غربا باتجاه الشرق

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

(يحملُ هذا العلم من كل خلفٍ عُدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المُبطلين وتأويل الجاهلين)

حديث شريف

*******


(1)
الفضل من بعد الله لحبيبنا الاستاذ بابكر فيصل بابكر، الكاتب الصحافي المتميز، ونوارة مثقفي الحزب الاتحادي الديمقراطي، كوننا عدنا مجددا الى سيرة الحبيب الأكبر المغفور له بإذن الله الشريف حسين الهندي، طيب الله ثراه، لنناقش بعضاً من جوانب تاريخه السياسي في أعقاب الإفادات التي جرت على لسان الشخصية الوطنية البارزة الدكتور التجاني الكارب حول بعض مواقف وأنشطة الراحل الكبير خلال الأيام الاولى التي أعقبت انقلاب الخامس والعشرين من مايو 1969 والتي كان المحامي الكبير شاهدا عليها، إبصاراً واستماعا ومعايشةً مباشرة ولصيقة. وتلك التي وردت على لسان تلميذ الشريف حسين الهندي ورفيقه خلال سني المعارضة، القيادي في الحزب الاتحادي الديمقراطي، والوزير في الحكومة الراهنة، ممثلا للحزب، الاستاذ سيد هارون.
وكان الاستاذ فيصل بابكر قد جابهنا، ولعله دهمنا دهماً، في مورد التعقيب على مقالنا الذي نقلنا فيه شهادة الدكتور التجاني الكارب، بمقال ذي حلقتين، بعنوان (خزعبلات الكارب والبطل). دفع به بعد النشر في الصحيفة الى عوالم الأسافير ووسائط التواصل الاجتماعي فأوقد في أستارها نيران الثورة التي حمل لواءها بعض محازبيه.
رأيت الهرج والمرج، والشهيق والزعيق، في وسائط التواصل الاجتماعي، وقد نهض اليه وتولى كبره من حملة الرايات أقوامٌ يزعمون الغيرة على الإرث الوطني والحرث الديمقراطي للراحل الكبير الشريف حسين. وثاب اليهم، هارجين مارجين، أقوامٌ آخرون لا هُم في عير الحزب الاتحادي الديمقراطي ولا في بعير الشريف حسين، لا يأبهون له ولا يقيمون له وزنا، بل ربما راودتهم نفوسهم انهم أعلى منه كعبا وأرفع منزلة، مثل حبيبنا الاستاذ ابراهيم الشيخ، مموّل حزب المؤتمر السوداني المعارض ورئيسه الفعلي (على النظام الروسي "مديفيف- بوتين")، الذي وجدته وقد تورط حتى اذنيه في هترٍ هاتر، يزعم للناس أنني خرجت لأنال من سيرة الشريف حسين خدمةً لأجندة نظام الانقاذ. وتلك مقولة تزري بصاحبها أبلغ زراية، ولا تليق بمن طلب الزعامة وتوسل اليها الوسائل، وتكلف في دروبها التكاليف.
ولماذا تنال الانقاذ من صورة الهندي، يا ابراهيم يا حبيبنا، يا مناضل آخر الزمان الذي كاد صبره يفرغ تحرّقا بانتظار اليوم المرتجى الذي تحمله فيه الجماهير على اكتافها الى القصر الجمهوري؟! لماذا تنال الانقاذ من صورة الشريف الهندي وجلّ آله واخوته وتلاميذه واتباعه ومناصريه، ان لم يكن كلهم، يحتشدون في صفها احتشادا. وقد وقفوا من خلفها وقفة رجل واحد، وما برحوا يسندون ظهرها ويرفعون ذكرها منذ العام 1997 عندما هجر المغفور له الشريف زين العابدين وريث الشريف حسين معسكر المعارضة، بعد ان سفهها تسفيها وقبّحها تقبيحا، ثم التحق وصحبه بركب العصبة المنقذة لا يلوون على شئ. وتلاميذ الشريف حسين في يوم الناس هذا هم سدنة النظام الحالي وكهنة معبده، يرتعون في مراتعه وينتصبون في مناصبه. أما علمت؟! فما هذا الهراء اذن الذي خرجت تقوله للناس يا فارس السيخ والاسمنت؟ سبحان الله. من الذي علمك السياسة وأقنعك بأنك تصلح للرئاسة؟!
والله فوق سماواته السبع يعلم انك لم تكن على شئ من الحرص على نقاء صفحة الشريف وانصافه، وإنما استهوتك مواكب الترهيب والبلطجة والابتزاز، وراقك وسرّ بالك تنكيل الاتحاديين وانصار الشريف باسم (البطل) في عرصات الوسائط، فخرجت واصحابك تبتغون التمثيل بجثته لأغراض في خويصات قلوبكم تعلمونها ونعلمها. فأين انت وقومك المهاترين من موعود الله ووعيده (فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون).

