مذكرات في الثقافة

في عام 2002 وبعد غياب ثلاثة عشر عاما من الوطن بسبب لوائح الحظر التي كانت معلقة في المطارات ,عدت الي الخرطوم لاجد الصديق العزيز كمال حسن بخيت رئيسا لتحرير صحيفة الاضواءالتي موّل صدورها رجل لأعمال صلاح ادريس وطلب مني ان اكتب في الصحيفة وهي في عددها الرابع , وقبل ان استجيب لرغبته سألته او ل ما سألته ’ اين عز الدين عثمان؟ فقال لي انه موجود يرسم بالرأي العام , ولكن اعراض المرض بادية عليه , ولم تعد ابتسامته الساحرة الساخرة الا بقايا تغضنات تتعرج علي وجنتيه, فهو بفعل الزمن يفقد حيويته التي عهدناه عليها سنوات وسنوات وعلي الفور قلت سأحاول الكتابة عنه ما استطاعت ذاكرتي ان تقف علي ( حيلها ) وشرعت اكتب عن عزالدين كمشروع دراسة قابلة للتطوير والتحسين وربما كتاب في النهاية, وبالفعل نشرت ثلاثة حلقات وعلمت ان عزالدين كان مبتهجا ومحتفيا بها لانه لايستطيع ان يقرأ ما سيكتب عنه وهو تحت الارض فلقد درجنا نحن في السودان ان نفعل ذلك , لا نستذكرمبدعينا ومفكرينا الا بعد ان يرحلوا عنا

اكثر من سبعة عشر عاما مضت علي رحيل الفنان عزالدين احد اهم رواد فن الكاريكاتور في السودان مخلفا في القلوب حزنا وحسرة , وبرحيل عز الدين يرحل (عصر) بأكمله من السودان القديم الديمقراطي الذي أضعناه ساسة وشعب معا .

في غمرة إحساس بالخوف من ذلك المجهول الذي يختار دائما الأخيار,انضم ألينا صديقنا المشترك كمال الجزولي لنتوجه صوب حي الصحافة لتقديم العزاء في الراحل الكبير, وفي الطريق ونحن داخل السيارة قلت لهما إن الموت حقيقة ازلية لانكران لها,كل نفس ذائقة الموت والأعمار بيد الله , ولكن الا تلاحظان إن الموت في السنوات الأخيرة لا يحصد إلا المبدعين , والمفكرين والشعراء فقط ولا يقترب من معطوبي الخيال والذين علي رؤوسهم "أحذية"والسفلة وشذاذ الأفاق, وقلت منفعلا لم اسمع نعيا قريبا لأحد الذين لا يضيفون شيئا للسودان , لماذا لا يموت الانتهازيون وصائدوا الوقت الذين لايملكون من الدنيا إلا كروشهم , وأعضائهم التناسلية؟ وطفقت اعدد لهما الذين اختطفهم الموت وهم في اوج عطائهم في الماضي والحاضر معا ونحن في أمس لهم , وبينما كانت السيارة تنهب بنا الطريق إلي خيمة العزاء في حي الصحافة, كانت ذاكرتي تنهب الزمن لتصل الي السوق العربي , مكاتب جريدة الاخبارفي البناية الوحيدة ذات الطابق الواحد في السوق العربي تجاورها مكاتب مجلة صوت المراة فاطمة احمد ابراهيم وامال عباس وفوزية اليمني , رائحة الاقمشة المنبعثة من صناديق قادمة من اليابان فتحت علي التو لتختلط برائحة الفول والبهارات في جو ماطر وشوارع طينية مثل جروح عنيدة لاتلتئم عز الدين عثمان, عبق التاريخ , ورحمي سليمان بنظارته السميكة وإدريس حسن بعبوسه الطيب وشريف طنمبل باتسامته الوضيئة , ومنير صالح عبد القادر (ايفان الرهيب ) بصوته الذي يشبه صرير باب حديدي صدأت مفاصلة . كان عزالدين يدخل كظل , ويغادر كنسمة ويهمس كروح .

