غربا باتجاه الشرق

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

(1)

مثلما أن (العفش على مسئولية صاحبه)، كما تقول اللافتة فى غالبية المركبات التى تنقل المسافرين بين اقاليم السودان المختلفة، فإن قراءة مقالاتى ستكون، من الآن فصاعداً، على مسئولية قارئها. الأصل ان كل كلام يُقال او يُكتب يكون بمثابة أمانة فى عنق القائل او الكاتب، يتحمل مسئوليته أمام الناس والقانون فى الدنيا، وأمام رب العرش العظيم يوم المبعث، فلماذا تكون قراءة مقالاتى أنا بالتحديد على مسئولية القارئ؟ الأسباب تجدها – أعزك الله -  فى ما يلى من فقرات.

(2)

 قبل فترة قصيرة، ودرجة الحرارة تؤشر الى سبعة تحت الصفر، خرجت ماشياً من داخل جراج منزلى فوق أرض منبسطة مكونة من ألواح متراصة من الجليد الصلب قاصداً العمود الخشبى الذى يحمل صندوق البريد الخاص بمنزلى. فى منتصف المسافة تماماً هويت منزلقاً فوق المسطحات الثلجية وخبطت رأسى على أرضية الجليد الأصم. كانت الضربة قوية للغاية على مؤخرة الرأس بدليل أننى فقدت الوعى تماماً. قامت سيارة الاسعاف التى استدعاها على عجل جارى العزيز المستر بيترسون، جزاه الله خيراً، بنقلى الى غرفة الطوارئ فى مستشفى بيرنزفيل. عندما أفقت لم استطع ان أتذكر أى شئ، وأخذ أفراد الطاقم العلاجى يتبادلون توجيه أسئلة معينة الىّ سعياً لاختبار ذاكرتى، او ربما تنشيطها واستعادتها، مثال: ما هو اسمك؟ من هو عمدة بيرنزفيل؟ ما هو اسم رئيس الولايات المتحدة؟ المهم اننى استعدت بفضل البرنامج العلاجى بعض ذاكرتى، وليس كلها. استعدت قاعدة المعلومات الأمريكية، ولكن قاعدة المعلومات السودانية أصابها عطب كبير. وظروف الحادث وملابساته وتداعياته تفسر لك، أيها الأعز الاكرم، سبب غياب زاوية (غرباً باتجاه الشرق) الاسبوع الماضى. ولكننا لسنا بصدد المقال الغائب، بل بصدد مواصلتى – او عدم مواصلتى- لشُغل الكتابة الراتبة أساساًً.

(3)

أجرت ادارة " الاحداث" عدداً من الاتصالات الهاتفية تطمئن على صحتى وتطلب موافاتها بمقال الاسبوع التالى فى موعده. كان ردى أننى لم أعد أتحكم فى ذاكرتى ومكونات دماغى على الوجه الاكمل، وبالتالى ربما كان من الافضل ان أتوقف كلياً عن الكتابة. لتقريب المسألة الى ذهن رئيس التحرير، قارنت حالتى بحالة زعيم سياسى سودانى تعرض لضربة على رأسه أثناء زيارة له خارج البلاد قبل ثمانية عشر عاماً، وتحديدا فى مايو ١٩٩٢ ، صرح بعدها أحد المقربين اليه من كبار معاونيه ان الزعيم السياسى نسى القرآن وأشياء كثيرة اخرى، نتيجة لتلك الضربة، ولم يعد يصلح تماماً للقيادة. ردّ علىَّ رئيس التحرير بكل بجاحة وقوة عين: (يا سلام! تقصد انك أيضاً نسيت القرآن؟! ومنذ متى كان الحلفاويون يحفظون القرآن)؟

واضح ان عادل الباز لا يصدقنى، ويلح علىّ ان استأنف الكتابة وابعث بمادتى الاسبوعية فى موعدها. لا بأس. ذنبه على جنبه. ولكن الأمانة تقتضى ان اوافيك أنت، أعزك الله، بالحقيقة كلها من أمرى حتى تكون على بينة. فأنا أكتب وفاءً لعقد وقعته مع الصحيفة، وليس بسبب اننى أصلح لفعل الكتابة. ولهذا فإنك فى حل من ان تقرأنى، طالما ان سلامة ذاكرتى واتساق قواى العقلية أصبحت محلاً للتقويم. فإن كان خيارك هو القراءة  فلتستحضر اذن انك انما تقرأ على مسئوليتك الشخصية. وكما يقول الأحباب فى شمال الوادى ( الأولو شرط آخرو نور)!