(2)
أدهشني العنوان الخزعبلي الذي اتخذه الاستاذ بابكر فيصل لمقاله المطول (خزعبلات الكارب والبطل)، إذ يعلم القارئ الكريم أنني المالك الحصري لسلسلة (محلات البطل للخزعبلات)، وقد نشرت لي صحيفتنا هذه ثمانية مقالات تحت ذات العنوان عرضت فيها أشكالا وألوانا من أجود الخزعبلات السودانية وأكثرها أصالة. ولم أكن أعلم ان حبيبنا بابكر قد دخل مضارباً، هو ايضا، في سوق الخزعبلات.
تفحصت بضاعة هذا الحبيب فوجدتها، والحق يقال، من أفخر الأصناف، ووجدته هو نفسه، حفظه الله، خزعبلياً كبيراً لا يشق له غبار. الفارق بيني وبينه هو أنني أقتنى الخزعبلات على سبيل الهواية والغواية، ثم أعرضها على قرائي، بينما ابتغى هو ان يتخصص في صناعتها وتسويقها وبيعها. نسأل الله له التوفيق، وما التوفيق الا من عند الله. والظن عندي أنه سيصيب في تجارته هذه نجاحا مقدرا إذ ان بضاعة الخزعبلات في السودان جدُّ رائجة. ويشتهر السوادنة في جماع أمرهم بحب الخزعبلات وتكديسها وتقديسها.

