حوار مع الكاتب الصحفي مصطفى عبد العزيز البطل

نص حوار مجلة (السمراء) وصحيفة (الرأى العام) مع الكاتب الصحفي مصطفى عبد العزيز البطل:

*********

هل تصنف مصطفى البطل ضمن المفكرين ام الاكاديمين ام الكتاب الصحفيين ام سوى ذلك؟

لم اسمع ان هناك من صنفني مفكراً، واذا كان هناك من صنفني كذلك فـ (ذنبو على جنبو). ولكن لي بالقطع قسط من الصفة الاكاديمية، فقد علمت ردحا من الزمان زميلاً وباحثاً في معهد هيوبرت همفري للسياسات العامة والاستراتيجية بجامعة منيسوتا بالولايات المتحدة. وعملت قبلها ولعدة سنوات محاضرا بكلية العلوم الاقتصادية والاجتماعية بجامعة ام درمان الاسلامية، وبأكاديمية السودان للعلوم الادارية. واحسب نفسي ناشراً وصحافياً اذ شاركت في تأسيس واصدار صحيفة في التسعينيات حملت اسم (ظلال)، فضلاً عن واقع كوني كاتبا صحافياً لربع قرن، سوّدت خلالها صفحات خمسة صحف ومجلتين بالمفيد وغير المفيد.

2. كيف تقسم وقتك في الولايات المتحدة، بلاد (الوقت الغالي)، بين التزاماتك العملية والاسرية وهذه الأسافير؟

خلال العشرين عاما الماضية توليت وظائف تنفيذية مختلفة في حكومة ولاية منيسوتا بالولايات المتحدة، واعتقد انني اوفيت التزاماتي العملية، المهنية والوظيفية، حقها. أغلب مقالاتي واعمدتي انجزها من داخل مكتبي على هامش ساعات العمل الرسمية، اذ لا أفضل ان اخصص اي جزء من وقت الاسرة للصحافة. ولكن الكتابة لا تستهلك عندي وقتاً طويلاً بحيث تؤثر على أدائي الوظيفي. في العادة افكر وارتب الافكار صباحا اثناء قيادتي للسيارة في (الهاي واي) في طريقي الى العمل. التعبير عن هذه الافكار في شكل مقالات وأعمدة يتم في وقت قصير. أما الأسافير فأحاول بقدر الامكان التركيز على المواقع ذات العطاء الثمين الاكثر تميّزا.

3. تقول ما تراه وتكتب ماأنت مؤمن به لا تتبع السرب غالبا ولا تجاري (الموضات) الكتابية..كل ذلك يجلب الى بابك أعداء لم تتوقعهم وأصدقاء لم تنتظرهم..هل هذا صحيح ؟؟

نعم هذا مؤكد. هناك العداء المجاني، ثم روح القطيع والصخب والانفعالات التي تستتبع ذلك. وهناك حالة التفاعل العلني الواسعة التي خلقتها تكنولوجيا ثورة المعلومات. ولكن الملاحظة التي استخلصتها عقب كل هذه السنوات من الوجود النشط في ساحات المدافعة السياسية والاعلامية هي أن هناك اغلبية صامتة في ثنايا الحياة السودانية تفضل ان تستخفي بآرائها ومعتقداتها تجاه ما يدور في المسرح الوطني العام، فلا تبوح بها إلا على استخفاء. أعرف ذلك من حصيلة التواصل المباشر الواسع، ثم التواصل الالكتروني الخاص المغلق مع أعداد غفيرة من المثقفين وعامة الناس الذين يتداخلون معي بصورة يومية. وأرى في ذلك ظاهرة غير صحية، لأنها تسمح لاصحاب الصوت العالي بادعاء الوصاية على المجتمع وتمثيله. وفي ظني ان توسيع قواعد الممارسة الديمقراطية كفيل بالقضاء على هذه الظواهر وتفعيل وتمكين اوسع القطاعات في المجتمع من التعبير عن مواقفها وآرائها بحرية وطلاقة وبغير خشية من ارهاب او وصاية.

4. الحالة السودانية السياسية حالة شديدة التعقيد..نالك من سهام النظام الحالي ما نالك ومع ذلك يصنفك الكثيرون في خانة المدافعين عنه (فهّمنا الحكاية) !!

