غرباً باتجاه الشرق

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

السبت 16 مايو:
(1)
هبطت من القطار وتوجهت رأساً الى منتجع باقشوت حيث الدكتور تيسير. وجدته يجادل احد الأطباء حول برنامجه العلاجي. نظرت في الصالون فانتبهت الى وجود شاب صغير ووسيم.

نظرت اليه وقلت: "هاللو". رد الشاب: "أهلاً". بعد دقائق قليلة كانت بحوزتي كومة كبيرة من المعلومات عن هذا الشاب الوثّاب. مثلاً: اسمه الكامل محمد مجدي حسن داؤد. يدرس ادارة الأعمال والتسويق  بجامعة نوتنغهام في بريطانيا. ومن ذلك أيضاً أنه مشجع خطير لنادي آرسنال الانجليزي. قلت له: "تعرف يا محمد، ليك حق تشجع الآرسنال فأنت تشبه ثيو والكوت لاعب الارسنال الشهير شبهاً شديداً، لكأنك هو نفسه الخالق الناطق". أعجبته ملاحظتي بطبيعة الحال.

وقفت كثيراً عند إجابات هذا الشاب على اسئلتي الاخرى. اكثر ما لفتني في شخصيته أنه يملك ذلك الشئ الذي يسميه الفرنجة (Sense of purpose)، وتعني معرفة الهدف والسعي المنتظم باتجاهه. وهذا السنس اوف بيربوس هو في العادة أول ما أحاول استشكافه في صغار السن الذين اتحدث اليهم.

قال لي محمد ان مثله الأعلى هو رجل الاعمال اسامة داؤد عبد اللطيف، وأنه على دربه. وحكى لي أنه حظى بلقائه مباشرة، وتعرف على شخصيته عن قرب، واكتشف انه رجل مدهش، وانبهر بتواضعه وفرادته وتميزه وحيويته في ذات الوقت. ثم أنه ناقش معه عدداً من الأفكار الاقتصادية والاستثمارية الكبرى فأذهلته قدرات اسامة على تقليب الافكار وتطويعها واخضاعها لقاعدة معلوماته الضاربة باسلوب منهجي ومنظم وخلاق. ثم اضاف بانجليزيته ذات اللكنة البريطانية: (He is my role model).

تمنيت لمحمد كل توفيق، وقلت له انني أكاد أرى له بظهر الغيب نجاحات مشرقة في عوالم المشروعات التي يفكر في انجازها عند عودته الى السودان، وليس على الله بعزيز ان يجعل منه أسامة داؤد الثاني.
(2)
غادرت المنتجع مبكراً للوفاء بموعد مسبق مع الاستاذ صديق محمد عثمان مدير مكتب حزب المؤتمر الشعبي في لندن. وتجدني دائماً، أعزك الله، أعمل لهذا الحبيب ألف حساب. صدّيق شخصية خطيرة. أنا نفسى أخاف منه. شئ عجيب ان تبدأ يومك مع شاب وديع مثل محمد مجدي، ثم تستأنفه مع رجل داهية مثل هذا الكوز.

مصادر معلوماتي الخاصة تقول أن صديق، وهو في الأصل رجل قانون تخرج في جامعة الخرطوم، واحد من الكوادر الاسلاموية المدنية-العسكرية التي قامت بتنفيذ انقلاب 1989. وأنه، عقب الانقلاب، كان احد المنسقين بين الشيخ حسن الترابي، الذي قبع وقتها في السجن حبيساً، والاستاذ على عثمان محمد طه، القائد التنفيذي الفعلى خارج السجن.

وهو في الأصل احد المشاركين في تأسيس الجبهة الاسلامية القومية عامي 1985 و1986. قضى اغلب سنواته في مكتب الشيخ الترابي والشيخ على عثمان. صديق معتاد على أجواء القيادات، وقد اصطحب الشيخين في عدد كبير من الرحلات الخارجية شملت اغلب بلدان العالم. كما انه شارك في تأسيس المؤتمر الشعبي العربي الاسلامي في التسعينيات، وكان مشاركاً في اغلب مفاوضات حزبه مع التجمع الوطني والحركة الشعبية لتحرير السودان عهدذاك.

رأيت صديق يقدل في شوارع لندن بسيارة نيسان (SUV) ضخمة ذات دفع رباعي موديل 2015، لم أر في بريطانيا من يقودها سوى الامير تشارلس. البريطانيون عن بكرة ابيهم يقودون سيارات صغيرة جدا تشبه البيضة، هي في الغالب الحجم الاكثر صغراً في موديلات السيارات الاوربية واليابانية.

سألته ان كان المؤتمر الشعبي هو الذي اشترى له سيارته تلك، ام سفارة البحرين، حيث يعمل مستشاراً اعلامياً. ضحك ولم يجبني!

سألته عن سبب ظهوره المتكرر في المحافل اللندنية الخاصة والعامة بصحبة المتمرد الدكتور جبريل ابراهيم، فضحك ولم يجبني!

سألته عن السنوات التي قضاها في جنوب افريقيا في التسعينيات. هل صحيح انه كان هناك مستثمراً لأموال الحركة الاسلامية كما يزعم البعض، فلم يضحك هذه المرة، وأجاب بالنفي.

سألته عن ما تردد عن اتهامه بالتورط في صفقات اسلحة تخص حركة العدل والمساواة، فلم يضحك أيضاً، وأجابني بأنه لم تكن له صلة بأية صفقات اسلحة.

تذكرت عندها البيت الأخير من قصيدة مايا لنزار قباني: (وأنا أصدق كل ما قال النبيذ / وربع ما قالته مايا). مع أنني في واقع الأمر صدقت كثيراً مما قاله لي الرجل، فهو صديق ومصدق .. في غالب الأمر!

ثم أنه لم يكن هناك، والحق يُقال، أى نبيذ على مائدة هذا الحبيب العامرة أبداً بإذن الله. وإنما مشروب ايراني أبيض اللون، له طعم الشربوت، عرفت انه المشروب المفضل عنده!

نقلاً عن صحيفة (السوداني)