(1)

مقالات تبحث في  ظاهرة  أعاقت صيرورة  الديمقراطية

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

 

عانى  السودان  ولازال  يعاني من نخبة المثقفين الانتهازيين  الذين  تحولوا في عهد الإنقاذ   إلى  ما يشبه الطبقة بكل ما تحمل الأخيرة من مواصفات  الشروط والتكوين, و من كثرة  تدافعها  بالمناكب حول كل حاكم  سواء  ذلك  الذي  وصل إلي السلطة عن طريق ا لبندقية أو  بواسطة صندوق الانتخابات , فإنها صارت مثل  طيور جارحة  تحلق  دوما  في الأعالي راصدة كل حركة على الأرض بعيون حادة  تسبق سرعة الضوء في تحديد  الهدف  والاقتراب منه ثم الانقضاض عليه .في  لسان العرب تشتق  كلمة انتهازي في  معناها اللغوي من مادة ( نهز ) التي تعني اغتنم  الفرصة, والانتهازي هو المبادر , ويقال انتهز الفرصة أي اغتنمها و بادر إليها ،  والانتهازية  ليست صفة  شريرة   إذا  أقدم صاحبها   علي  عمل  خير فيه منفعة الأمة , ولكنها تصبح  كذلك  إذا  كان لصاحبها  أهداف  خاصة  تنتهي بمنفعة ذاتية  دون غيره من الناس,  ولتاريخ الانتهازية والانتهازيين في السودان  سير حافلة  بغرائب القصص والروايات  فمنهم  من  رحل  بعد  كسب السلطة وخسر سيرته  ومنهم   من لا يزال يواصل مسيرته  ويغير ( يونوفرمه )  كلما استدعى  الظرف السياسي  ومنهم  من ينتظر .يعّرف عبد الرحمن الكواكبي  في كتابه  الاستبداد  في مصارع الاستعباد  الانتهازيون  ب (المتجمدون  ويصفهم بأنهم أعداءٌ للعدل أنصار للجور، لا دين ولا وجدان ولا شرف ولا رحمة  لهم، وهذا ما يقصده المستبد من إيجادهم والإكثار منهم ليتمكن بواسطتهم من أن يغرر الأمة على إضرار نفسها تحت اسم منفعتها؛ فيسوقها  لحرب اقتضاها محض التجبر والعدوان على الجيران فيوهمها أنه يريد نصرة الدين، أو يسرف بالملايين من أموال الأمة في ملذاته وتأييد استبداده باسم حفظ شرف الأمة وأبهة المملكة . و المستبد يجرب أحسانا ً في المناصب والمراتب بعض العقلاء الأذكياء أيضا اغترارًا منه بأنه يقوى على تليين طينتهم وتشكيلهم بالشكل الذي يريد فيكونوا له أعوانًا خبثاء ينفعونه بدهائهم، ثم هو بعد التجربة إذا خاب ويئس من إفسادهم يتبادرالي إبعادهم أو ينكل بهم . ولهذا لا يستقر عند المستبد إلا الجاهل العاجز الذي يعبده من دون الله، أو الخبيث الخائن الذي يرضيه ويغضب الله ) في هذه  السلسلة من الحلقات سأحاول  تقصي اثأر مختلف الانتهازيين الذين اعرفهم  والذين عاصرتهم  عن قرب عن دراية  سابقة بهم , والذين  شاهدتهم من بعد  خلال مسيرتي الصحافية  التي زادت عن ربع قرن من الزمان, وسوف أتوخي الدقة  في تقديم  عينات من النماذج  المختلفة  كل حسب  درجته في سلم الانتهازية , وحسب إمكاناته  في ممارسة فنونها,  ولن اسمي  النماذج التي سأكتب عنها , ولكني  سوف الجأ إلي  استخدام   الإشارة   فقط , وأسلوب الإسقاط لان القراء بفطنتهم  سيعرفون من  هم الذين نقصدهم ؟ و اطلب من  الكتاب  والمثقفين والقراء  إن  ينخرطوا  في الكتابة   فورا عن  هذا  الايدز السياسي  الذي  ساعد  في إفقاد  الديمقراطية مناعتها   قبالة الأنظمة الشمولية .ولفائدة القراء  سأحدد  المحاور  التي   أتناولها  وهي عبارة عن أسئلة  منها  , من هو الانتهازي   وما هي عدة شغله  وماهي أهدافه ؟ هل يولد الإنسان من بطن  أمه انتهازيا , وهل للجينات  دور  في  ظهورا لانتهازية؟ , لماذا يصيرالانسان انتهازيا  أصلا ؟ , هل للتربية  الأسرية علاقة بذلك    هل يمكن  للانتهازي  إن يتدرج  في هذا السلك  حتي يصبح قوادا  مثلا؟ , وهل للانتهازي قابلية  لان يصبح جاسوسا؟ , ولماذا يكون الانتهازي ظريفا ؟ , و لماذا  يكمن بعض الانتهازيين طويلا وفق نظرية البيات الشتوي  التي تمارسها الضفادع ؟,  هل للانتهازي أخلاق , وهل له كوابح ؟ ,وهل  له وازع ؟, هل هناك  مدارس للانتهازية كما  للأدب مثلا ؟ , ولماذا يتمتع الانتهازيون بالصبر وطول البال ؟ , ومقابل ذلك  هل هناك  انتهازيون (خفيفون)   يستعجلون المكاسب وآخرون  ثقيلون  متئدون ينتظرون  الجمل بما حمل, هذه الأسئلة  والمستجد  منها في سياق البحث, هي الأجندة التي  سوف اعتمد  عليها  في محاولتي  كشف هذه الآفة السياسية, وسوف  اختم هذه الحلقات  بالدعوة  العاجلة إلي  قيام  منظمة  لمكافحة  الانتهازية  والانتهازيين في السودان  يكون أعضاؤها من الحادبين علي بقاء هذا البلد علي خريطة العالم .الانتهازي وفق التوصيف  المعاصر هو المثقف الذي يوظف معرفته في مصلحة الحاكم  أو الشاعر  إلي يسخر شعره  في مدحه , أو الاقتصادي  الذي يزور الأرقام  ليظهر له  سلامة سياسته الاقتصادية,   أو الصحافي الذي  يجعل من  قلمه  لسانا  يلهج  في  تمجيده ,  أو الزراعي  الذي  يحمل الطبيعة المسئولية عندما تشح  الإمطار ويفشل الموسم الزراعي وتنتشر المجاعات, أو القانوني الذي يدوس ذمته القانونية  تحت إقدامه ويلفق  التهم  لأعداء  الديكتاتور  فيرسلهم  إلي السجون  مبتهجا  برضاء  المستبد عليه و حالما  بالترفيع  والمكانة في بلاطه , أو ذلك الفنان   الفاشل الذي  يكون علي أهبة الاستعداد  لأداء الأناشيد  المشيدة  بالنظام  الجديد .