هذه خصيصة سودانية راكزة وقد كتبت عنها مرارا وتكرارا. كثير من الناس يقرأون المادة المكتوبة ثم يخرجون بنتيجة واحدة وهي ان الكاتب مؤيد للنظام او معارض له، وليست هناك منطقة وسطى. وهناك دائماً ذلك النوع من التقدير والاعجاب المقترن مباشرة بتوجهات الكتابة وموقع الكاتب من اي صراع سياسي. سوق الحياة العامة في صفوف المتلقين عندنا ملتهب، وهناك حاجة متصلة لتزويد احتياجات هذا السوق بأنواع معينة من الكتابات التي ترضي وتوافق مزاج القطاعات الأعلى صوتا. أسمي هذا النوع من الممارسة الصحفية كتابة التحشيد، واطلق على النوع من الكتّاب الذي يتورط ويغرق فيها (كتّاب ما يطلبه المستمعون)، فهم يغنون وينشدون لقواعدهم ما يعرفون سلفاً انه يطربهم ويشجيهم. وهكذا سادت عندنا روح القطيع والهتافية، واصبحت عندنا جيوش من المصفقين والمهللين. فيما يليني من الأمر أريد ان اكون مستقلاً وارفض الانقياد. مهمة الكاتب كما افهمها هو ان يكون قائداً لا تابعاً. اخطر العلل التي تضرب مصداقية الكاتب الصحافي في مقتل هي التماس التصفيق من القارئ، والتوسل الى الناس بما يشتهون.


5.لديك مصطلحات وتعبيرات وقاموس (بطلي) خاص جدا ..سرعان ما يستعيره البعض ويتقمصونه ..هل يزعجك هذا؟؟ ام تنظر اليه برضا من وصلت رسالته ؟؟
ألاحظ ذلك وأجد نفسي مغتبطاً به. الرسالة التي تصل الى الكاتب عندما يرى الاخرين يتقمصون أساليبه ويستعيرون عباراته ومصطلحاته هي انه مؤثر وفاعل. وانا احب ان اكون مؤثرا وفاعلا. ويرضيني ذلك كثيرا.

6.بعد هذه التجربة الثرة والنضرة في مجال الكتابة الصحفية اذا طلبت اليك خلاصات من زاوية قناعاتك المغايرة لمعضلات السودان ..ماذا انت قائل عن:

1/الحوار الوطني
في السياسة الحوار نقيض الصراع، وإن كان البعض يرى ان الحوار نفسه ممارسة للصراع بوجه اكثر أماناً وتحضراً. وفي كل الأحوال فإنه لا ينبغي لعاقل أن تعرض عليه تسوية قضايا وطنه بالحوار فيلح على تسويتها بالبندقية. اعتقد ان جوهر الازمة الان هو ان كثيرا من الرافضين للحوار انما يرفضونه لأنهم ينظرون الى المستقبل بعيون قلقة وقلوب واجفة، لسبب واحد فقط، وهو انهم يهابون الديمقراطية القادمة ويخشون بأسها. الديمقراطية ستعري الكثيرين وتكشف احجامهم الحقيقية. وسيصعب جدا على من عاش لأكثر من ثلاثة عقود، يشعل نيران الحروب والاقتتال الاهلي، وهو يزعم انه يمثل شعب السودان ورغائبه وآماله، سيصعب عليه ان يكتشف ان الشعب لا يعرفه ولا يقيم له وزنا. هذه هي المحنة التي يواجهها البعض في معسكر المعارضة المسلحة.

2/ مشكلة دارفور
اقليم دارفور هو عظم الظهر للسودان الحديث خاصة في جانب الثروات والعمالة المنتجة، وقد قامت عليه معظم المشروعات الزراعية الكبري في السودان بما في ذلك مشروع الجزيرة. شئ مؤسف ان تصل الانتهازية بالنخب السودانية في المركز ودارفور حد التواطؤ على احالة اقليم مهم مثل دارفور الى ميدان للحرب تصفى فيه اجندات الداخل والخارج. أعقل متمردين في هذا العالم كانوا ثوار التاميل في سريلانكا الذين وضعوا السلاح طوعاً، من تلقاء انفسهم، عندما ادركوا ان الضحية الاولى للحرب لم تكن حكومة كولومبو، بل المواطن التاميلي العادي الذي خرّبت حياته، وهلك حرثه ونسله، وحالت دنياه الى موت ودماء وسلسلة متصلة من المآسي. ولكن الله ابتلانا بأنبياء كذبة لم يبالوا بتحويل سهول دارفور الى حقول للموت في سبيل الزعامة والسلطة والنفوذ.