كانت الخرطوم تغرق في أنوار النيون التي ظهرت لأول مرة فكتب عنها الشعراء كرمز للحضارة وشراسة المدينة , تصور!, شارع الجمهورية وتقاطعة المؤدي إلي جسر بري وجامعة الخرطوم يضج حتي منتصف الليل بالحركة , أفندية وصحفيين , ووكلاء وزارات وضباط جيش وشرطة, أنها الطبقة الوسطي التي قضت عليها الانقلابات العسكرية وعبث الديمقراطيات الحزبية الطائشة, ويد العولمة الباطشة.
كان عز الدين عثمان الوحيد بيننا كبروليتاريين صحفيين الذي يملك سيارة ايطالية "إنجيلا "بجانب برجوازيون متواضعون شيخهم بشير محمد سعيد الذي يقود المرسيدس , ومحجوب محمد صالح فلوكس ,إدريس حسن فلوكس واغون جديدة من بارسميان , وسعد الشيخ ( كورلا ) ,وعبد العزيز حسن زوفير) , ومحمد ميرغني ( رويتر) كونسل , ويحي العوض فوكسول ) ومحمد سعيد محمد الحسن والفاتح التجاني فيات ومصطفي أمين فولكس .

من ليالي الخرطوم الصاخبة بفنادقها ومطاعمها الفاخرة بأصحابها الإغريق والأرمن والشوام سانت جيمس , والقوردن ميوزيك هول, صحاري والاكساسيور, والبستان, واسكرا بيه , والشرق وكوبا كوبانا , والسليماني ورويال, كان عز الدين عثمان يبحث عن شخوصه الفنية بين فئات اجتماعية متنافرة , مخمورون يتقيأوون الشيري , واخرون يعتمدون الجدران في اخر الليل ووكلاء وزارات مشهود لهم " بالتسهيلات" يجوبون في الغسق ازقة احياء المتعة , ورجال عسس يقودون باحصنتهم المدربة متشاجرون ممزقة دامية ملابسهم الي مراكز الشرطة , محامون يرقصون في حفلات صاخبة قوامها مثليون (طاعمون) قادمون من القضارف , وكسلا وبورتسودان ومدن السودان المختلفة , وأفندية لصوص رخص تجارية, وضباط جيش يجلبون الحشيش من الجنوب وسياسيون بشحناتهم المتجهمة يزأرون في البرلمان صباحا ويذوبون رقة في التابوهات الحمراء ليلا , قادة سياسيون كبار يتلسانون حتي تظنهم علي وشك الاشتباك بالأيدي , ولكنك تشاهدهم هاشون باشون متعانقون في بيوت الافراح , وحزانى مجاملون في بيوت العزاء, أولئك كلهم كانوا إبطال عز الدين الذين من خلالهم ينسج و يعيد إنتاج حياة الليل ونكد النهار في السياسة والمجتمع في رسومات تنطق واقعية وتتفجر ضحكا وسخرية, كان عز الدين عثمان لا ينظر إلي الأشياء في جوهرها كإعراض عابرة تظهر علي وجه المجتمع , وإنما في خلاياها الحية باعتبار إن المجتمع هو جسد تجري فيه الدماء وتتخلق في داخله الفضائل والرذائل معا .
ثمة ما يؤخذ علي النقاد الذين تناولوا بالتاريخ والاستعراض حركة التشكيل في جوانبها المختلفة ولكنهم لم يتوقفوا عند عز الدين كرائد معاصر لفن الكاريكاتير .
لم تكن في السودان حركة واسعة لفن الكاريكاتير كما كان ذلك في مصر والشام حيث هذا الفن مرادفاً للكلمة المكتوبة, وليس من قبيل الصدفة أن ينتقل هذا الفن تلقائياً إلينا ، بل أنه جاء مع الثقافة المصرية في مطبوعاتها المجلات والصحف والكتب .
. وتحت تأثير الحركات اليسارية التي كانت واسعة الإنتشار في القرن الماضي وحملت إلينا رياحها أفكاراً جديدة في الشعر والرواية والتشكيل, أخذ رسامون أمثال زهدي ، وحسن فؤاد ,وحاكم , وصلاح جاهين واللباد يوظفون هذا الفن في مصلحة الفقراء والفلاحين, وعمال المصانع والتراحيل ، وبعد أن كانت مجلة ((كالبعكوكة)) تنشر رسومات لحسن الحديدي وعبد الوهاب البدري تسخر من الفلاحين والصعايدة الذين تصفهم بالرجرجة والدهماء ,جاء جيل ثوري جديد ليعتبر فن الكاريكاتير اداة من ادوات من المقاومة ضد الإستعمار البريطاني ثم بعد ذلك ضد الإقطاع وسيادة رأس المال .

