غربا باتجاه الشرق

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

(لو رآني نُقادي أسير فوق مياه التايمز لقالوا أنني أفعل ذلك لأنني لا أجيد السباحة)

مارغريت ثاتشر

*********


(1)
لا أخفيك، أعزك الله، أنني شعرت بشئ من الضيق والقلق عندما طالعت صباح أمس الأول الجزء الثاني من مقال الاستاذ فيصل بابكر فيصل بعنوان (خزعبلات الكارب والبطل)، إذ كان أملى مورقاً ان يظل هذا الحبيب يرفل في حُلل الثقة التي بذلناه إياها، وعلى مقدار الرجاء الذي عقدناه أن يظل صامدا على المحجة البيضاء، فيجالد أهواء النفس، ويغالب اغراء الانتصار للذات.
والمحجة في اللغة هي الوسط من جادة الطريق. والمحجة البيضاء في المصطلح هي الصراط المستقيم (صراط الذين انعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين). وفي مختار الصحاح (الجزء الاول/167): محجة الطريق هي المقصد والمسلك، وفي حديث الدجال: (يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه، أى مُحاجُّه ومُغالبُه بإظهار الحجة عليه).
وأنا أنزّه صديقي بابكر تنزيها عن ان يكون دجالا وأن يكون الرسول عليه افضل الصلاة وأتم التسليم خصيمه وحجيجه. بل هو عندي من الأخيار المحسنين لو أنه طاوعني فأذعن لنصحٍ أهديه اياه من سويداء الفؤاد، أن يطرح عن رأسه ذلك الرداء الضيّق الذي يكتم انفاسه. رداء الحزبية الخانقة والموالاة الخارقة، التي تغل الانسان غلا، وتحبس عنه ضوء الشمس، فتحول بينه وبين صفاء الرؤية، ثم تنزلق به الى وهاد التمادي والعناد، وتورده موارد السجال السفسطي، حيث الجدال لغرض الجدال. وهو المورد الذي قال في شأنه الامام الأوزاعي: (إن الله إذا اراد بقوم شراً منحهم الجدل ومنعهم العمل).
(2)
غمرتني حالة من الحزن والحيرة وانا أقرأ كلمات الصديق بابكر التي زعم فيها، دون ان يطرف له جفن، أن البطل لم يجد ما يدافع به عن إدعاء الدكتور التجاني الكارب (سوى أنه من أهل الشرف والمحتد). والذين قرأوا مقالي يعرفون انني كتبت في مسوغات جودة شهادة الدكتور الكارب نحواً من الف وأربعمائة وسبعين كلمة، من أصل مقال احتج على طوله مسئول التصميم في صحيفة (السوداني) الاستاذ مجدي الخليفة، حيث بلغ عدد كلماته نحواً من ثلاثة الف كلمة. فما هذا الذي يقول صاحبي: أهذر هو أم هتر؟!
وما كان ينبغي في مورد التعقيب ان يكتب الحبيب بابكر عبارات اطلاقية هوجاء من شاكلة: (هذا المنهج العبثي في تناول التاريخ وتزوير احداثه .. الخ). يا ساتر! أين هو العبث وأين هو التزوير في نقل وتحرير شهادة شاهد من كرام السوادنة، والطلب الى المتخصصين تتبعها ومدارستها وتحري مغازيها؟ ثم ما هي تلك البدعة التي خرج بها صاحبي حين وصف أقوال المحامي الكبير التجاني الكارب، في معرض تسفيهها وتتفيهها، بأنها مجرد شهادة (سماعية)؟ ألم يعلم هذا الحبيب ان التاريخ الشفاهي كله سماعي؟ بل ان التاريخ المكتوب بأسره هو تاريخ سماعي في الاساس، لأنه يُسمع فيكتب. وكل شهادة هي في الاصل سماعية، تسمع سماعاً، ولهذا انعم علينا المولى عز وجل بنعمة الأذنين. فهل كان الحبيب فيصل سيقبلها ان كان المحامي الكبير قد كتبها في وريقة؟ أم لعله كان سيقول عنها انها مجرد شهادة (كتابية)!
لم أكن أنا من استنطق الاستاذ سيد هارون، بل انه ادلى بحديثه، كما اوضحت في الجزء الاول من هذا المقال، ضمن برنامج تلفازي شهير للاعلامية اللامعة عفراء فتح الرحمن. بيد انني كنت الناقل والناشر لشهادة الدكتور التجاني الكارب. فلما فرغت من النقل والنشر لم أزعم لنفسي حق كتابة السطر الأخير في دفتر سيرة الراحل الشريف حسين الهندي، ولم أقل: "جفت الاقلام وطويت الصحف". وإنما عرضت بضاعتي في سوق التنقيب والمدارسة. ثم استدرت الى أحبابي في مهنة الصحافة، من حملة اقلام التحقيق، فخاطبتهم بالعبارة التالية: (آدي الجمل وآدي الجمال). أعنى: هذا هو الدكتور التجاني الكارب، ودونكم شهادته التي افضى بها الى شخصي. ثم أضفت: (وفي وسع المهتمين بتوثيق التاريخ وغيرهم ملء المساحات الفارغة والتوسّع في تحصيل المعلومات(. ويستتبع ذلك بالضرورة إعمال الأدوات المهنية والمنهجية المعلومة في التحليل وإدراك النتائج. وذاك مقالي مسطور ومتداول وكلماتي في متنها جهيرة تحدث عن نفسها.
