تراتبت المراحل الثقافية في السودان يربط بينها خيط تاريخي يشرح طبيعة كل مرحلة ,وفي ذلك الجو ما ذكرنا من قبل انفتح افق جديد للحركة الثقافية وسيطر الأدب الطليعي علي الساحة مسرحا, وشعرا ورواية وقصة قصيرة ,فمن عطبرة ظهر كتاب مثل بشير الطيب ,واحمد الامين البشير ,وعبدالله علي ابراهيم والشاعرمحجوب قسم الله الذي كان يكتب تحت اسم "المنبثق " وفي مدني ظهرت رابطة ادباء الجزيرة وظهر فيها شعراءامثال شيبون , ومحمد عبد الحي , وفضل الله محمد,وعصام البوشي, وعلي يسن ,وعبد الرحمن عبدالله "ودالجمل"وشقيقه مجتبي عبدالله وفي رابطة ادباء سنار نبيل غالي ومبارك الصادق ومن جيل الشباب الجديد.

جاء بشير الطيب الي الخرطوم عام 1960وعمل في التدريس والترجمة ومتعاونا مع جريدة الزمان حيث كان يكتب عامودا يوميا ادبيا فلسفيا تحت اسم "اقول لكم"متاثرا بالفلسفة الوجودية التي وجدت رواجا في العالم العربي وكان اهم معتنيقها الكاتبين انيس منصور, ومصطفي محمود الذي كتب مؤلفه المشهور "الله والإنسان " والذي انكر فيه وجودالله واثار ضجة يومذاك وصودر من المكتبات بعدان منع الأزهر توزيعة , ومع ذلك لم يكفر احد مصطفي محمود الذي كان يري "إن الفضيلة ليست الصلاة وانماهي في الطعام الجيد ,والكساء الجيد, والمسكن الجيد ,والمدرسة والملعب, وصالة الموسيقي"
صادف بشير في "الزمان " وجود الأ ديب الموسوعي محجوب عمر باشري الذي كان مسئولا عن الصفحة الأدبية ونمت علاقة فكرية بين الأثنين فقد كان باشري قارئا مطلعا علي الأدب الفرنسي بحكم اجادته اللغة الفرنسية وترجم سيرة جان بول سارتر وفرانسوا ساجان ,وشكّلا هو وبشير ثنائيا فكريا في الصحيفة وقدم الأثنان محاضرات عن الفلسفة الوجودية في المركز الثقافي الفرنسي ومعهد جوته الألماني
قرأ بشير الطيب مؤلفات جان بول سارتر مثل الوجودية مذهب انساني,الوجود والعدم ,ورواياته ,الذباب ,و الغثيان, والمومس الفاضلة, وللبير كامو الغريب, والعبث, وكاليغولا, و جذبت هذه الموجة انصارا لها مثل عثمان الحوري ومحمود محمد مدني ,ومحمد الحسن دفع السيد, وسعيد احمد خير.


لم يكتف بشير الطيب بذلك ولكنه في عام1964 اسس دار الوجود للتأليف والنشر والترجمة وصدر عنها مجلة «الوجود» «شهرية صدر العدد الاول منها في ديسمبر 8691 ثم تلي ذلك ثلاثة اعداد وتوقفت بعد ذلك لإسباب مالية بحتة اذ لم يكن من الممكن استمراراها لعدم قدرة بشير في الصرف عليها وكانت الوجود تجربة جريئة قصد بها بشير ان يتجاوز مدرسة الواقعية الإشتراكية القائمة علي جدل الواقع الي جدل اكثر عمقا هو جدل الإنسان والكون,لم تعش تجربة بشير طويلا إلا من اثرها المحدود علي عدد من الكتّاب الذين اشرنا اليهم اعلاه فتراجعت ثم اختفت بأختفاء مرجعيتها الفرنسية.
كتب في الوجود كل من صلاح احمد ابراهيم ,وعلي المك ,وعثمان حامد سليمان ويوسف خليل ومحمود مدني نقد العدد الماضي وصديق محيسي .
نقلا عن ابنته ناهد يقول بشير الطيب في تجربته كتابة القصة القصيرة ( أن كاتب القصة القصيرة يخلق عالما بعينه ...لظروفه الجغرافية والتاريخية والاجتماعية والسياسية ....عالما ليس هو كل الواقع ولكنه جزء منه ... وحتى هذا الجزء فهو مجرد وسيله ومسالك يتوصل إليها كاتب القصة إلى العالم الذي يحلم ويريد ....وانك حين تكتب قصه قصيرة فانك تلتقط من الناس والظروف شرائح تخضع للرؤية الذاتية تلتقط الحياة باسم الحياة ذاتها ....ولكن على أمل أن يكون ما تخلق شيئا غير كائن تماما ... القصة إذن شيء حلم ....والحلم عذاب والعذاب مر ...والمرارة فيها محاوله تنتزع من عروق الكاتب ودمه وعقله ووجدانه .