عند قيام ثورة 23 يوليو عام 52 ُفتحت صفحة جديدة في التاريخ المصري وتبنى خطاب الثورة السـياسي الدفاع عن الفقراء ومحاربة الاقطاع , وراس المال وهكذا ووسط زخم ثقافي يساري عمّ المنطقة ظهرت مدرسة فنية بكامل أدواتها في مقابل مدرسة غربت شمشها وسمت يومذاك بالرجعية .

في هذا الجو نشأ (عزالدين عثمان) وتفتحت عيناه على موجة من الفنون والإبداعات قادمة من مصر ومن بلاد الشام ، ولم يكن (عزالدين) يساريا منظمّا في حزب سياسي بعينه ، و لم يكن بالطبع يعتنق اي مذهب سياسي حتى تحسبه انه مع هذه الجماعة أو تلك ، ولكن (عزالدين) كان ملتصقاً أكثر من أي شخص آخر بالناس البسطاء يعيش وسطهم ويتألم آلامهم ,ويحلم أحلامهم ، إنه الفنان الذي يجد نفسه في الآخرين ، فالبسطاء هم مادته الفنية التي يستوحي منها افكاره ، قضى (عزالدين عثمان) تسعة سنوات في صحيفة (الأخبـار) التي كان صاحبها رحمي محمد سليمان وكانت مكاتب هذه الصحيفة منتدىً مسائياً للنخبة المثقفة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار ، كانت منبراً أقرب الي يسار الوسط منه إلى اليمين ، وإذا كان اليسار في حدوده الفكرية غير الموغلة في التفسير هو النزوع إلى التغيير نحو الأحسن فإن (الأخبـار) كانت ذلك المنبر الذي إنطلقت منه ثقافة جديــدة تطالب بالتغيير الإجتمـاعي دون مغــالآة في المطالبــة أو حشــرها في أيديولوجيـة ضيقة, فقد كتب فيها صالح محمود اسماعيل , وحسب الله الحاج يوسف , وحسن الطاهر زروق, وسيد احمد نقد الله، وعزالدين عثمان ذلك الشاب الذي يشِعُ الذكاء من عينيه وجد نفسه في تربة نظيفة تنمو فيها كل الأفكار دون قيود, ومن مكاتب (الأخبـار) فوق السوق العربي أقام علاقة عضوية مع الناس بمختلف سحنهم ، تجاراً وأفندية وعتّالون ، وبائعات كسرة وشاي وميكانيكية ونجارين , كان صديقـاً لفئات من القـاع الإجتماعي حتى رأس البئر الأرستقراطية ، أكسبت تجربته الفنية ثراء تلك الحميمية التي كان يجدها دائماً في هولاء الناس وهم في ذروة سعادتهم وشقاءهم معا .
رأيت (عزالدين) مراراً وهو يجوب طرقات الخرطوم متفحصاً الناس مراقباً لحركاتهم وقارئاً حصيفاً لأفكارهم ، وكان لكي يختار شخوصه لايكتفي بأن يستحضرهم من الخيال ولكنه يسبق هذا الخيال بأن يلامسهم فعليا وهم يلهثون وراء لقمة العيش في الاسواق , والورش, والمصانع والمرافق الحكومبة ، ومن هنا جاءت خطوط (عزالدين) تنضح بالحيوية والواقعية فالسكارى تكاد ملامحهم تفضح عشقهم للخمر والمختلسون تكشف عنهم كروشهم التي تشبه جولات خيش متهدلة ، تقدم رسومات عز الدين مدلولات بأن الخمرة كانت دائماً وراء التفكك الأسري, وامراض الادمان , وكثرة حالات الطلاق .

يتبع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.