وقبل أن أستطرد فإننى أجد لزاماً علىّ ان اتقدم بواجب الشكر والعرفان للاعزاء والعزيزات فى أركان المعمورة الاربعة ممن والونى بالمكالمات الهاتفية والمراسلات الالكترونية، بغية الاطمئنان على صحتى "الرأسية" والافقية. ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله. وأخص منهم اولئك الذين أمحضونى نصائحهم الغالية، وفى مقدمتهم  صديقى الماركسى الأصيل والمؤرخ الجليل الدكتور عبد الماجد على بوب، العميد الاسبق لكلية الاقتصاد بجامعة جوبا، الذى عبّر لى عن اعتقاده بأن الحادث الذى تعرضت له ربما كان ابتلاءً من الله سبحانه وتعالى لأننى تجاوزت حدودى اذ تعرضت لبنات الامام الحبيب الصادق المهدى فى مقالٍ سابق (لم استطع تذكره بعد الحادثة). حذرنى  الدكتور بوب من التعرض للأشراف والشريفات مستقبلاً، وأوصانى بأن أقصر رسالتى الصحفية النبيلة على نقد عامة السياسيين والمثقفين من أمثال عبدالرحيم حمدى وفاروق ابوعيسى وعبدالله على ابراهيم  وغازى سليمان ومن لفّ لفهم.

كما أخص بأسمى آيات التقدير صديقتنا الكاتبة المتميزة الاستاذة منى عبد الفتاح، التى واستنى ثم ألقت باللوم كله بشأن الحادث المؤسف على محامٍ  سودانى من عشيرة بنى ثقيف، اسمه حاتم الياس، تعتقد أنه سحرنى او (أدانى عين). وقد نبهتنى الاستاذة منى لفقرة معينة من مقال كتبه المحامى المذكور فى المنبر الالكترونى "السودان للجميع" جاء فيها: (يقينى أن مصطفى البطل الذى يملأ أفدنة من الورق بمقالاته، وهو يكتب بنشاط تراكتر ماركة فيرجسون، ويحرث صفحات كاملة ويسودها بكتاباته، يمكن ان يطلق عليه الكاتب الذرى). وقد انزعجت أيما انزعاج عند قراءتى ما كتبه هذا المحامى "السحّار" ذو العين الشرّيرة، ودعوت الله أن يرينى فيه يوماً يجندله فيخبط رأسه على سطحٍ صلب، صلابة جليد مينيسوتا، خبطةً تفقده الوعى، فيجد نفسه فوق سرير المستشفى والطبيب يسأله ليختبر ذاكرته: ما هو اسم أهم كاتب صحفى سودانى، فيضطر صاغراً راغماً الى ان يجيب: (مصطفى البطل)!

يا للؤم هذا المحامى. كيف يرانى أكتب بنشاط تراكتر ماركة فيرجسون، ويظن فى كتابتى لمقال واحد كل اسبوع سبباً للتبشيع بشخصى الضعيف، ثم لا يرى صديقى فتحى الضو الذى يغطى كل الساحات، فيكتب ويتكلم معاً بنشاط طائرة ماركة أباتشى؟! أنا اكتب مادتى مساء السبت من كل اسبوع، ثم ادخل تحت البطانية وأنام. ولكن فتحى يكتب المقالات الطوال، ويزيد عليها فيؤلف الكتب الثقال، وقد وصل عدد صفحات احدى مؤلفاته الى اكثر من الف صفحة، ثم يدخل بعد ذلك فى بطون الطائرات ملبياً دعوات شيعته، من أنصار حلف الكهوف، فى مشارق الولايات المتحدة ومغاربها، يفطر فى سهول أريزونا، ويتغدى فى حدائق فلوريدا، ويتعشى فى عمائر واشنطن، فيلقى المحاضرات، ويتحدث فى الندوات، ويبتدر المؤتمرات، ويقود المبادرات المناهضة للانقاذ. وفى بعض الأحيان تفتح جهاز التلفزة فتراه فى احدى الشاشات يسلق العصبة المنقذة بلسانٍ كأنه مبرد الحديد. وكأن كل هذا لا يكفى فإذا به يصعد على أكتاف الاعلاميين والصحافيين السودانيين المتأمركين رئيساً لاتحاد الصحافيين فى الولايات المتحدة. فأين أنا من مثل هذا النشاط الهرقلى الشمسونى الجبار؟! ولو ان العصبة المنقذة كانت فى عزّ صولتها، كالتيس فى قراع الخطوب، ولم تكن قد لانت واستكانت، بعد ان أردتها عيون المها بين الرصافة والجسر،  لأرسلت من رجالها المغاوير النشامى من فعل بفتحى فعلة بنى عثمان بعبدالله اوجلان، فأعادته الى بلاده أسيراً مخفوراً، وأسكنته "كهفاً" بين مبنى سيتى بانك والمصرف العربى، ما كان ليبلغه الا بشق الانفس!