الذي  يتابع  الحركة السياسية في السودان  يلحظ دائما  إن الانتهازيين لا ينشطون إلا في ظل الأنظمة الشمولية  وتخفت  أصواتهم في عهود  الديمقراطية , أو يلجاوون إلي العمل  السري  خوفا  من الصحافة  وأجهزة الإعلام  , وقد  كانت مرحلة  الرئيس الأسبق جعفر النميري حقلا  تجريبيا كبيرا للمثقفين , والأكاديميين الانتهازيين  من كل جنس  ولون,  ففي ذلك الزمان  أمكن للديكتاور إن يصير إماما للمسلمين,  ثم  مفكرا  إسلاميا  يكتب في التراث  كما حدث عندما  تولاه   بالرعاية مستشار  صحافي  مشبوه , ذلك  الذي بلغ شأوا بعيدا  في فن الانتهازية, وكانت أولي خطواته  إن أرسل له  انتهازي أخر هو  صحافي مصري   ليكتب  عنه كتاب  تحت عنوان الرجل والتحدي  يظهر فيه بطولات النمبرى   المزعومة, و كيفية هزيمته  لأعدائه من الشيوعييين , والأحزاب الاخري .كان ذلك الكتاب الركيك  المليء بالأكاذيب والترهات خطوة جديدة باتجاه  إن يصير النميري نفسه  مؤلفا   فصدر له , أو بالاحري أصدروا  له كتابان , هما  النهج  الإسلامي  لماذا ؟  والنهج  الإسلامي  كيف ؟ ويري لصيقون  لتلك المرحلة  إن الكتابين كانا  من إعداد  محمد محجوب سليمان , بينما ذهب آخرون  إن عون الشريف , أو  احمد عبد الحليم كانا وراء ذلك العمل  ومهما يكن  فان  تلك السلالة  من انتهازي ذلك العصر أوغلت  عميقا  في النفاق  السياسي  حتي جعلت من النميري  ديكتاتورا , ومفكرا , وراعيا للجامعة , وكشافا أعظم , علي إن المشهد  تتسع  مساحاته  حين نري أن النميرى  نفسه  عندما اكتشف  تفاهة هؤلاء  المثقفين راح يحركهم    كقطع الشطرنج  يعينهم وزراء  في لحظة  اعجاب زائف , ثم يطيح بالواحد  منهم  في لحظة نزوة  عارضة,   بل وصل   به الأمر في أحايين كثيرة  إلى درجة  ضربهم   بالبونية  والصرمة وأهانتهم  إمام مرآي من زملائهم, و يذكر الجميع لماذا اشتهرت نشرة الثالثة مساء  بمفاجئاتها  حيث كان يضع كل الانتهازيين اياديهم  علي قلوبهم خوفا من سكين الجزار في تلك الظهيرة .تميز عهد النميري  بنوع خاص من إلا انتهازيين ( الأيد ولجيين)  الذين ركبوا  موجة الاشتراكية   دون إن  يقرؤوا شيئا عنها  ناهيك عن الإيمان بها , وطفق بعض هؤلاء  يدبج المقالات والدراسات المنقولة و المسروقة   معا عن الماركسية  وقضايا التنمية, وإمكانية قيام اشتراكية سودانية , ودور القوي الرجعية  في إجهاض  الفكر الاشتراكي  المايوي   وذلك النوع من الانتهازيين يملك  قدرات عجيبة  في التحول  من حال إلي حال    وليس من فكر إلي فكر, لان من طبيعة الانتهازي إلا يكون له فكر,  وإلا يكون له موقف و(لا دين ولا وجدان ولا شرف ولا رحمة ) كما يذكر الكواكبي إذ إن هذه الخصيصة  إذا توافرت  لدي أي إنسان  فإنها تعصمه  من الإبدال والتبديل , والتبذ يل والابتذال, وتعصمهم من السقوط  الإنساني   تسابق الانتهازيون في عهد النميري  في استعراض  مواهبهم  وتقديم خدماتهم فوصل بعضهم   إلي درجة  إن   تخلي عن اعز ما يملك   متبرعا  طوعا  حتى عن سرير نومه , وهناك  من  كان مستعدا دائما  إذا استبعد سرير نومه  إن يوفر هذه الأسرة في أماكن أخري , ويا طالما  شهد ذلك العهد ( تنزيلات ) في هذا المجال  طاولت  خارج الحدود في توفير كل ما لذ وطاب من تجارة  المتعة , والعديد  من الذين عاشوا تلك المرحلة  يذكرون جيدا  ذلك اللبناني  المشهور بالتفسخ الاخلاقى  وكيف كان يأتي  ببضاعته  البيضاء من  الخارج,  ويذكرون  الوكلاء  المحليون الذين كانوا  يقومون بتوزيع  تلك البضاعة كل حسب منطقته  ومنطقه. وعرف المجتمع يومذاك  كيف إن انتهازيا  عتيقا متمرسا  يشغل الان منصبا حساسا بدأ مسيرته في هذا الطريق الطويل بان  نذر نفسه  لخدمة عدد من أعضاء  قيادة مجلس الثورة , فكان إن قدم خدماته  المميزة  بدءا بتجهيز الجلسات, واستقدام الفنانين, وما يتبع ذلك من بهارات ليلية , وما أدهش الأصدقاء القدامى من هذا  النموذج  انه  انخرط منذ بداية الانقلاب  ككادر ثورى  يرفع  شعار القضاء علي القوي الرجعية  والتي في مقدمتها  الإخوان المسلمون  الذين كان يطلق  عليهم  احتياطي الرجعية العالمية , غير إن  النموذج  النوعي سرعان ما انقلب علي القوي الثورية عندما فشلت المحاولة  الانقلابية  للعسكريين الشيوعيين  ضد النميرى في 19  يوليو  1991  وصار يطالبه بان يضرب الشيوعيين بيد  من حديد  بينما كانت يده هو تصب الكاسات ليلا لعدد من  أركان النظام  في المزارع خارج الخرطوم  .

