محاولة لتقصي مشروع بارونات الإسلام السياسي في السودان
أية الله الترابي والشيخ الخميني
  عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
كان الترابي معجباً بالثورة الإيرانية التي أطاحت بحكم شاه إيران عام 1979, وبعودة آية الله الخميني من فرنسا ليتسلم قيادة الشارع وإقامة الجمهورية الإسلامية, ومن منظور الاسترجاع العكسي فإن الترابي يعتبر نفسه ليس أقل شأنا من الخميني في علم الثورات, فهو كذلك قاد ثورة شعبية في السودان في أكتوبر عام 1964, ثم أكملها »بثورة« ثانية في 30 يونيو عام 1989 عندما خطط للاستيلاء على السلطة في البلاد بواسطة تنظيم الضباط الإسلاميين داخل القوات المسلحة, إذن فإن الترابي السني يعادل الخميني الشيعي, وإن لم يصرح هو بذلك, وإذا كان التغيير الإسلامي- الشيعي قد بدأ من المشرق, فإن التغيير السني يبدأ الآن من المغرب, وليس أدل على هذا التشابه من قول الترابي نفسه عندما ذكر في مقابلة صحفية: أن الثورتين الإسلاميتين في السودان وإيران ستكونان نقطة البداية لشيوع ثورة إسلامية اكبر ترد للإسلام مكانته في العالم [1]وبدا واضحا بعد ذلك كيف تعاون النظامان الإسلاميان الجديدان في إقامة مشاريع القمع المشتركة للمعارضين في البلدين, وكيف أمد الخميني »التجربة الإسلامية الثورية« التي قامت في السودان, عندما أسعفها بسرعة بخبراء في المخابرات وتعذيب المعارضين, ومثلما درَّب شاه إيران عددا من ضباط الاستخبارات السودانيين في عهد النميري, تولى نظام الخميني أيضا تدريب عدد من »مجاهدي« المخابرات الجدد, ليكونوا أول نواة قمع للمعارضة السودانية, فالإعجاب بالحرس الثوري الإيراني- وهو تنظيم عسكري عقائدي- معادل للجيش الإيراني الرسمي دفع الترابي لأن ينشئ تنظيما مشابهاً هو (الدفاع الشعبي) ذلك الحارس الأيديولوجي الجديد الذي كاد إن يلغي دور الجيش السوداني الرسمي, وكما فعل النظام الاخميني, فعل ذلك نظام صدام البعثي, فقدم النظامان تجاربهما في فنون قهر المعارضين, وكسر شوكتهم.. فكانت حصيلة كل هذا ظهور [2] »بيوت الأشباح« بصيتها السيء وفقهها الأسود, كان الترابي الذي يستعد ليكون زعيماً وحوزة للإسلاميين السنيين, يؤمن علناً بأن الشعب السوداني لا يمكن أن يحكم إلا من خلال القوانين المتشددة , ويرى هنا أن قمع الجاهل لمصلحته هو من أفضل الحسنات التي يقدمها الإسلام للناس!

» إن شخصية الترابي شديدة التعقيد متقلبه لا تكاد تستقر على شيء وتحركها اعتبارات مفرطة في ذاتيتها , يمزقها طموح جامح للزعامة المحلية والإقليمية والعالمية, ويعذبها أنها تفتقر إلى مقومات تلك في بيئة لا تقر زعيماً, ترد على تاريخه شبهه أو يشوب ما فيه تجريح أو يخالفه عيب أو ذم, ويرى الصديق القانوني محجوب إبراهيم حسن »في شخصية الترابي نرجسية, فهو يرد كل إنجاز لشخصه, وتحيط به السعادة عندما يكون مصدر جدل في السنة الجماهير أياً كانت طبيعة هذا الجدل, وفي سبيل الوصول إلى غايته وأهدافه لا يتبع الترابي الأسلوب الميكافيللي وحده فهو لا يتورع في الاهتداء بالاستنتاج العلمي في أسلوب »الارادوية« النازية والذي توصل اليه الفيلسوف الرسمي للدولة النازية الفرد روفيبرج: إذا كانت القوة لأزمة فلماذا لا نستخدمها لإرادتنا الوطنية«[3] »ويتضح ذلك في ممارسات النظام التي كان الترابي متنفذاً فيه, والتماثل بين النموذجين يتضح في أن كثيرة على سبيل المثال, الاحتفاظ بالسلطة وترويض المعارضين.. الاعتقالات والتعذيب على نمط معين, تعدد الأجهزة الأمنية للنظام, حرق الكتب الليبرالية والدينية والماركسية, استخدام المواكب والاحتفالات والمؤتمرات والمسيرات من أجل تثبت أركان النظام, الأزياء الخاصة بألوان معينه للميليشيات«[4].