(4)

فى أول مسعىً قمت به بُعيد الحادثة فى سبيل العودة الى روتين حياتى اليومية، فيما يتعلق بمتابعة الشأن السودانى، بادرت بفتح ملفات ال "بى دى اف" الخاصة بصحيفة الاحداث، واخترت المقال الاسبوعى للقيادى الاسلاموى السابق الدكتور التجانى عبد القادر فى مساحته الراتبة بعدد السبت من الصحيفة، وقد جاء عنوانه: (القراءة فى عصر السرعة، كيف تكون؟) أردت من مطالعة تلك المادة ان تكون اختباراً لى لقياس سلامة قدراتى الاستيعابية. وسرعان ما وجدت نفسى اقف مليّا عند تصنيف الكاتب للقراء. كتب التجانى: (القراء ينقسمون الى ثلاثة اصناف، قارئ كالسائح يسوق السواد ولكن لا يفقه شيئاً، وقارئ يشبه رجل المباحث يفك الرموز، لا ليكتسب معرفة، ولكن لكى يوقع بالكاتب ويجره الى مخافر الشرطة. وقلنا ان هذين الصنفين ليس لهما من القراءة سوى الجوع والعطش. أما القارئ الثالث فهو الناقد المستبصر، الذى لا يكتفى بالقشرة الخارجية للنص، وانما يغوص فى مضمون النص، ولا يغادره حتى يستحضر الكاتب والبيئة التى كتب فيها، ويدخل معهما فى محاورة فكرية عميقة قد تنفتح بالنص على نصوص أُخر، وقد تتدرج به حتى تسلكه فى المنبع الأعلى "النموذج" الذى انطلق منه).

أول ما خطر بذهنى هو ان تصنيف الدكتور التجانى تصنيفٌ قاصر، وآية ذلك انه عجز عن اكتشاف ومعالجة الصنف الرابع من القراء، وهو القارئ المِعيان او القارئ السحّار، الذى يقرأ ليسحر الكاتب، كما حدث فى حالتى مع القارئ المحامى الذى سبقت اليه الاشارة، والذى خرج من كل كتاباتى بنتيجة واحدة مؤداها اننى اكتب بنشاط وهمة مثل التراكتر. فهو لم يقرأنى كسائح لا يفقه شيئاً، ولا كرجل مباحث يريد ان يجرنى الى مخفر الشرطة، ولم يغُص فى أى نص من نصوصى بغرض المحاورة العميقة. هو فقط أراد ان (يدّى) الكاتب، الذى هو أنا، (عين)، كما تفضلت وأبانت الاستاذة منى. وكان من نتيجة تلك "العين الرديّة" الاصابة البالغة التى تعرضت لها، والتى كادت تودى بذاكرتى وقدراتى العقلية، التى تعتبر "ثروة قومية" سودانية، و"ثروة قومية" أمريكية فى آنٍ معاًً. ولا أود ان أتوقف كثيرا عند هذا النوع من القراء، ولكننى اكتفى هنا بتنبيه صديقنا الاستاذ العبيد احمد مروح، الأمين العام للمجلس القومى للصحافة والمطبوعات، للمسارعة باتخاذ ما يلزم من خطوات لحماية بقية ثرواتنا القومية من الكتاب السودانيين، وتأمينهم ضد الشرور التى تحدق بهم من تلقاء الأشرار من القراء، أصحاب "العين الحارة".

