثلاث المعروفة، الرأي العام، الأيام، السودان الجديد في تعاملها مع النظام الجديد وأخباره، وفيما يتعلق بنشاطات الدولة أمرت الصحف بأن تعتمد علي نشرة أخبار يومية كانت تصدرها وزارةالاستعلامات والعمل وكان الكتاب الموالون للنظام العسكرى لا يتجاوزون  اصابع اليد اهمهم محجوب  عمر باشرى  وكامل  جسن محمود , ومحمد الخليفة طه  الريفى.
 بدأت الصحافة المستقلة حذرة أمام النظام العسكري وداومت صدورها تحت مظلة رقابة إدارية من وزارة الداخلية، وقد تفاوتت مواقف الصحف الثلاث المعروفة، الرأي العام، الأيام، السودان الجديد في تعاملها مع النظام الجديد وأخباره، وفيما يتعلق بنشاطات الدولة أمرت الصحف بأن تعتمد علي نشرة أخبار يومية كانت تصدرها وزارة
  كان هذا باختصار شديد  موقف عسكريى  17 نوفمبر من الصحافة , وضعوها  تحت راقبتهم  المباشرة  وانيط  بالمهمة  الصحافى  المعروف محمد  الحسن احمد .

خلال سنوات الحكم العسكري الأول تعرضت الصحف التي استمرت في الصدور للمصادرة والإيقاف والمحاكمة كلما خرجت عن الخط الذي رسمته السلطة, وقد طلب الرئيس إبراهيم عبود أكثر من مرة في لقاءاته النادرة بالصحفيين « ألا تكتبوا أي شيء ضد الحكومة وآلا تنتقدوا أعمالها في الأمور الداخلية والخارجية ولا تعلقوا على هذه الأعمال بشيء ولا تكتبوا عن الأحزاب السياسية السابقة، أو الطوائف، لا تكتبوا معلقين أو منتقدين سياسية البلدان الأخرى». الموسوعة الصحفية العربية الجزء  الثانى  مصر  والسودان  والصومال  تونس 1991   اعداد  الدكاترة/عواطف  عبد  الرحمن   /  عاطف  عدلى /  صلاح  عبد اللطيف  / نجوى  كامل/  

غير ان استهداف الصحافة فى انقلاب الرئيس جعفر النميرى  جاء  مغايرا لما قام به عبود  ,   فعبود ابقى الرقابة عليها فقط  بينما  النميرى شرع  فورا فى تأميميهاعند  ما اعتبرها  شكلا  من إشكال النظام «الرجعى اليميني البائد» وٌنظر إليها وفق ثقافة يسارية كانت سائدة باعتبارها أداة تعبير عن وضع «يمينى لم يعد موجوداً بعد عملية الثورة»  
 ومن داخل مرجعية « ثورية» كان على القادة الجدد أن يصنعوا صحافة « الثورة» والتي بدورها تتطلب صحفيين« ثوريين» من اجل«بناء المجتمع الاشتراكي» الذي قوامه العمال والمزارعون والمثقفون والوطنيون والتجار, وصحافة المجتمع الاشتراكي استناداً إلى فكر الثورة « اليساري » في بداية عمر النظام الجديد, هي الصحافة المنوط بها التبشير بأيديولوجية الديمقراطية الشعبية المغايرة بأيديولوجية الديمقراطية الليبرالية الغربية التي انقلب عليها النظام أصلا   واعتبرها وجهاً من وجوه النظام الرأسمالي المستغل بكسر العين، وضمن أجواء الحرب الباردة في ذلك الزمان من القرن الماضي، كان على القادة اليساريون أيضا أن يهتموا أول ما يهتموا بأجهزة الإعلام كلها وفي مقدمتها الصحافة وأجهزة الاتصال الأخرى كأدوات لتوعية الجماهير تيمنا بالاتحاد السوفييتي مرجعية الفكر الاشتراكي  فى ذلك الوقت, فكان أول ما أقدم عليه قادة النظام, هو أن أوقفوا كل الصحف عن الصدور إلى حين النظر في مصيرها،  