3/ الجبهة الثورية
مؤسسو وقادة الجبهة الثورية يزعمون انهم يهدفون الى تحرير السودان. ثلاث من تنظيماتهم الاساسية تحمل في مسمياتها عبارة (تحرير السودان). أى سودان يريدون تحريره؟ انا ازعم ان غالبية شعوب السودان في الشرق والوسط والشمال النيلي لا تأبه لهذه الجبهة الثورية ولا ترى فيها غير الشر المطلق. فهي عبارة عن كيان لا يمثل الا نفسه. وعموما فقد تصدع بنيان هذه الجبهة وتشقق بعد ان ضربها الخلاف الاخير حول المناصب ومواقع القيادة.

4/ سؤال الهوية
لا احب هذا السؤال. وقد شغل بعض مثقفينا انفسهم به ودلقوا على حفافيه انهاراً من الأحبار بغير طائل حتى تحولت اطروحة الهوية الى سفسطة و(شغل عواطلية). السودان بلد متنوع مثله مثل عشرات من بلدان العالم، فالتنوع الاثني والعرقي والثقافي ليس امرا يختص به السودان. الهوية تندلع من جماع هذا الهجين، ومنه تتخلق روح الوطنية السودانية، وكفى.

5. أزمة الحكم وصراع الكراسي
فشل المشروع الديمقراطي السوداني اصبح قضية مسلم بها. وبالطبع فإن هناك معضلات تاريخية مستعصية تتصل بالهياكل المجتمعية والبيئة الحاضنة للديمقراطية إجمالاً. هذه القضية ترتبط اوثق رباط بدور النخبة او الصفوة وسجلها الأدائي منذ الاستقلال وحتى اليوم. أفضل من قام بالحفر في حقل هذه الازمة هو الدكتور منصور خالد. تفاحش الازمة عبر الحقب هو انعكاس لفشل النخبة أولاً، ثم انه وبنفس القدر انعكاس لواقع وطبيعة المجتمعات السودانية في المدن والريف من حيث التربية والثقافة والقيم الكلية ثانياً. عموماً أنا من المؤيدين والداعمين لاطروحة الاستاذ عبد العزيز حسين الصاوي التي تقول بأن التحديث والاصلاح والاستنارة تبدأ في محورين اساسيين هما التعليم والمجتمع المدني. ثم تمشى في مسار طويل وشاق يتطور ببروز وصعود طبقة وسطى قوية وقادرة على النهوض بمسئولياتها تجاه تعزيز ثقافة الديمقراطية والتنمية السياسية. في غياب هذه العناصر ستظل أزماتنا تراوح مكانها وتعيد انتاج نفسها.

7. ارتبط اسمك بعدد من المعارك الصحفية..وكانت متعة لا توصف لجمهور القراء الذين ينتظرون سلسلة هذه المعارك (المخدومة) بالمعلومات والاسانيد والشواهد. هل هذه (المعارك) ممتعة لك أيضا ؟؟

كثير منها كان مفيدا بالطبع في اطارها المنضبط كجزء من حركة المدافعة السياسية والثقافية الحرة. ولكن لم تكن كلها ممتعة. بعضها مؤسف، وقد خضتها اضطراراً. أنا كمبدأ أرفض منهج الابتزاز والبلطجة والارهاب الذي يحاول ان يمارسه البعض في مواجهة خصومهم. وكان دأبي دائما ان اتصدى له بحسم وصرامة، بهدف ان اؤسس لقاعدة ان الارهاب لا يفيد في حقل الخلاف السياسي والفكري، تماما كما ان الجريمة لا تفيد، كما هي النظرية، في الحقل الجنائي.

8. الحريات الصحفية، الرقابة القبلية، البعدية، مقص الرقيب، المصادرة، الخ. مفردات ظلت حاضرة في طاولات الفعل الاعلامي والصحفي في بلد تصدر فيه قرابة ال60 صحيفة يوميا. كيف تحلل الامر؟ هل هناك خطوط حمراء في العمل الصحفي بشكل عام؟


بالطبع، ومن حيث المبدأ، انا مع حرية الفكر والتعبير. تكريس وتأمين وحراسة هذا المبدأ في حقل الصحافة مسؤولية مشتركة بين الدولة والصحافة. لا ينبغي ان تتحيّف الدولة تحت مظلة حماية الامن القومي والامن الاجتماعي، ولا ان يتجاوز الصحافي تحت دعاوي الحرية. نعم هناك خطوط حمراء تحكمها ذات معادلة الأمن والحرية. ليست هناك حرية مطلقة بلا كوابح، في اي دولة في العالم، يكون من شأنها تهديد الامن القومي والأمن الاجتماعي. ولكن المهددات القومية والاجتماعية لا بد من ان تكون معرّفة بالألف واللام، ومعلومة، ومتفق عليها. وبغير ذلك لن تقوم شراكة ناجحة بين الصحافة والدولة.