(5)

كانت المادة الثانية التى قررت قراءتها وانا جالس امام الحاسوب، فى مسعاى لمواصلة تقويم سلامة قدراتى، اختباراً مزلزلاً كاد ان يطيح بى الى غيابات اليأس، اذ تشككت فى اننى لم أفقد فقط القدرة على الكتابة، بل ربما فقدت الى جانبها تماماً، ويا للهول، القدرة على الفهم والاستيعاب. رأيت فى الموقع وانا اتصفح المقالات المنشورة مقالاً عنوانه (ما هكذا تورد الابل يا تريزا)، بقلم شخص اسمه أمجد مصطفى، وامام اسمه كتب (المملكة المتحدة). فوجئت بأن المقال يتناولنى بعبارات غليظة مثل: (أوهام مصطفى البطل ومن هم على شاكلته)، و(العُملة التى يمثلها مصطفى البطل عُملة مزيفة وليست بذات قيمة)، ثم فى وصف تلك العُملة: (وهى عُملة ذات حضور وشعبية ولها عشاق كثر ومريدون، ولكنها آخر ما يحتاجه شعبنا..). ثم يخاطب السيدة تريزا: (تذكري يا تريزا أن مصطفي البطل وأمثاله لا يعبرون عني وعن الملايين من أمثالي)!

قمت بقراءة المقال مثنى وثلاث ورباع فعجزت تماماً، رغم اننى كدت اعتصر  ما تبقى من عقلى اعتصاراً، عن النفاذ الى جوهر القضية التى نهض الكاتب فى سبيلها. كما فشلت فى التوصل الى شخصية السيدة تريزا التى يخاطبها. وقد أدخلنى ذلك العجز المزرى عن تفسير هذه الالغاز واستجلاء طبيعة علاقتى المفترضة بالسيدة تريزا فى حالة نفسية يرثى لها، كدت ان أفقد معها ثقتى بنفسى وفى امكانية عودتى الى حالتى الاولى التى خلقنى الله عليها أول مرة قبل حادثة بيرنزفيل (على وزن حادثة اوتاوا). ولكننى برغم كل ذلك البؤس الذى لفنى بغلالته شعرت بشئ من الغبطة، اذ سرّنى ان تكون لى (عُملة) خاصة بى، حتى وان كانت مزيفة! ثم هدانى الله بعد ذلك الى ان أبعث برسالة خاصة الى الكاتب، مستفيداً من عنوانه الالكترونى الذى وضعه الى جانب اسمه، استفسره واطلب عونه علّنى اتمكن من فك رموز المقال وفهم علاقتى به، والتعرف على السيدة المحترمة المدعوة تريزا. وجاءنى رده على جناح السرعة باجاباتٍ حواسم. اعتذر الرجل اعتذارا شديداً، وذكر ان المقصود ليس مصطفى البطل وانما الطيب مصطفى، المشهور بصفة: "خال السيد رئيس الجمهورية"، الذى كانت السيدة تريزا قد تعرضت فيما يبدو لبعض كتاباته، فقام السيد/ أمجد مصطفى، بالرد عليها محاولاً ان يبين لها ان كتابات الاستاذ الطيب مصطفى، الموصوفة بالعنصرية، لا تمثل رأى كل الشماليين فى السودان. الذى حدث اذن هو ان اسم السيد الخال الرئاسى اختلط فى ذهن الكاتب مع اسمى، فكتب "مصطفى البطل" بدلا عن "الطيب مصطفى"، ثم تكرم مشكورا فبعث برسالة الى رئيس تحرير سودانايل، بصورة الى شخصى، يشرح الامر ويطلب تعديل المقال بشطب اسمى حيثما ورد بين سطوره، وإحلال اسم الخال الرئاسى محله. وبرغم غرابة القصة فى مجملها الا ان نتيجتها النهائية أدخلت بعض الطمأنينة الى قلبى، فالقضية فى نهاية المطاف لم تجاوز كونها التباساً غير مقصود، مما يعنى ان قدراتى على الفهم والاستيعاب لم يتم تدميرها كليا عقب حادثة بيرنزفيل!