ومن يصنع مثل صنيعي أحرى بأن يُقال له: شكرا بارك الله فيك، ثم ينصرف الراغبون في التقاط الخيوط ونظمها من المهتمين وأهل الدراية الى شجرة الاصول العلمية في تحقيق التاريخ. ونحن نعلم بأن السوادنة لا يملكون في يومهم هذا تاريخا مدونا او شفاهيا لحياة الشريف حسين الهندي بخلاف ذلك المديح، الذي يشبه عبادة الفرد، مما كتبه وحرره عنه انصاره واتباعه حواريوه. وهكذا وجدنا انفسنا امام هذه الاشكالية النكراء التي تطرح نفسها ألا وهي: ماذا نفعل مع حالة الانكار والغضب والعدوان الذي يقع على كل من تسول له نفسه ان يتجرأ على نقل شهادة او تحرير سطر واحد يختلف عن ما اورده هؤلاء الحواريون عن مثلهم الاعلى الذي افتتنوا به؟!
(3)
واصدقك القول، ايها القارئ الكريم، أنني وقفت مذهولاً ايضا امام عدد من الاسئلة والنقاط تحداني بها هذا الحبيب وزعم انها تزلزل شهادة شهودي وتكشف كم هي (واهية ومليئة بالثقوب ولا تصمد امام النظرة العقلانية). ولكنني قرأت وتوغلت في القراءة فلم أحس بالزلزال، ولم استشعر الاهتزاز، لا بمقياس ريختر الامريكي ولا بمقياس غاليتسين الروسي. بل انني عندما نظرت في الاسئلة والنقاط لم أجد فيها إلا تماديا في بحر العناد وتماهياً في سماء اللجاج. فهاكها، يا هداك الله، وهاك ردودنا عليها. وأسأل الله لك الصبر على المطالعة، وما صبرك إلا بالله.
يسأل مناظري: (كيف تأتى لبابكر كرار الذى ليست له علاقة عضوية بالإتحاديين مقابلة الشريف حسين فى الثلاثة أيام الأولى لانقلاب مايو سيما وأنَّ البلد كلها كانت تبحث عنه وعسس النظام يقلبون طوب الارض بحثا عنه.. ونواصل في السؤال : ألم يكن بمقدور الأجهزة الأمنية رصد تحركات بابكر كرار بسهولة ويُسر؟)
سبحان الله. ألم يكن الراحل الشريف حسين نفسه من كتب في مذكراته كيف كان يستقل سيارته، يوم الانقلاب وما بعده، ويتجول بين المواقع في العاصمة، وكيف سافر منها عيانا بيانا الى الاقليم الاوسط وتجول بين ارجائه، ثم الى الجزيرة أبا؟
ثم أنه ليس صحيحا ان (البلد كلها كانت تبحث عنه). الذي يفترض انه كان يبحث عنه هو (الاجهزة الامنية) وقد ورد ذكرها في السؤال الذي حسبه الحبيب بابكر مزلزلا. ولكن صيغة السؤال تكشف ان صاحبي يجهل ان مايو لم يكن لديها اصلاً (أجهزة امنية) ولا (عسس نظام) في الأيام الثلاث الاولى للانقلاب. كانت القوات النظامية، شأنها شأن الخدمة المدنية، وقتذاك تتعرض لحركة فصل وتشريد عارمة، وبصفة اخص جهاز الشرطة والقوات المسلحة. وبطبيعة الحال لم يكن هناك بعد جهاز للامن القومي والمخابرات، فقد انشئ ذلك الجهاز في العام 1970 بعد عام كامل من الانقلاب. كل الذي فعلته سلطة الانقلاب هو انها قامت بتسليم قائمة معدة سلفاً بأسماء عدد من الشخصيات البارزة في النظام السابق لأحد ضباط القوات المسلحة الذي ارسل جنودا من سلاح المظلات للتحري عن منازلهم واحتجازهم، فنجح الجنود في التعرف على أماكن سكن بعضهم، واخفقوا في حالات اخرى.
وليس صحيحا ان اذاعة امدرمان كانت تذيع اسم الشريف حسين الهندي غداة الانقلاب وتطلب القبض عليه، كما سارت الكتابات والروايات المصنوعة. تلك من خزعبلات السوادنة. وانما هتف بعض مؤيدي الانقلاب في موكب اتحاد نقابات عمال السودان الشهير، الذي قاده الراحل الشفيع احمد الشيخ، في الثاني من يونيو 1969 في مناسبة مرور اسبوع على الانقلاب، وبعد تردد معلومات بأن الوزير السابق هرب الى اثيوبيا: بهتاف: "اين انت يا شريف .. هارب هارب يا ضعيف". وتبقى الحقيقة النجلاء وهي ان سلطة الانقلاب لم تهتم بمطاردة شخص بعينه في ايامها الاولى ما عدا اللواء حمد النيل ضيف الله، نائب القائد العام للقوات المسلحة، الذي كانت اذاعة امدرمان تذيع بيانات متكررة من القيادة العامة تطلب من المواطنين المساعدة على القاء القبض عليه.

