غربا باتجاه الشرق
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

(1)
قبل فترة وتحت عنوان (خاطرات وذكريات في الدبلوماسية)، في ثنايا سلسلة تناولت فيها بالعرض مذكرات السفير المخضرم أحمد محمد دياب، وجدت نفسي سادراً خارج المادة موضوع السلسلة، أخوض في ذكرياتي أنا مع صديق العمر ورفيق السنوات الخضراء عادل احمد خالد شرفي. والإبحار خارج النص مما هو مألوف في أوراقي المنشورة وغير المنشورة.
كتبت يومها: (إبتعادى عن صنعة الدبلوماسية والسفارة، لأصدقك القول، لم يكن زهدا فيها وإشاحة بوجهى عن وجهها، فمن الحق أننى وصديقى ورفيق درب الشباب الباكر، عادل أحمد خالد شرفى، كنا قد عقدنا العزم، ونحن بعد على مدارج الطلب بجامعة محمد الخامس بالمغرب، على أن نلتحق بوزارة الخارجية فور إكمالنا لدراستنا بقسم العلوم السياسية، وأن نتبوأ مكانا عليّا يليق بنا فى سلكها الدبلوماسى. وسلخنا سنواتنا فى حمى الملك الحسن الثانى، قدس الله سرّه، نغوص غوصاً فى أحشاء كتب السياسة والقانون والعلاقات الدولية، نعدُّ المشرفية والعوالى، ونهيئ لمقبلات الأيام زادها وعتادها، وقد خلنا أن الله بعد أن هيأ الإنسان لخلافته على الأرض، هيأنا – عادل وأنا - لخلافته على وزارة الخارجية)!
بقية ذلك الفصل هو انني اتجهت الى طريق آخر، ولكن عادل كان وفياً لرغبته الأصيلة فجلس لامتحان وزارة الخارجية المعهود في زمانه ومكانه، ضمن مئات ممّن إستوفوا المؤهلات المقررة، وكان ترتيبه الأول بإطلاق. وانتظم بعد ذلك فى سلك العمل الخارجي فخدم بلاده بعزم وجدارة فى عديد من بلدان العالم شرقا وغربا، وارتقى مراقى الدبلوماسية صُعُدا فبلغ درجة الوزير المفوض. ولكن السفارة تأبّت على عادل، أو لعله تأبّى عليها، وكان هناك من يتربص، فتركته الوزارة وتركها، وهجرته المهنة، التى تجرى منه مجرى الدم، وهجرها.
(2)
كان الصباح مُرّا في فمي كالعلقم، وبدت لي الدنيا بأسرها قفراً جديبا وأنا اطالع الرسالة الحميمة الكليمة من صديقنا المشترك، وزميل كفاح الزمان المورق في جامعة محمد الخامس، السفير أسامة نقد الله، وهو يعزيني بعد ان انهى اليّ نبأ وفاة عادل. سألت فجاءتني الإجابة: نوبة قلبية داهمته وهو في داره بحي الصافية.
ذات الدار التي طالما اختلفنا اليها ونحن أيفاع في صدر العشرينات وضمتنا بين جدرانها الدافئة، وعشنا بين قومها الأفذاذ من آل شرفي زمنا رغدا. والدة عادل الحاجة عواطف تعد المطايب فنأكل، ثم يأتينا الشاي، ونقضي الساعات في الحديث المدرار والضحكات المنغّمة. لم تكن الحاجة عواطف تأبه للتعب وتراه خيرا إذ تفضله على السيناريو الاخر وهو ان يأتي عادل فيأخذني، او آتي أنا فآخذه ثم اعيده الى المنزل في (أنصاص الليالي) كما كانت تقول محتجة. حتى هداه الله فأصبح دبلوماسيا، وتزوج بمحبوبته وفاء، وسلك في درب (المسئولية)!
(3)
زرت عادل في مارس الماضي أثناء وجودي بالخرطوم. بدا لي في حالٍ حسن. ممتلئاً بالحيوية ومتدفقا بالحماسة، كما هي سجيته. وبخلاف غيره من كثيري الشكاية والضجر، بسبب وبغير سبب، كانت نظرته للحياة ايجابية، يستشرف الخير دوماً ويستبشر به رغم ابتلاءات المرض المزمن الذي كان قد اصابه ونال منه منالا.
كان عادل واحدا من ذلك الصنف النادر من عباد الله الذين تضوع الفضائل من بين جنبيهم. جمع في عجين شخصيته الفريدة بين الانسانية، التي هي مدار كل شئ، والجدارة، وحب الوطن، وظل حاضر السودان ومستقبله هاجسه الاول. كانت القضية الوطنية دوما في صدر همومه. شواغله: أين وصلنا وأين نقف وما هو مستقبل ابنائنا؟ وكواحد من أبناء طائفة الأنصار جهد مقدار وسعه لتقديم ما عنده من معارف متدفقة وفكر وثّاب من خلال مؤسسات ومنابر حزب اسرته العريق، حزب الأمة. ورغم انني لم أنتم الى حزبه، ولا الى اي حزب آخر، إلا ان محبة الحبيب الإمام الصادق المهدي، التي قذفها الله في قلبينا، والوفاء له، ظلت عروةً وثقى تجمع بيننا على مدار السنوات وتوالي الحقب (عن سالم بن الجعد: العروة الوثقى هي الحب في الله والبغض في الله).

(4)
اللهم أغفر لأخي وصديقي عادل وقد شهد بأنك الإله الحق وأن محمدا عبدك ورسولك. وقد عاش في هذه الدنيا ما أحييته وفي قلبه خشيتك، فأره اللهم مقعده من جنان الفردوس واجعلها داره ومستقره بحق قولك (ولمن خاف مقام ربه جنتان).
الموت سبيل الأولين والآخرين، وكلنا على ذات الدرب. نسألك جل ثناؤك وتقدست اسماؤك أن ترحمنا جميعا إذا صرنا الى ما صار اليه فتوسدنا التراب. اللهم توفنا على الايمان واحفظنا فيما بقى من الزمان، واشرح صدورنا، وأزرع الطمأنينة في قلوبنا إذا تأهبنا للقائك وأقبلنا اليك.