فى الثالثة من فجر صباح الخميس الموافق  20  اكتوبر انتقل الى رحمة الله الاستاذ محجوب عثمان احد  اهم رواد  الصحافة  السودانية  لحقبة ما بعد  الاستقلال    وجسرا قويا   عبر منه الجيل  الثانى  من الصحفيين   الذين ساروا  على   ضوء   التعاليم الوطنية  الحقة التى غرسها الراحل  والتى   كانت هاديا   لحملة الاقلام   من جيلنا دفاعا  عن الحق والحقيقة  دون ما خوف او وجل.
 وبرحيل  محجوب  عثمان   ينهد   صرحا   اخر  من  صروح  الصحافة  بعد  صروح  بشير محمد  سعيد , وعبد الله رجب, وفضل بشير,  وصالح عرابى  ومحمد الخليفة طه  الريفى,  ورحمى سليمان , وسعد  الشيخ , ومحمد ميرغنى.
  وبرحيل  محجوب  كذلك  يفقد  السودان  فارسا  شجاعا  من فرسان الكلمة التى  سخرها  فى خدمة الناس  البسطاء  ومناضلا  جسورا استوطن السجون  والمعتقلات  دفاعا عن  مبادىء الحرية  والديمقراطية وحقوق الانسان   حتى   وهو يلفظ  انفاسه  الاخيرة  فى اخر يوم  من حياته  الحافلة   بكل  ما هو  نبيل .
عرفت محجوبا  وانا فى ريعان  الشباب  ملتحقا   بمدرسة الايام    طالبا  علم
 صحا فى  حقيقى من تلك  الاكاديمية الراسخة  الاقدام  فى  هذه المهنة  والمانحة  الصدق   والامانة  لكل قادم  اليها.
كان ذلك  فى ستينات القرن الماضى  والبلاد  تخرج  لتوها  من ست سنوات عجاف  هى عمر اول نظام  عسكرى  فى السودان تسقطه الجماهير فى اول  ثورة شعبية فى العالمين   العربى والافريقى,   ومن حسن  الطالع  ان يرحل  محجوب  عثمان  عشية الذكرى  السادسة والاربعين  لتلك الثورة  التى لاتزال  سيرتها    تسقط  القلوب تحت الاقدام  عند  مجىء  دورتها  فى التاريخ  ,فهو كان  من المبشرين  بها  ولها   بكتاباته  المناوئة  للحكم  العسكرى  واحد قادتها  حين  اشتعلت  تأكل  نيرانها    الاستبداد    والطغيا.ن

من داخل  مبانى صحيفة الايام  المتواضعة  تحت عمارة ابو العلا القديمة عرفت محجوب  عثمان  معلما  فى صياغة الخبر  والعنوان الصحفى وفنون العمل الصحافى الاخرى, وعلى يديه  ,ويدي  الصالح   محجوب الاخر  تعلمت  كيف  اكتب   الخبر , والتحقيق  ,والتحليل  السياسى , ثم  كيف  اتمثل  القارىء  دائما  فى ذهنى   عند  الخوض  فى   القضايا  الاجتماعية احترم عقله ,  واعتز  بنقده  وملاحظاته.
 وفى اروقة  مطبعة الايام بالخرطوم  بحرى  اول مطبعة للاوفست  فى السودان استقدمها  الراحل العظيم  بشير محمد  سعيد ,  كان مجحوب عثمان  بحركته  القلقة  وحرصة  على   متابعة الماد ة الصحفية   وهى جنين  حتى ترسل  الى الطباعة كان حضورا  شفافا حتى اول خيط للفجر  لايغادر  حتى يرى  يقرأ   اول  نسخة من الجريدة ويطمئن  عليها .
فى ذلك الزمان  جاءت الايام  مزيجا  من اليمين  والوسط  واليسار   كصحيفة ترضى القارى مهما  كان مشربة,  اختط  لها قائدها  الكبير  بشير  مدرسة  فريدة من نوعها تشتد  فى النقد  الشديد  الموضوعى حين  يراد للحظة  ان تعبر عن ذلك وتهدىء نبرة اللعب  السياسى  عندما  يكون  التوازن  مطلوبا , ثم تميل  الى اليسار  حين يحتاج ا لوقت  التعامل  مع الاحداث  على غير لغة  مواربة, كان محجوب يمثل اليسار فى سياسة االصحيفة فى جو  ديمقارطى متسامح  يعترف  بالرأى والرأى الاخر , وتلك كانت  احد  اهم  مميزات  فلسفة  بشير محمد  سعيد الذى  يناصب اليسار  العداء الفكرى ولكنه  يعترف  بوجوده  كتيار سياسى  يلعب دوره فى الحركة  السياسية  اداة  من ادوات الحوار  السلمى  بين الاحزاب.