(3)
ولو كان أخي الأصغر بابكر فيصل قد استنصحني لمحضته النصح أن يصوّب بصره على نحو مباشر الى تفنيد المقولات التي وردت في مقالي فيسدّد ويشدّد. وأن يجهد متجرداً، ما وسعه الجهد والتجرد، الى اتيان مزاعمي من القواعد، ثم يقيم من فوقها وعلى انقاضها من لدنه صرحا جديدا متين البنيان. شأن الأتقياء الذين ينشدون الحق فإذا عرفوه عرفوا رجاله، الذين ما ناظروا أحدا قط وهم يبالون ان يظهر الله الحق على ألسنتهم او على ألسنة مناظريهم. ولو فعل لبلغ المرام وأدرك الغاية.
ولكنت حذرته من مغبة الوقوع تحت إغراء تفتيش الضمائر ومساءلتها، كما فعل صاحبنا أمير السيخ والاسمنت وفارس الانتفاضة الموعودة، ولكنت نبهته الى محاذير التورط في اتهام الدوافع والمغامرة بتسميتها احتطابا وخبط عشواء، ولدعوته أن يندُّ عن ذلك المذهب الذي يُفضي الى المهالك.
وإغراء التفتيش والاحتطاب وراء الدوافع واحدة من بلايا السفوح في هضاب الكتابة، لا ينحدر الى وهدتها من الكتاب المتمرسين إلا من ضعفت صناعته وقلّت بضاعته، وكثرت وساوسه وعظمت هواجسه. حاشاه صاحبي بابكر من الضعف والقلة والوساوس والهواجس. ولكن تلك خصلة ذميمة تبتذل قضايا الشأن العام وتضعف موضوعياً من قيمة الحوار الحر إذ يلج الى رحابه الأحرار.
أنظر الى صاحبي بابكر وهو ينهد الى غرضي ومرادي من وراء تسجيلي ونقلي لشهادة الدكتور التجاني الكارب، فيشق صدري ويبذل باطنه للناس، فيقول في المبتدأ انه الغيظ المستكنُّ في قلبي يدفعني للكيد للشريف حسين بدافع ولائي للنظام المايوي الغابر. وأنا هنا، بحسب هذا الحبيب، واحدٌ من (سدنة النظام المايوي البائد الذين يبرطعون في سوح الانظمة الدكتاتورية ومزايا عطايا السلطان). ولعلك تري، أعزك الله، ضعفي وهواني وقلة حيلتي وأنا الأسير في قبضة هذا التحليل التفتيشي، إذ ان سلطاني مات وشبع موتا، فلم يعد لي الى مزاياه وعطاياه من سبيل!
ولكن لطف الله قريب وكرمه رحيب، فها هو الحبيب الكاتب المفتش يبدل رأيه تبديلا فأعفاني على حين غرة من وصمة التذلل لعطايا الرئيس المقبور ونظامه المدحور، وأنزلني مشكورا من حمار المايوية. ثم أركبني، جزاه الله كل خير، فوق حصان الامام الحبيب الصادق المهدي، أعزه الله، وياله من شرف. هو والله حصان العزة، لا أبدله بحصان آخر ولو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري.
يقول لا فض فوه: (لا بدّ ان القارئ الألمعي قد توصل الى الجهة التي يريد الاستاذ البطل ان يقول انها صاحبة الدور الوطني الحقيقي). أما تلك الجهة، بحسب ما بيّن صاحبنا في مقاله، فهي حزب الامة القومي، بعد أن وصمه بأنه أول من غدر بالديمقراطية وسلم السلطة للعسكر في سابقة مشهودة في تاريخ السودان الحديث، او كما قال. وهنا يستبين المنطلق والدافع الحقيقي وراء مقالي ألا وهو تلطيخ صورة الحزب الاتحادي الديمقراطي ورموزه لمصلحة حزب الأمة!
الدوافع إذن وراء نقلى لشهادة الدكتور امين الكارب متوفرة ومتنوعة، على قفا من يشيل، فمد يدك، أعزك الله، واختر ما تشاء، على نظام: (يا ايدي شيليني ختيني): خدمة اجندة الانقاذ التي توظفني في هدم اعدائها؟ موجود. الحقد على الشريف حسين لموقفه المعادي ل(ثورة) مايو التي أنا من سدنتها؟ ومالو؟ برضو موجود. تشويه صورة الحزب الاتحادي بحيث يتساوى في البلايا والمخازي والخيبات مع حزب الامة؟ يا سلام؟ انت تأمر. كلو عندنا. تفضل وخذ ما يلزمك ويكفيك – يا رعاك الله - انت وعيالك!