وانما كانت (الاجهزة الأمنية)، التي يقول صاحبي انها طاردت الشريف، يومذاك مجرد كيان هلامي تحت التأسيس شرع في انشائه المرحوم الرائد فاروق عثمان حمد الله الذي تولى لتوه وزارة الداخلية. وكانت نواته مجموعة من اعضاء الحزب الشيوعي الذين انحازوا للانقلاب تحت إمره السكرتير التنظيمي ومسئول الامن في الحزب المرحوم معاوية ابراهيم سورج، وقد استغرق انشاء جهاز جديد للامن العام عدة اشهر بعد ذلك التاريخ.
أما قادة الانقلاب، فقد كانت مطاردة الشريف حسين آخر جَند في لائحة اجندتهم، كما ذكرنا، ولم يكن للانقلابيين من هَمٍّ او غاية في اليوم الاول واليوم الثاني الذي التقى فيه الشريف حسين بالاستاذ بابكر كرار سوى تأمين الوحدات العسكرية وضمان تأييدها، وعزل المشكوك فيهم من ضباطها، تحسبا واحتراسا وتعضيدا لجاهزية التصدي لأي عمل مضاد يردع انقلابهم ويئده في مهده وهو ابن يومين وليلة. ترى هل سمع حبيبنا بابكر فيصل، أو قرأ ضمن قراءاته المتعددة، بانقلاب يستولى فيه الضباط على السلطة ثم ينصرفون في ساعاتهم وأيامهم الاولى، وقبل ان يستتب لهم الحكم، الى مطاردة وزير مالية الحكومة السابقة؟!
(4)