فى خمسينات القرن الماضى غادر الشاب   محجوب عثمان  بورتسودان  تاركا  العمل  فى جماركها  كموظف  صغير  ليلتحق   بصحيفة الرأى العام ,ثم الايام صحافيا  يخطو اولى خطواته فى هذه المهنة , يقول عنه عبد الله رجب فى كتابه مذكرات اغبش (اما محجوب عثمان  فقد كان ممن سجنوا  فى مظاهرات الجمعية التشريعيةعام 1948 ببورتسودان  وجاء الخرطوم , وعمل  بجريدة الراى العام  واتضح  انتماؤه  الشيوعى  حينما سمح  باستعمال اسمه  كمحرر بجريدة الطليعة العمالية وما لبسنا  ان عرفنا  ان كان   عضوا بالمكتب السياسى لح س ت و )  انخرط  محجوب عثمان فى العمل بالايام  كشريك  فى  شركة تجارية  يقودها  بشير محمد  سعيد  وضمن سياسة  الصحيفة التى اشرنا  اليها  كان محجوب  هو البوابة التى دخل  منها الكتاب الشيوعيون  امثال   عبد الخالق   محجوب وحسن الطاهر زروق , وعبد الرحمن الوسيلة ,  وسيد احمد نقد  الله  واحمد عبد الحليم
,ومحمود  جاد  كريم   الذى نشر  فى ستينات  القرن الماضى  سلسلة من المقالات  عن  ثورة زنجبارالتى اشار  فيها سلبا فى  اكثر من مقالة   الى  رئيسها عبود  جومبى مما اعتبرته وزارة الاعلام  اسقاطا  على الرئيس عبود  فنالت الايام   انذارا لفتح  محجوب الباب  للكتاب الشيوعيين,    

يقول محجوب   محمد صالح رئيس تحرير الأيام  لصحيفة الاتحادى  العدد  450 اغسطس1999 إن الصحيفة (أوقفت ثلاث سنوات ونصف السنة على مرتين خلال ست سنوات هي عمر الحكم العسكري، وكان التعطيل الأول في أواخر عام 1958م عندما اعترضت الأيام على محاكمة قادة العمال، واستمر التعطيل لمدة 18 شهراً، وقد كتب الأستاذ بشير محمد سعيد في عموده اليومي مقالاً هاجم فيه المحكمة العسكرية التي تكونت لمحاكمة كل من الشفيع احمد الشيخ سكرتير الاتحاد، ومحمد السيد سلام، وقاسم أمين وآخرين، وطالب الحكومة أن تقدمهم إلى محاكم مدنية يكون فيها حق الدفاع عن أنفسهم مكفولاً، بينما كان التعطيل الثاني عندما جرت محاولة انقلاب ضد النظام في الرابع من مارس 1959 والتي عرفت بحركة«شنان» وقادها معه اللواء محي الدين احمد عبد الله الذي كان متهماً بانتمائه إلى الحزب الوطني الاتحادي، وقد كا ن محجوب   عثمان وراء نشر الخبر   مما عرضها للإغلاق لان السلطة لم تكن تريد  أن يعرف الناس أنباء تلك المحاولة الانقلابية الفاشلة  ,    وتلقت   الايام انذارا  شفاهيا   عنيفا من وزارة الداخلية  بسبب   مانشيت  كبير  باللون الاحمر  كتبه محجوب عثمان وهو ( انقلاب  17    عربة  قطار  فى خط  بورتسودان )  اشارة الى حادثة قطار  وقعت بالفعل  فى ذلك الخط فغضبت السلطة العسكرية  واعتبرت الايام  تشير   بالتورية  الى انقلاب  17  نوفمبر.