(4)
اكبر مناجم الخزعبلات عندنا تجده في تاريخنا السياسي الحديث. ولكنني مع ثبات قناعتي هذه، قد لا ابلغ المبلغ الذي بلغه الكاتب الصحافي المتميز الاستاذ احمد يوسف التاي، رئيس تحرير صحيفة (الصيحة) السابق الذي كتب: (ما أعلمه يقينا هو ان التاريخ السري للاحزاب السياسية ورموزها لم يدوّن بعد، وهو قطعا تاريخ مخجل، فكثير من الحقائق تم تغييبها في غمرة العاطفة ورهبة القداسة. هناك حقائق كثيرة لم تذكر بعد، واذا ذكرت فستقلب الدنيا رأسا على عقب، وتصيب الكثيرين بالدوار، ولن يجدوا امامها الا الانكار).
وأقول للحبيب أحمد: "يا سيدي ربنا ما يجيب خجل"، ولكنني اوافقه في ان نطاقاتٍ وهيطة من تاريخنا السياسي تغيّبها العواطف وتبددها مشاعر الرهبة والقداسة. ثم انني اضيف من عندي الى عامل الرهبة عنصر الإرهاب، الذي تتجلى مظاهره في شاكلة ما نراه أمامنا من ترويع متعمد لكل من تجرّأ على فتح صفحة من صفحات التاريخ القريب وقراءتها على غير القراءة المعتمدة عند فريق من الناس.
ولا ريب في ان هذا الصنف من الترويع، الذي يؤذي النفوس ويتهدد أمنها وسلامها، هو الذي ظل يحدّ، بل ويقطع بسيفٍ باتر، عبر الحقب، رغائب كثير من الثقات العدول في الادلاء بشهاداتهم حول حادثات التاريخ ووقائعها كما شهدوها، او كتابتها والتوصية بنشرها بعد موتهم. ولهذا ربط الفقهاء وجوب الشهادة بحماية الشاهد وانعدام الضرر فقيل: (هي فرض عين ولكنها تجب متى قدر المرء على أدائها بلا ضرر يلحقه في بدنه أو عرضه أو ماله أو أهله لقوله تعالى: "ولا يضار كاتبٌ ولا شهيد"). "سيد سابق- فقه السنة /224-207".

(5)
طلبت من ادارة قناة الشروق ان تمدني بأشرطة الحوار الذي أجرته الاعلامية عفراء فتح الرحمن في برنامجها (فلاش باك) مع الاستاذ سيد هارون، الوزير في الحكومة الحالية ممثلا عن الحزب الاتحادي الديمقراطي. وهو الشخص الذي ذكرنا انه كان موضع ثقة المغفور له الشريف حسين الهندي ورفيقه في رحلة السنوات المدلهمات.
ذلك حوار من حلقتين تم بث حلقته الاولى بتاريخ الثاني عشر من اغسطس 2014. وقد مدتني القناة مشكورة بالحلقتين الاولى والثانية، ولكنني سأكتفي هنا بتفريغ ونقل جزئية واحدة وردت في الشريط الاول على لسان الاستاذ سيد هارون (الدقيقة 1/12 ثانية الى الدقيقة 2/18 ثانية)، برغم وجود اجزاء اخرى مشابهة في الحديث والمعنى تجدها، أعزك الله، الشريط الثاني. وهذه الجزئية تبدأ بالعبارة التالية: (كان الشريف حسين يمر بتنازع نفسي كبير جدا)، ثم تتكرر ذات العبارة مع تعديل طفيف في الجملة التالية حيث يستطرد الحديث على لسان مرافق الشريف، الاستاذ سيد هارون، وسأقوم عبر البنود من (1) الى (3) ادناه بايراد نصوص محددة من افاداته:
1/ (الشريف تحدث عن صراع نفسي شديد جدا. كان يقول انا كنت بنازع في نفسي واقول ياخي ديل ما سودانيين، ما نديهم فرصة). انتهت الافادة.
والاشارة هنا بعبارة (نديهم فرصة) تنصرف الى قادة الانقلاب، العقيد آنذاك جعفر نميري وزملائه من الضباط من اعضاء مجلس قيادة الثورة.
2/ (الشريف كان يعلم تماما ان هناك حركة عسكرية قائمة وعارفها. وكان يقول ياخي اذا نحن فشلنا ما نديهم فرصة. كان يتحدث كده).
انتهت الافادة. وعلى حساب التكرار نقول ان المعنيين ب عبارة (نديهم فرصة) هم الضباط من قادة الانقلاب العسكري.
3/ (الشريف قال أنا ما غيّرت رأيي الا بعد ان استمعت الى بابكر عوض الله. في اللحظة ديك عرفت ان الانقلاب لم يكن انقلاب جيش وانما انقلاب حزب).
انتهت الافادة. ومعلوم من سياق الحديث الشامل الأوسع الذي ادلى به الشاهد الاستاذ سيد هارون، لمن شهدوا واستمعوا الى برنامج فلاش باك مع الاعلامية عفراء فتح الرحمن، ان عبارة (غيرت رأيي) المقصود منها ان الشريف حسين قام بتغيير رأيه وموقفه من تأييد الانقلاب، إذ كان يزمع تأييده حالة كونه انقلابا عسكريا محضا، ومنطقه في ذلك هو منح العسكريين (فرصة) لقيادة البلاد وتصحيح الاوضاع، كما صرح مرافقه الذي استمع الي كليماته تلك. وإنما كان العامل الحاسم في تغيير الرأى والموقف هو ظهور اسم بابكر عوض الله.