ولا معني للقول بأن شهادة الدكتور الكارب مردودة بسبب من أن لقاء المرحوم بابكر كرار بالشريف حسين في ذلك الوقت مما يستهجنه العقل، لأنه لم تكن له (علاقة عضوية) بالحزب الاتحادي الديمقراطي، كما يزعم مُناظري. يا ألطاف الله! من الذي قال اصلا بأن الشريف كان يشترط في معارفه واصدقائه ان تكون لهم (علاقة عضوية) بحزبه؟ وأنا لا أجد في هذه الدعوى ما (يزلزل) ، بل أرى فيها العجب العجاب بعينه. المنطق يقول ان الشريف حسين كان يبحث عن حلقة وصل مع قائد الانقلاب جعفر النميري، ولما كان يعلم عن صلة بابكر كرار بجعفر نميري ذهب اليه ليبعث بالرسالة عن طريقه. وليس صحيحا بالطبع ما يزعمه صاحبنا من ان بابكر كرار كان يبحث عن الشريف. العكس تماما هو الصحيح، فالشريف هو الذي كان يبحث عن بابكر كرار، حتى كان اللقاء في منزل الدكتور زكي مصطفى بحي المطار بالخرطوم!
(5)
ويعود الاستاذ بابكر فيصل مرة اخرى ليكرر (لا ادري لماذا؟) سؤاله القديم لنا ثم للدكتور التجاني الكارب عن (البينات والأدلة) التي تثبت شهادته، وكأننا لم نتطرق لتلك النقطة بالتفصيل في الجزء الاول من هذه السلسة. ولكنه يدهمنا هذه المرة بما يجعلنا نتشكك في كفاءته وملاءته ككاتب صحافي وزين، نحسبه على درجة من الوعي والمعرفة. إذ يورد لنا الحديث النبوي الشريف (البينة على من ادعى واليمين على من أنكر) على ظن من الوهم ان في ذلك الحديث ما يعضد حجته تعضيدا مزلزلاً. والحديث لا يعضد بطبيعة الحال، ولكنه في هذا المقام يشي عن حقيقة واحدة وهي ان الاستاذ بابكر فيصل لا يفرق بين الشهادة في القانون والشهادة في التاريخ.

في القانون على المدعي اثبات دعواه أمام القاضي عملا بالحديث النبوي المذكور في حالة الادعاء بوجود حق له على خصمه. أما اذا كان ادعائه يقوم على نفي حق يدعيه خصمه فيجب عليه تقديم الدليل على ما يثبت النفي، فإن طلب المدعِي يمين المدعَى عليه فله ذلك. وهو ما عليه اجماع الفقهاء في أمر حديث البينة واليمين. أما في الشهادات التاريخية فلا يُطلب من الشاهد ان يقدم دليلا للاثبات ولا دليلا للنفي ولا ان يُقسم على يمين. وانما ينهض الى الاثبات والنفي المتخصصون من الباحثين والمؤرخين. وفي الحالة التي بين ايدينا فإن الدكتور التجاني الكارب لا يقاضي خصما، ولا يطلب شيئا لنفسه من ذلك الخصم، كما انه لا ينفي ادعاءً وقع عليه من خصم، فهو في المبتدأ والاساس ليس خصيما لأحد، حتي يكون مطالبا بابراز الدليل على دعوى او أداء القسم على المصحف الشريف، كما يطالبه حبيبنا بابكر الذي يخلط خلطا شنيعاً بين صناعة التاريخ وخصومات المتخاصمين أمام المحاكم.
(6)
وكأن الحبيب بابكر، يلح على تعكير صفائي، فلا يكف عن تذكيري بقلة بضاعته من علم التاريخ ومناهجه، فأتاني بتعليق لي في مقال قديم على شهادة الاستاذ سيد هارون، وعايرني بأنني ضعّفت الرجل وشهادته عندما ادلى بها في المرة الاولى عام 2014، ثم قويتها واستندت اليها في عام 2016. وقد صدق الرجل، فقد استمعت الى شهادة الاستاذ سيد هارون وضعّفتها لأول وقتها، وأوردت بعض الحيثيات في مورد تضعيف شهادته. ولم تتبيّن لي جودة افادات الاستاذ سيد هارون وسلامتها الا بعد ان وقعت عليها شهادة الدكتور التجاني الكارب وقع الحافر على الحافر فأطلقتها من عقالها، وأضاءتها بنور التواتر والتحقيق، ومنحتها وهجها. والتاريخ في الاصل يُكتب بالمدافعة، فتُضعّف مصادره الشفهية وتقوّى بالتواتر والتواثق، وتدوّن صفحاته بالتلاحق والتماسك. والتطابق في الروايات الشفاهية يخوّلها حق القبول، كما أن التباين فيها يؤخذ في علم التاريخ على أنه تعبير عن الاختلاف في تفسير الاحداث وتضارب المصالح والصراعات الطبقية والقبلية والقومية.
(7)
ثم أنه قد هالني أن مناظري، برغم انني انتخبت وقدمت في مقالي الاسبوع الماضي نصوصا صريحة وواضحة من شهادة الوزير، القيادي في الحزب الاتحادي الديمقراطي، الاستاذ سيد هارون، وعيّنت مصدرها من أشرطة زودتني بها قناة (الشروق)، وحدّدت المدي الزمني لكل نص من النصوص بحساب الدقيقة والثانية، فإنه ترك كل هذه الافادات الصريحة والنصوص الموثقة وراء ظهره، ثم استورد سطرين من مقال سابق لي اشرت فيهما عرضا الى شهادة الاستاذ سيد هارون، ثم اخذ يجادل ويعاظل، ويقوم ويقع، زاعماً ان ما ورد في ذينك السطرين يفتقر الى دقة النقل.