عاش الراحل  محجوب عثمان  معارك  متصلة  من  اجل  افكاره التى يؤمن  بها  وكانت حياته  مغامرات  سياسية  ما تنتهى معركة  والا تبدا  اخرى   , وكغيره  ممن  ساندوا  نظام  النميرى   باعتباره  حركة ثورية ترفع شعارات الاشتراكية   اختير اول وزير للاعلام  لحكومة  الانقلاب  وهو الذى تسبب  فى الازمة  الشهيرة  بين النميرى و الشيوعيين  عندما  امر باذاعة  تصريحات  لرئيس الوزراء  بابكر عوض الله عند  زيارته  الشهيرة لبرلين  حيث  نسب  فيها  ثورة مايو  الى الشيوعيين  وكانت تلك نقطة فارقة  بين النميرى  والشيوعيين  حتى جرى الطلاق  بين  الاثنين فاطيح  بمحجوب  من الوزارة  واستبدل  بعمر الحاج  موسى  المناوىء  لليسار   واليساريين .   
  اختاره النمير ى  الذى كان  صديقا معجبا  بالراحل  اختاره  سفيرا  فى   اوغندا  ولكن  لم  يمض  وقت   طويل حتى  قام  الضباط  الشيوعيون  فى يوليو  بمحاولة  انقلابية  نهارية ناجحة  ضد النميرى  وصفها  البعض  بكميونة باريس لقصر  ايامها    
  وفى اتصال هاتفى   من لندن  اجراه    معه بابكر النور  احد  قادة  الثورة  طلب  من محجوب عثمان  العودة فورا  الى الخرطوم  ليكون  وزيرا   للخارجية للنظام الجديد  غير ان   كميونة الخرطوم    سرعان ما سقطت  فبلغ  محجوب  النبأ  فغير  وجهته  من نيروبى  الخرطوم  الى نيروبى  لندن  والا  لكان  مصيره االموت مثل غيره  من القادة الشيوعيين  الذين اعدمهم  النميرى  فى ثورة غضب  كانت ستكون  اشد  ضراوة  بالنسبة  لصديق  احبه  ووثق  فيه, وهكذا غادر  محجوب عثمان  الى لندن  ثم الى براغ  حيث  عمل  لسنوات  فى اتحاد  الصحافة   العالمى  التابع  يومئذ  للمعسكر الاشتراكى, ظل الراحل  فى تشيكوسولوفاكيا  معارضا  للنظام  حتى اصدر  النميرى  عفوا  عاما  عن معارضيه  طالبا منهم  العودة  الى البلاد  فى مصالحة وطنية  اثر  فشل  محاولة اسقاطه  عسكريا بواسطة الجبهه الوطنية  فى الاول من يوليو67 والتى اطلق  عليها اعلام النميرى بهجوم المرتزقة .
وصل  محجوب  مطار الخرطوم  قادما  من براغ  فو جد  رجال الامن فى انتظاره    فجرى اعتقاله  ليرسل  الى سجن الابيض   ليقضى فيه  ما يقارب العام  و كانت تلك  لفتة  من النميرى الذى لم ينس  اصدقاؤه  الاعداء  حتى وان طال  السفر .

بعد  سقوط  النميرى فى  انتفاضة ابريل  الشعبية  عاد  محجوب عثمان للعمل  مجددا  فى صحيفة الايام  التى عاودت  الصدور من جديد , عا د   كرئيس ثان  للتحرير  بجانب  بشير محمد  سعيد , ومحجوب    محمد صالح يكتب عموده معالم فى الطريق  حتى انهي  المتاسلمون  الدورة الديمقراطية  الثالثة  فاختفى  محجوب  عن الانظار  وتسلل هاربا  عبر الصحراء  الى مصر  ليلتحق  هناك  بالمعارضة ويسهم فى تكوين التجمع  الوطنى الديمقراطى . وفى  اوائل  التسعينات  اتصل  بى الراحل  ضمن مجموعة من الاصدقاء  الصحفيين   والسياسيين المعارضين  لنظام الجبهة الاسلامية   فى   قطرعا رضا  علينا  اعادة اصدار   صحيفة الايام  فى المهجر  فى شكل  شركة مساهمة  ,وبالفعل  شرع الراحل  فى الاستعداد  لصدور الصحيفة  ولكن  صحافيا  انتهازيا  معروفا  اوصد  فى وجهه  الباب  عندما  اوشى به للسلطات  السعودية  طالبا منها  عدم  السماح للصحيفة بدخول ارضيها  بحجة ان رئيس تحريرها  هو قيادى شيوعى  وان الصحيفة نفسها  تابعة للحزب الشيوعى فنجح   الصحافى المريب فى تحطيم المشروع  قبل  ان يرى النور  حارما  الايام  الجديدة    من السوق السعودية   ذات القاعدة   الواسعة  من القراء السودانيين   , تلك القاعدة  التى كانت تحتكرها  صحيفته  التى اصبحت  الان  بوقا من ابواق  نظام الانقاذ,  الا رحم الله  محجوب عثمان  صحافيا  وطنيا  ,ومناضلا  جسورا , ومقاتلا صلبا   واحسن اليه واسكنه فسيح جناته  مع  الصديقين  والشهداء  وحسن اولئك  رفقيا
sedig meheasi [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]