(6)

لكن الذى أهمّنى، بل وحيرنى حقاً، وأنا اسعى للتعامل مع عقابيل حادثة الانزلاق الجليدى الذى تعرضت له، وما استتبعه من فقدان الذاكرة ثم استعادتها جزئياً، هو رواية قرأتها فى العمود الموسوم (لكن المفروض)، الذى يحرره بصحيفة "آخر لحظة" السكرتير الصحفى السابق لرئيس الجمهورية، الاستاذ محجوب فضل بدرى. كتب محجوب تحت عنوان "كل الذى فوق التراب تراب" يصف، وقائع مقابلة جرت بينه وبين الزعيم السياسى الذى أشرت له سابقاً، والذى تعرض لضربة على رأسه خارج السودان عام ١٩٩٢. فذكر أن مرافقه أثناء تلك المقابلة، المرحوم الدكتور عبد الرحيم السعيد بابكر التلب، طفق يسأل الزعيم السياسى عن حالته الصحية والذهنية عقب الضربة، وهل مازال حفظه للقرآن سليماً، فطمأنه على ذلك، ولكن الزعيم السياسى أضاف قائلاً: (أنا أكلى سلطة خضراء وشوربة ولحمة حمراء مشوية وزبادى وام رقيقة بالكسرة، ولكنها كلها طعمها ورائحتها بقت تجينى زى البيض المسلوق). ثم كتب محجوب: (فعلمت عندها ان ثمة خلل ما أصاب دماغ الزعيم، وقد قال بذلك بعض كبار الأطباء من المشفقين لا الشامتين)! مصدر الحيرة والقلق والخوف هو اننى اصبحت بعد حادثتى مباشرة أحس بنفس الأعراض التى بسطها السكرتير الصحفى الرئاسى السابق منسوبةً الى الزعيم السياسى الذى سبقنى الى تجربة الضربات الدماغية. فقد لاحظت بعد تسريحى من المستشفى وعودتى للمنزل أننى عندما أتناول الجنبرى أحس مذاق البسبوسة، وعندما اصيب شيئاً من شوربة العدس استشعر طعم مرقة الدجاج. وكنت قد مدحت لزوجتى، السيدة الفضلى ايمان، بعد ظهر أمس طبق المكرونة بالبشاميل الذى أعلفتنى إياه ضمن وجبة الغداء، فأبدت استغرابها وقالت: (مكرونة شنو يا راجل .. تقصد صينية السمك؟).

على أية حال لم ألتق بعد بأى من (كبار الأطباء) الذين ذكر الاستاذ محجوب فضل على لسانهم أنهم يتشككون – شفقةً لا شماتة - فى سلامة عقل الزعيم السياسى. ولكننى استباقاً لأى تشخيص مماثل لحالتى العقلية من قبل هؤلاء الأطباء الأفاضل، وتأسياً بعجز بيت امرئ القيس (وكلُّ غريبٍ للغريبِ نسيبُ)، قررت من جانبى إعلان انضمامى الى حزب المؤتمر الشعبى، تحت قيادة زعيمنا المفدى الشيخ حسن الترابى. وسأخوض بإذن الله الانتخابات النيابية المقبلة فى دائرة وادى حلفا الجغرافية ضمن قائمته، وذلك تحت الشعارالانتخابى الجديد لحزبنا وهو: (بيض مسلوق لكل مخلوق)!

 

نصوص خارج السياق

 

" ومن أسرار العائلة أنه في زمن خروج الأتراك ودخول الإنجليز، خرج عمي لجدي من بيته في القرية الفلانية - نحن، مثل الماسون، لا يمكن أن نفشي أسرارنا العائلية - وكان ينظر الى أسفل كعادتنا، فاصطدم رأسه بحجر في بيت خراب، وكانت جمجمته صلبة فتدحرج الحجر من مكانه فانكشفت أمامه هوة تغضنت في سفحها درجات هبط عليها، فإذا بظلام خفاش، فقدح زناده فاستضاء، فرأى لحوداً رخامية أخذ يفتحها، فإذا فيها جماجم وبقية عظام وغاليات ذهبية دسها في دكة سرواله، حتى فتح لحداً أكبر من الآخرين، فإذا به مع الجمجمة التي كانت كما قيل أصغر من بقية الجماجم، تمثال من الذهب الخالص للخان مانجو، اكبر إخوة هولاكو"

 

(إميل حبيبي، الوقائع الغريبة في إختفاء سعيد أبي النحس المتشائل)

عن صحيفة "الأحداث" ١٩ يناير ٢٠٠٩

مقالات سابقة:

http://sacdo.com/web/forum/forum_topics_author.asp?fid=1&sacdoname=%E3%D5%D8%DD%EC%20%DA%C8%CF%C7%E1%DA%D2%ED%D2%20%C7%E1%C8%D8%E1&sacdoid=mustafa.batal