حكي  الدكتور عبد الوهاب الأفندي عن اجتماع  دعا  له الترابي  ولعب  فيه   انتهازي  معروف دورا كان مستعدا له  دائما , وشرح  الأفندي  إن ذلك الاجتماع   كان لبحث  ترشيح  الرئيس البشير لرئاسة الجمهورية  في بداية  حكم الانقاذ"القدس العربي" 16 سبتمبر 2008  ويروي الأفندي   حينما وصلنا إلى موقع الاجتماع  , وكان الحضور حوالي مائة شخص أو يزيدون، من بينهم الرئيس نفسه، بدا للشيخ الترابي لسبب يعلمه أن يلغيه أو يؤجله، ربما لأنه لم يعجبه بعض الحضور. وكان الشيخ يجلس في مقدمة الصفوف وبجواره الانتهازي , وما أن بدأ الاجتماع وافتتح حتى قام الانتهازي وتقدم باقتراح بأن يؤجل الاجتماع بحجة أنهم لم يكن لديهم وقت كافٍ لدراسة الأجندة والتحضير .  ويمضي الأفندي ( لم تغب على فطنة غازي  يقصد غازي صلاح الدين على ما أعتقد أن رسالة طلب التأجيل كانت من الشيخ نفسه، فهو على علم بكيف ترتب هذه الأمور، خاصة وأنه كان المشرف على مؤتمر النظام السياسي الذي أوكل فيه للانتهازي ( في تقاسم أدوار كان هو جزءاً منها )  واضح هنا إن الانتهازي  هو احد النماذج  التي اشرنا إليها   وأشار إليها الكواكبي  وهي تملك قابلية  نشطة  في خدمة من  بيده  السلطة 

 نواصل