هذا التماثل يقود في النهاية إلى هدف واحد, وهو توسيع قاعدة القمع واستمراره وإشاعته, ثم إحاطته بذرائع عقائدية »متطلبات الدفاع عن الوطن, حماية شرع الله«.

ويلجأ الترابي إلى الكذب إذا كان في الكذب منجاة من مأزق أو حصار, وقد لجأ إلى هذا الخيار عندما واجهه المحامي عبدالباقي عبدالحفيظ الذي بترت رجله نتيجة التعذيب في بيوت الأشباح بالجريمة التي ارتكبت في حقه, وطالبه أمام عشرات الأشخاص بالرد على الاتهام, وفي المحاضرة التي قدمها في لندن في 27/4/,1992 ليروج للنظام الجديد كان الترابي قد أحس بالورطة والعزلة عن الرد فجاء كلامه مضطرباً فكذب الزعيم الإسلامي عندما قال: إن رجل المحامي بترت بسبب مرض السرطان ووسط همهمات الاستنكار والوعيد أنقذت الشرطة البريطانية الترابي من محاصرة الحاضرين, وأخرجته من الباب الخلفي في قاعة للمحاضرات وسط لندن,  [5]وكثيراً ما نفى الترابي دوره في السلطة مع ثبوت ذلك (ليس لي دور فاعل في الحكم), ولكني أتحرك في ساحة عالمية وأتمتع داخلياً بالحرية ذاتها التي يتمتع بها قادة الأحزاب السابقة, ويذهب الترابي أبعد من ذلك, فعندما سأله النائب »بنجامين غيلمان« في لقاء لجنة الكونجرس الشهير: ما إذا كان يقدم المشورة إلى رئيس السودان في الشؤون الحكومية المهمة, قال: (لا, لأنه لا يتاح لي التحدث إليه) وفي سؤال عن طبيعة قوات الدفاع الشعبي يقول: »إن هذه القوات شبيهة بقوات الحرس الوطني في الولايات المتحدة الأمريكية, وتختار عناصرها من الدوائر الحكومية, ويخضع هؤلاء لتدريب بسيط لفترة قصيرة من أجل تعزيز الانضباط, كما أنها فرصة لإعطائهم بعض المحاضرات عن طبيعة عملهم« [6] .

والذي يريد أن يكتشف هذا الكذب لابد أن يتساءل إن كانت طبيعة عمل هؤلاء الذين يختارون من الدوائر الحكومية, هو تكريس مفهوم الجهاد وتأجيج نيران الحرب في الجنوب وتصدير الإرهاب, وإمعانا في الكذب الصريح يختصر الترابي في بداية عهد النظام سياسة الفصل التعسفي بقوله »شمل نحو ألف موظف فقط«, وعن النساء يقول: إنهن يشغلن مناصب المديرين والوزراء«[7], وهذه نماذج فقط والمحضر المذكور يعج بالكثير المدهش تناس» فيه تماما مع نفيه لكل الأشياء أنه ضمن مهامه جاء مدافعاً عن النظام نفسه, وهذه هي الأشياء التي عيل فيها صبر النائب »هوارد ولب« بعد ما استفزه الكذب المبالغ فيه, فانفجر في وجه الترابي قائلا »هذا يعني إن كل المنظمات بما فيها حكومتنا, مخطئة في تقويمها سجل حقوق الإنسان, فالناس في السودان لا يخضعون للتعذيب, وليس هناك تعامل اعتباطي على قاعدة معتقدات الناس الدينية والسياسية وهم أحرار في التحرك دون أن يخشوا انتقام أو تهديد أعضاء في حزبكم.. هل هذا ما تحاول أن تقوله لنا اليوم?. هل هذه التقارير عن السودان من نسج الخيال ولا أساس لها على الإطلاق?«.