بموازاة تجربة بشير الوجودية كانت الحركة الثقافية عموما تزدهر عبر الجمعيات الثقافية في جامعتي الخرطوم والقاهرة فرع الخرطوم ,تلك كانت نواة لشعراء وكاتبو قصة قصيرة و نشط بجانب ما اطلق عليه المسرح الجامعي خصوصا جامعة الخرطوم ومن رواده شوقي عزالدين علي عبد القيوم عثمان جعفرالنصيري وسلمي بابكر, ومأمون الباقر هشام الفيل ومحمود تميم ومحجوب عباس .

ويسلط الشاعر والمسرحي المعروف هاشم صديق الضوء علي هذه المرحلة فيقول في محاضرة قدمها بالدوحة عام 2009 ( إن هؤلاء قدموا مسرحيات عالمية ليونسكو ومسرح صمويل بيكت واوديب . ولكم جميل انت أيها الرجل والعصفورة للمؤلف المسرحي يوسف عيدابي وهذه الأعمال قادت المواسم المسرحية الأولي لتكون مهرجاناً مسرحياً متنوعاً يشتمل الموسم علي المسرحية السودانية والعربية والافريقية والاوربية ظهرت المسرحيات الحديثة التي قادها فنانون أمثال الرائد حسن عبدالحميد من الجيل الوسيط والذي خرج العديد من الفنانيين ممثليين وكتاب وخرجيين . والمؤلف والمخرج أبو العباس الطاهر والمسرحيات عن التاريخ والأثار وثلاثيته الخفافيش ومسرح لعموم أهل السودان وفضلي جماع في المهدي في ضواحي الخرطوم ، ويوسف خليل الذي أخرج العديد من المسرحيات الطليعية مثل جسر ارتا والامبراطور جونز التي سودنهاوعلي هذا النحو نشاهد صلاح عبدالصبور و(مأساة الحلاج) والمسرح الشعري الحديث ونتضامن مع الحركات العربية التي تسعي للتحرر في حفلة سمر من اجل خمسه حزيران لوناس واخراج علي عبدالقيوم وهذه المسرحية كانت ممنوعة رقابياً ولم يتم عرضها في ذلك الوقت في كل البلاد العربية ما عدا السودان (والتي بعدها عرف المسرح القومي الرقابة) ثم تيارات المسرح الفكري ممثلاً في مسرحية السلطان الحائر لتوفيق الحكيم والمسرحيات التي تعبر عن نفس البيئة والمحيط السوداني مثل مسرحية (الزوبعه) للكاتب المصري محمود دياب والشاهد في أن هذه النهضة قادت المسرح لوثبة حقيقية لان المسرح إستعان بخبرات مخرجيين ومعديين وكتاب كان لهم تجربة في المسرح الجامعي مثل الفنان عثمان النصري وسلمي بابكر ومأمون الباقر,هشام الفيل ,وشوقي عزالدين ,ومحجوب عباس وغيرهم . والذين قدموا مسرحيات عالمية ليونسكو ومسرح صمويل بيكت واوديب . والرجل والعصفورة ليوسف عيدابي )

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.