(6)
هذه الإفادات وردت بلغة عربية مبينة على لسان رجل من أشراف قومه، عُرف بأنه كان موضع ثقة الشريف حسين الهندي. وما زال حتى يوم الناس هذا يتقلد أعلى المواقع في الحزب الذي ترأسه وقاده الراحل الكبير الشريف حسين الهندي حتى اخر يوم في حياته، فما الذي يحول دون قبول شهادته والاستنارة بها؟ هل هو ظنينٌ ام عنين، ام هو مجلودٌ في حد؟!
قالت عائشة رضي الله عنها – مرفوعاً – (لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا مجلود حداً، ولا ذي غِمَر، ولا ظنين، ولا القانع من أهل البيت) رواه الترمزي. فلينبئنا اذن من ارادوا ان ينزعوا عن رجلنا صفة الشاهد العدل وليجيبونا: ايّ من الامور القادحة، على وجه التخصيص، تطاله؟ وحتي نسمع من هؤلاء سيظل الرجل عندنا من العدول المرضيين، الذي عناهم المولى تقدست اسماؤه في التنزيل المجيد بقوله (ممّن ترضون من الشهداء) "البقرة-282".

(7)
حبيبنا ومولانا الدكتور التجاني الكارب عندنا ايضا من الأخيار المرضيين. يعرف عنه السوادنة أنه من اهل الشرف والمحتد، ينحدر من بيت مؤثل ويُصهر الى بيت مبجّل. يقف في غداة يومه هذا عزيزا منيعا على رأس هرم أهل القانون في السودان. من أراد ان يقدح في خلقه وامانته وشرفه فليأتنا بما عنده، فلا يكفي ان يُقال: "أين كان طوال الاربعين عاما الماضية"؟ ولماذا انتظر موت الشريف حتى يدلي بشهادته؟ وقد كان ذلك السؤال هو أعلى مرتقى ارتقاه مُناظرنا الاستاذ فيصل بابكر وهو يجالدنا تشكيكا في شهادته، فنزع عنه ثوبه ونعته بأنه مصدر ضعيف شهادته (واهية)، وأنه لا يقدم دليلا واحدا يسند شهادته سوى الإدعاء!
ليس صحيحا ان شهادة الدكتور الكارب واهية. الصحيح ان الاستاذ بابكر فيصل هو الذي جاءنا بمحاجّة صحّ ان يُقال عنها انها أوهى من بيت العنكبوت. وكنت اظنه بحكم تخصصه في الاسلام السياسي، يعرف الى جانبه شيئا من الفقه وقليلا من علم التاريخ. وليس في حقول الفقه ولا في صناعات المؤرخين ما يشبه هذه الخزعبلات التي سعى بها الينا هذا الحبيب. ليس هناك شئ اسمه ضرورة ايجاد (الدليل) جنبا الى جنب مع الشهادة تحت طائلة بطلان شهاده الشاهد. الشهادة ينطق بها الناس لوجهها، ولا يُطالب الشاهد عرفا ولا قانونا ولا دينا بأن يقدم دليلا ماديا او غير مادي على شهادته، وإنما يكون الاستدلال والتحقيق والمضاهاة والتثبّت المنهجي من شغل المؤرخين.