8. من يتابعك. هل انت حقا كذلك يجزم أنك تمتلك ذاكرة حافظة بصورة مدهشة ؟
لو صح ذلك فهو من فضل الله علىّ. والله يؤتي فضله من يشاء.
9. كيف تقرأ المشهد الغنائي والفني السودان الآن؟
فنياً نمر بمرحلة ركود نسبي وغياب للتفرد المدهش الذي ميّز حقب سابقة. برغم ظهور عدد كبير من المغنين والمغنيات فإن معظم الغناء الذي نسمعه اجترار من الماضي وليس هناك جديد على مستوى النصوص والالحان والاصوات. المشهد يتسم بالنمطية والتكرار؛ غزارة في الانتاج وشح في التميّز. اغنية الحقيبة ما زالت تمارس سطوتها، وأميل الى الظن ان غناء الحقيبة اصبح يشكل حجرة عثرة في طريق تطور الغناء السوداني.


10.من موقعك في مينيسوتا في اقصى الشمال الامريكي كيف تنظر الى الوجود السوداني في المنافي الطوعية والاختيارية؟

أسميها المهاجر وليس المنافي. لفظة المنفي مصطلح شبه سياسي. الولايات المتحدة ظلت دائما مهجرا اختيارياً ولم تكن منفي قهرياً لأحد، كما يحاول البعض ان يوهم نفسه وغيره. عشت في الولايات المتحدة ثلاثا وعشرين عاما ولم التق سودانيا واحدا أتى الى هذه البلاد بغير رغبته الخالصة. ما منهم من أحد ألا وقد سعى مختارا راغبا في تحقيق الحلم الامريكي، وما منهم من أحد لم تغمره الفرحة لحظة حصوله على تأشيرة الدخول. وأميل الى الظن ان الاشراقات السودانية في المهجر الامريكي اصبحت اليوم تغلب على ما عداها. الهجرة الواسعة للولايات المتحدة بدأت منذ العام 1990 تقريبا، وهناك اليوم مئات الالاف من الذين اكملوا عقدين من الزمان واكثر. والتحدي الحقيقي الذي اصبح يواجه هؤلاء هو كيفية ربط الجيل الثاني للمهاجرين، من الابناء والبنات، بثقافة الوطن وقيمه. وهو تحد جِدُّ جسيم.

11. تدعي المرأة السودانية أنها ذات سبق وطول في مجال الحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية رغم الشواهد التي يتم ابرازها بعكس ذلك..ماذا ترى؟؟

مؤكد ان المرأة السودانية جاهدت حق الجهاد في مسيرة تأمين الحقوق السياسية والاجتماعية. لا يكابر في هذا إلا جاحد. المرأة السودانية دخلت البرلمان ممثلة للشعب عبر الانتخابات الحرة المباشرة عام 1965 وتولت المنصب الوزاري عام 1971، في وقت مبكر لم تكن فيه المرأة في دول اكثر تقدما تحلم بارتياد هذه المواقع. المرأة السودانية جلست قاضية في منصة العدالة، وهو حق لم تحصل عليه المرأة المصرية مثلاً الا بعد اكثر من عشرين عاما من رصيفتها السودانية. كما انعكس ذلك في حقول التشريعات الواسعة المنصفة للمرأة والاسرة والتي تمت اجازتها وتنزيلها عبر الحقب. بكل المعايير المرأة السودانية متقدمة على غيرها اقليميا ودوليا.

12. ألا تفكر بالعودة والاستقرار بالسودان والمساهمة في التغيير نحو الافضل من داخل الوطن؟؟
كله بأمر الله. ولو بارك الله في الأعمار في خطتي ان اعود الى السودان في مدى زمني قريب. أنا من الذين لا يرون لانفسهم خارج السودان داراً ولا قبرا.

13. ماذا تعني لك وادي حلفا ؟؟
وادي حلفا بالنسبة لكل من ينتسب لها هي الاصل، وهي الأساس، وهي الجذور. بغيرها لا نساوي شيئاً.
14. كلمة اخيرة:
ليس لدي ما اهديه لقارئ (السمراء) سوى حديث مرفوع الى النبي عليه افضل الصلاة والسلام، هناك من قوّاه وهناك من ضعّفه، ولكنه أثيرٌ عندي: (الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو احق الناس بها).


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.