ولم يكن السطران في حقيقة الامر سوى تلخيص موجز استدعيته من الذاكرة لما سمعت من شهادة سيد هارن قبل عامين كاملين من كتابة المقال. ومعلوم بداهة ان الجديد يجُبُّ القديم، وأن قيمة الملخصات والموجزات تنعدم تماما، بعد ايراد النصوص المحكمة والموثقة من مظانها، وهو ما فعلناه في مقالنا السابق بعد أن دب الخلاف حول ما قاله الاستاذ سيد هارون ما لم يقله.

وقد آذاني، وأقلقني غاية القلق، أن الاستاذ بابكر تورط في مسلك مريب معيب، خشيت ان اقول انه داهنه خبث ظاهر، أسفت له أسفا شديدا، إذ عمد الى الايحاء لقارئه من طرف خفي، خلافا للحقيقة، بأن السطرين الذين انتزعهما من مقالي القديم ووضعها بين قوسين، ثم جادل حول دقتها ونسبتها، إنما هما جزء من النصوص المحكمة التي استوردتها من اشرطة قناة الشروق المتضمنة لافادات الاستاذ سيد هارون ثم نشرتها في مقال لاحق. ويتجلي ذلك في قوله: (عندما عدتُ للإستماع لإفادة الأستاذ سيد هارون وجدتُ أنَّ الرجل لم يذكر ...). وما كنت اود لهذا الحبيب ان يتورط في مثل هذا التخليط فيوحي للناس انه راجع النصوص في مظانها ووجد انني زورت وحورت في احداها ثم نسبتها الي الشاهد. وأحسب ان صاحبي يعلم علما نافيا للجهالة، كونه كاتبا محترفا، عقابيل التلبيس والتدليس في مناظرات مفتوحة كهذه.
(8)
خصص الاستاذ بابكر فيصل جانباً مقدرا من مقاله لسيرة الامام السيد الصادق المهدي، وأبرز بعض النصوص من احاديث ادلى بها الإمام في مواقع ومناسبات مختلفة تشير الى انه التقى وتفاوض مع بعض قادة انقلاب مايو، ومن ضمنهم قائد الانقلاب نفسه. ثم تحداني داعيا إياي لأن اتجرّأ واكتب عن الامام الصادق المهدي مثلما كتبت عن المغفور له الشريف حسين الهندي. ولن افعل بطبيعة الحال. فأين وجه الشبه بين الحالين؟!

في علم الكافة ان الامام الصادق المهدي التقى وتفاوض مع الانقلابيين في مايو 1969 اكثر من مرة. والمادة المتوفرة عن أمر هذه اللقاءات، وهي مادة غزيرة، مصدرها الإمام اسماً وذاتاً وعينا، لا غيره، فهو الذي كتب، وهو الذي أفاض وتوسّع، وهو الذي وثّق. وهو الذي ابرز النتائج والحيثيات ودقائق التفصيلات حول تلك اللقاءات، التي جرت منها قبل اعتقاله، وتلك التي تمت بينه وبين قادة الانقلاب وهو يراوح بين المعتقلات، حيث كان بعض اعضاء مجلس قيادة الثورة يغشونه في اماكن اعتقاله مثل الرائد مامون عوض ابوزيد رئيس جهاز الامن القومي والرائد فاروق عثمان حمد الله وزير الداخلية. والامام وحده لا غيره هو الذي تولى نشر كل المعلومات حول ما دار في هذه اللقاءات بنفسه، في زمان كان فيه جعفر النميري والاطراف الاخرى من ممثلي النظام على قيد الحياة، يدبون على وجه الارض.