يسعى الترابي في خطابه أحيانا إلى عنق الحقيقة ولا يتحرج في المداهنة والمنافقة, وذلك يعتمد على الجو الذي يتواجد فيه »المحضر يكشف ذلك« ومحاضراته الأخيرة في لندن وواشنطن كانت فيها رائحة استمالة للمجتمع الغربي مع تعارضها والنصوص الدينية وهي سمة في نهج الإخوان المسلمين عموما, فقد أسموا نميري مجدد المائة وبايعوه على المكره والمنشط  [8] وقال يسن عمر الإمام مكرسا اللقب الجديد الذي خلعوه على نميري »الحمد لله ففي القرن الماضي جدد محمد أحمد المهدي الدين« وكان من السودان, وكذلك جعفر نميري من السودان تقدم بتجديد الدين بتوفيق من الله سبحانه وتعالى« [9] وابتدع حسن الترابي قولاً آخر في هذا الشأن وقال: »ولما أجرى الله الخير على لسانه بايعناه إماما«[10].

كثيراً ما يستدعي الترابي الدين في أحاديثه ليعطيها نفحة التبجيل, وذلك في تبريراته لمواقف سياسية أو ظواهر طبيعية فيقارن الأدنى بالأعلى كقوله في المصالحة الوطنية: »قديماً شارك يوسف عليه السلام في إدارة الشؤون العامة« لتحقيق مصلحة في رعاية تموين العباد لا تتحقق بالبقاء في السجن بينما كان قد أثر السجن على الفتنة المحتومة, وفي موقع آخر حاول فيه درء الشبهات عن النميري باستدعاء الدين »وتذكرون أن كثيراً من الشبهات كانت تنصب على الرجل الذي صدرت عنه هذه التشريعات مباشرة فصوبوا نقدهم لأول وهله على مصدر هذه التشريعات, وذلك شأن قديم فما تنزلت على الناس من رسالة إلا غفل المخاطبون عن جوهر الرسالة وصوبوا نقدهم إلى الرسول.. فتذكرون كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سابق عهده مبرأً من كل شبهة, لكن ما إن قام بالدعوة حتى أطلقت عليه قذائف الشبهات [11] وأحيانا يخلع القدسية على نفسه, فحينما أثار قانون العقوبات الذي صاغه هو ضجة في مداولات الجمعية التأسيسة »البرلمان« عام 1988 قال الترابي مخاطبا النواب (عندما نزلت الرسالة انشغل الجاهلون بشخص الرسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من انشغالهم بجوهر الرسالة, وفي جاهلية أهل السودان انشغل البعض بشخص الترابي أكثر من انشغاله بالقوانين الإسلامية« وفي تعليقه على كوارث السيول التي ألمت بالسودان في أغسطس 1988 قال الترابي (إن الله لا يجازي البشر إلا بما ملكت أيديهم).

  [1]  - مقابلة مع صحيفة كيهان العربي الإيرانية 23 يونيو 1990

 2   - القانوني محجوب إبراهيم في دراسة نشرت على حلقات في صحيفة الخليج الإماراتية 29/2/.1992

 3 - التأثر بالنموذج النازي في السودان, د. خالد المبارك جريدة الحياة اللندية 14/5/.1992

 4 - المصدر نفسه.

5  - المصدر نفسه.

   6   - المصدر نفسه.

7 - د. منصور خالد الفجر الكاذب, نميري وتحريف الشريعة ص110

 8  - جلسة مجلس الشعب 8/11/.1983

 9    -  مجلة الطليعة الكويتية ديسمبر 1983