منذ سيطر النظام الديكتاتوري على الحياة في البلاد، وكتم أنفاس الشعب بمصادرته لكافة الحريات، وبعد تأميم المؤسسات وإلحاقها نهائياً بالجهاز الشمولي، كان للصحافة التي أقامها الحكم العسكري دوراً مشيناً ومضللاً للجماهير, فقد كانت تعبر فقط عن رأي  واحد  وهو إيديولوجية النظام, وخلال سنوات الحكم المايوي أمكن للتنظيم الشمولي المتمثل في الاتحاد الاشتراكي أن يراقب يومياً عبر جهاز الأمن كل ما يكتب كلمة كلمة وحرفا حرفا,ونصب  رقيب  ليلى  يقراء  ويراجع  الصحف , ويحذف  ماشاء له من المواد والمقالات التى يرى انها لا تتماشى  مع افكار النظام , وهكذا  صار نظام الانقاذ  على هدى  ما خطه  نظام مايو  من طرائق واساليب  لمصادرة حرية التعبير.

يبدو واضحا من هذا التراث من  كبت الراى الاخر ان (الانقاذ ) تطورت نفسها  اعلاميا  مستفيدة  فى بداياتها  الاولى  من الصحفيين الذي ولاهم  نميرى على ادارة الصحف , ولكن سرعان  ما تخلت  عنهم كعوازل طبية بعد ان اعدت كادرها الصحافى الخاص بها فى خطوة  جريئة  انتجت بمرور الزمن صف طويل من الصحفيين العقائديين الذين يؤمنون ( برسالتها ) وغيرالعقائديين الذين اشترتهم  بالمال مستغلة امكاناتهم المهنية ,والسماح  لهم  بسقف من الحرية , يمكن ان يقدموا من تحته  النصح  الى النظام فى شكل   نقد اوعتاب ورقيق ,مثلما يفعل كل من الصحافيين عادل  الباز, ومحمد  لطيف, وعثمان ميرغنى , وضياء الدين بلال وغيرهم ,وهم نجوم  جدد  لمعوا  فى فضاء السلطة  كانوا كلهم  اعضاء  فى الحركة الاسلاموية  ,ولكنهم  الان  يتعاملون معها من خلال النافذة فى ادورا  متفاوتة

 يقول الصديق الكاتب المعارض  فتحى الضو  سودانايل الأحد, 12 كانون1/ديسمبر 2010 ( في الساحة الآن أكثر من خمسين صحيفة سياسية ورياضية واجتماعية  وطبقاً لهذ العدد هناك نحو خمسين رئيس تحرير أو يزيد (نظراً للفاقد الصحفي فالبعض ابتكر مواقع جديدة في هيكل التحرير) وبناءاً على هذه الطفرة الصحافية تسنم موقع رؤساء التحرير أناس لا قِبل لهم بالمهنة، بل أن بعضهم اختبأ وراء مؤهلات مضروبة (ألم يقل وزير العدل السابق محمد علي المرضي إن معظم الكوادر التي تحتل مراكز مهمة بالدولة التحقوا بالجامعات بشهادات مزورة) في حين أن العرف الصحافي إفترض في من يتولى رئاسة التحرير، أن يكون قد بلغ من التجربة عتياً، وأن يكون من المشهود لهم بالدفاع عن الحريات الصحافية. لكنك إن شئت أن ترى عصر المعجزات فانظر لرؤساء تحرير (آخر زمن) في صحافة أمرها عجب، يُمكنك أن تبدأ بكتابة عمود وفجأة تجد نفسك رئيسا للتحرير، وقد زاد البعض على الحسنين واصبح بقدرة رافع من كبار ملاك الصحف. لكن أصدقك القول - يا قارئي الكريم - إن ذلك ليس بمقصدي صحيح أننا مبتلون بصحف تنفث علينا سمومها كل صباح، لكن الذين نقصدهم تحديداً هم التسعة رهط في المدينة، الذين رضعوا من ثدى الديكتاتوريات فتورمت جسومهم، ونهلوا من ضرع الشموليات فتبلدت قولهم  )
يتبع

sedig meheasi [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]