الفارق الوحيد هنا بين حالة المغفور له الشريف حسين الهندي والامام الصادق المهدي هو ان الاخير لم يعرض على جعفر النميري تأييده ومباركته لانقلابه، ولم يطلب عزل رئيس الوزراء بابكر عوض الله كمقدمة لبذل ذلك التأييد. كما انه بالقطع لم يقل عن التجربة الديمقراطية وما تلاها من انقلاب عسكري: (ان مشكلات البلاد لم تكن لتحلها غيرالدبابة والبندقية). ولم تجر على لسانه عبارات من شاكلة: (اذا نحن فشلنا فلماذا لا نعط العسكريين فرصة).
(9)
كتب الحبيب بابكر فيصل: (أمَّا حديث الأستاذ سيد هارون عن تغيير الشريف حسين لرأيه في الإنقلاب بعد سماع صوت بابكر عوض الله ففيه نظر، إذ يبدو جلياً أنَّ الأستاذ سيد لم يُعبِّر بدقة عما ذكره الشريف حسين). لا بأس، فلنترك الاستاذ سيد هارون إذن جانبا. ولنترك جانبا ايضا الدكتور التجاني الكارب الذي أكدت شهادته عبارة الاستاذ سيد هارون، ثم أضاف اليها من البيانات ما يحسّنها ويعضدها. ولنمض نحن قدما فنبحث عن الكيفية التي عبر بها الشريف حسين عن ذاته في مظانها. وهل يا ترى سيجادلنا احد اذا نقلنا الافادات من كتاب مذكرات الشريف حسين الهندي التي كتبها الرجل بسن قلمه؟! لا أظن.

إذن ما هو القول في النص التالي الذي ورد في مذكرات الشريف حسين الهندي المنشورة، وأعاد نشره الاستاذ بابكر فيصل بابكر نفسه في مقاله نقلا عن تلك المذكرات؟ وفي هذا النص يقول الشريف بعد ان نعى الاوضاع قبل انقلاب الخامس والعشرين من مايو 1969، وتساءل عن الداعي لاستمرار مثل تلك الاوضاع البئيسة: (إلى متى سيستمر ذلك؟ وماذا لو جاء إلى السلطة ، قطاع من الجيش نظيف ووطني ومتجانس؟ ألن يكون ذلك قادرا على أداء التغيير وإحداثه؟) انتهى النص.

بحسب الاستاذ بابكر فيصل فإن تسفيل الشريف حسين للاوضاع التي كانت سائدة قبل الانقلاب وزرايته بحكم الديمقراطية الثانية التي كان هو من ابرز سدنتها وفاعليها، وقوله المتسائل بأن قطاعا نظيفا ووطنيا من الجيش ربما كان قادرا على احداث التغيير المطلوب، جاء (في حالة يأس اعتراه). وأن تلك حالة (تعتري كل انسان بشر في لحظات اليأس). ثم يضيف بابكر فيصل بصورة مباغتة: (نحن هنا بإزاء حالة عليا من الشفافية والصدق مع النفس). والتناقض والارتباك هنا ظاهر ينطق بلسان، فالذي نعلمه نحن، ويعلمه المختصون في علم النفس، هو إن الشفافية والصدق مع النفس لا توردان الانسان موارد اليأس، بل انهما تنزلانه منازل الأمل!

ويصح السؤال هنا: من الذي قال ان الشريف حسين لم يسع للتفاوض مع جعفر نميري في ذات حالة اليأس تلك (او لعلها الأمل، حالة كونه "شفافا وصادقا مع نفسه" من حيث أقر بخبال تجربة الديمقراطية الثانية وحاجة البلاد الى التغيير)؟

في ظني انه وفي ظل التطابق الكامل، وقع الحافر على الحافر، بين شهادتي الاستاذين هارون والكارب وهما يؤكدان ان الشريف عرض تأييده مقابل ابعاد شخصيات معينة من قيادة النظام. ثم الاضافات النوعية التفصيلية الاخرى التي وردت على لسان الدكتور التجاني الكارب، فإن هناك مسوغا كافيا امام الباحثين للشروع في المزيد من التقصى والبحث بغرض تقويم الوقائع والحادثات ومضاهاتها، إعمالا لمناهج تدوين التاريخ الشفاهي، بغية تسكين الحقائق في مساكنها وصياغتها صياغة صحيحة، تتحرى روح العلم وتنأى عن التهريج و(الكوار) والتعصب السياسي. وذلك هو كل ما دعوت اليه وخرجت من اجله.

أسال الله لي - ولمناظري الحبيب الاستاذ بابكر فيصل بابكر أن - يهدينا سواء السبيل، وأن يثبت خطانا على طريق الحق المبين. وان يكفينا شرور انفسنا وسيئات اعمالنا.

وما زال ليلنا مع سيرة الشريف حسين طفلا يحبو.
(نواصل)