في علم القانون هناك ما يسمى بال Statute of limitations ويتعلق المصطلح هنا بسقوط الأشياء بالتقادم. ولكن ذلك السقوط وان جاز في القانون على جرائم المجرمين فإنه لا يجري في التاريخ على شهادات الشهود. بل وعلى العكس تماما، فإن منطق التاريخ من أساسه يخالف ذلك المعنى ويضاده، لأن التاريخ في الأصل لا يكون تاريخا الا اذا تقادم. بل وكون ان الدكتور التجاني الكارب اراد ان يسجل شهادته للتاريخ بعد اربعين عاما من وقائعها فلأنه أحس بأن الوقت ربما أزف ليشهد بما عنده من بعد تطاول الكتمان، وهو كتمان نعلم اسبابه في بلد كبلدنا الغالي.
و استغرب لمثقف في وزن الاستاذ بابكر فيصل وهو يحتج لتأخر الشهادات التاريخية، والتاريخ في المبتدأ علم انساني منفتح لاستنطاق الشهادات من الأحياء ومن رسوم وآثار الأموات. فإذا كانت الحقائق التاريخية تؤخذ من شهادات الأحياء وآثار الأموات فما ظنك بمن عرف عنه تحري العدل في القول والفعل، ولم يتهمه احد من قبل بشهادة الزُّور. ولا اجد حرجا ان يتحدث الاستاذ الكارب بعد أربعين عاما، فكم من مذكرات نشرت بعد موت صاحبها ولعل اخرها (مايو سنوات الخصب والجفاف) للمرحوم الرائد زين العابدين عبدالقادر.
أشهر نماذج الصحافة العالمية هو ما يسمي ( الحنجرة العميقة)، وهو المصدر الذي كشف قصة ووترغيت الشهيرة، التي عصفت بالرئيس ريتشارد نيكسون في ستينيات القرن الماضي، للصحافي الامريكي بوب وودورد محرر (الواشنطون بوست)، الذي آثر ان يتحدث بعد ما يقارب نصف القرن من الزمان. ولم نسمع ان احد علماء التاريخ او اهل الصحافة في الولايات المتحدة قد نقض روايته لانه قرر ان يتحدث بعد خمسين عاما.
لم يتحدث التجاني الكارب ربما لانه لم يستنطقه احد، ومن حق اي شاهد علي التاريخ ان يختار الوقت الذي يراه مناسبا للإدلاء بشهادته التي لا تسقط صلاحيتها بالتقادم. ولعلك لم تسال نفسك لماذا اختار الدكتور منصور خالد وهو يدلي بشهادته في قناة العربية لبرنامج (الذاكرة السياسية) ان ينصف نميري في بعض مواقفه التاريخية بعد أربعين عاما، وكان قد وسمه بشذاة سيفه في كل كتبه منذ (الفجر الكاذب) حتي (جنوب السودان في المخيلة العربية).
لذا فان تقادم التاريخ ليست حجة ترمي في وجه شهود العصر، مادموا يتمتعون بالأهلية من ذاكرة حية واستقامة شخصية لا تعرف التدليس في القول او الفعل او ابتغاء مغنم او مغرم او تشفٍّ من الأشخاص موضع الشهادة. وذلك ما يرجح صحة وحقيقة شهادة الكارب، ولعل ما أغاظ الاستاذ بابكر، ومحازبي كيانه السياسي، ان تلك الشهادة قد مست عجل الديمقراطية المقدس في الحزب الاتحادي، وهو بشر في كسوب السياسة لا يتصف بأي صفات خارقة عن عادات السياسة السودانية المألوفة التي تقوم علي المساومة والمناورة والمداورة والبراغماتية.

(8)
لم يجد الاستاذ بابكر فيصل طوال تاريخ حزبه المديد من شاهد يعضد به دفوعاته سوي ان الحزب الاتحادي قد اصدر كتابا ينتقد فيه حل الحزب الشيوعي، ورفع ذلك لمقام البطولة والشجاعة الأدبية والحس النقدي المرتفع للذات. وأتوجه اليه بالسؤال بذات منطقه الذي ظنه تعجيزيا عن صدقية شهادة الدكتور الكارب قبل أربعين عاما، وهي كم استغرق الحزب الاتحادي من الوقت ليصدر كتابا ينتقد فيه حل الحزب الشيوعي؟ لأنه لم يجرؤ احد ان ينتقد قرار الأزهري وهو يسعي بين الناس وفيه عرق ينبض. لماذا انتظر الحزب موت الأزهري وخرج للناس مبارزا بكتاب أسماه "نقد موقف الحزب من حل الحزب الشيوعي"؟ بذات منطق الاستاذ بابكر فيصل يستطيع اي تلميذ دارس للتاريخ ان يطعن في صدقية ذلك الكتاب لانه خرج بعد موت الأزهري!
وإذا أردنا التوغل في التاريخ الحقيقي فاننا نجزم بأن ذلك النقد كتبه (الشيوعيون) داخل الحزب، لان ثقافة ما يسمي النقد الذاتي ليست ثقافة الحزب الاتحادي رغم ليبراليته الذائعة، ودليلي انه انتقد الأزهري ولم ينتقد غيره من القيادات بفضل تأثير التيار اليساري المعادي له داخل الحزب. جاء في تقرير السفارة الامريكية في الخرطوم بتاريخ ١٢ نوفمبر ١٩٦٥ ان (الأزهري العلماني اصبح خائفا من العلمانيين الحقيقيين والليبراليين والتقدميين والشيوعيين داخل حزبه)، وهؤلاء هم من كتبوا ذلك النقد بعد وفاته!
وإذا كان الاستاذ بابكر فيصل يفاخر بما اسماه عدم تقديس القيادات داخل حزبه فإن غضبته المضرية في الدفاع الهندي دون النظر لمواقفه السياسية ومقاربته نحو الديمقراطية في عهد نميري الاول لهو تقديس لهذا الرمز الذي صنعت منه كتابات بابكر واقرانه بقرة مقدسة وأحد الأيقونات التاريخية التي لا تمس داخل الحزب.
وانتظر ان يخبرني صاحبي لماذا تأخرت شهادة الحزب الاتحادي في نقد رئيسه في حله للحزب الشيوعي؟ وهل تسقط شهادة الحزب وتقويمه لموقف زعيمه بالتقادم؟ وهو يجعل من عرض الكتاب في معرض الحزب الشيوعي احد أزهي إنجازات حزبه التاريخية. ومن يعرض بضاعة الأزهري الخاسرة في موازين اليسار اذا لم يحتف بها الحزب الشيوعي؟!
وليعذرني الحبيب فيصل إذ أقول عنه انه رغم ذكائه المشهود وثقافته الواسعة الا ان أدواته في مناهج التحقق التاريخي لم تغادر بعد محطة "عاش ابو هاشم"!

(9)
مهما يكن فسنعود، بأمر الله، في الجزء الثاني لنستأنف حديثنا عن سيرة المغفور له الشريف حسين الهندي في ضوء الجدل الماتع الذي أثاره الصديق الاستاذ بابكر فيصل، والزعيق والنهيق الذي أثارته في مواجهتي زمرة الثائرين من الغوغاء والبهائم السابلة في منابر الاسافير ووسائط التواصل الاجتماعي.
(نواصل).